سـواد

سـواد

17 0

ليالٍ ثلاث لم أنم.

الصورة التي وصلتني بقيت على مكتبي، تنظر إليّ كما لو كانت تهمس.

أنا في الصورة… فتاة صغيرة، بعينين خاويتين، في غرفة كأنها تنتمي لزمن آخر.

"كنتِ هناك، حين بدأ كل شيء."

هكذا كُتب خلف الصورة…

لكن لم أذكر أي شيء.

---

آيرس لاحظت شرودي.

"ستيلا، أرجوكِ… هذا يُدمّرك."

"أنا فقط أحتاج أن أتذكّر."

"تتذكّرين ماذا؟ أنتِ لا تعرفين حتى من وضع تلك الصورة!"

لكنني كنت أعرف… في داخلي، هناك شيء يريد أن يخرج.

أصوات خافتة… صرخات مكتومة…

وظلّ طويل، بوجه مشوّه… يدعى بايدن.

---

ذهبتُ إلى مكتبة "آرثر"، صاحب المحل العجوز الذي أثق به.

طلبت منه ملفات قديمة عن دور الأيتام المغلقة في المدينة.

قلبتُ في الصور… ثم توقفت عند واحدة.

أطفال مصطفّون.

وبينهم… أنا.

وعلى الطرف، كان يقف شابٌ بوجه نصفه محروق… عيناه لا تظهران، لكني شعرت أنه كان يراقبني.

قال آرثر:

"هذا؟ آه، نعم… هذا اسمه بايدن. عمل مشرفًا في عدة مياتم… ثم اختفى."

---

حين عدت إلى القصر، وجدت فوضى.

آيرس كانت تصرخ:

"ستيلا! أين ستيف؟! لقد اختفى!"

رأيت رسالة صغيرة على طاولة المطبخ.

بخطٍّ غريب، يُشبه الحرق على الورق.

"نحن لا نأخذ إلا من تركوا أبوابهم مفتوحة. — العين الرابعة"

---

في الليل، جاءتني رسالة من رقم مجهول:

"إن أردتِ رؤيته حيًا… تعالي وحدك. الساعة الثالثة صباحًا. إلى الميتم القديم — بناية الحجر الأسود."

---

ارتديت معطفي، وخرجت.

وفي طريقي عبر الزقاق، ظهر أمامي فجأة…

آيدن.

وقف في الظل، عيناه تلمعان كما لو كان يحترق من الداخل.

قال بصوت هادئ:

"إن ذهبتِ، لن تعودي كما خرجتِ."

قلت وأنا أنظر في عينيه:

"أنت تعرف هذا المكان… أليس كذلك؟"

أومأ:

"كان بيتي… وسجنك."

اقترب، أمسك معصمي بقوة، ثم قال بصوت لم أسمعه منه من قبل:

"إن شعرتِ يومًا أني السبب في كل هذا… فسامحيني."

نظرت إليه، لحظة صمت مرّت بيننا كالعمر.

"آيدن… لا تتركني وحدي."

اقترب أكثر… حدّق في عينيّ، ولمس وجهي بأطراف أصابعه المرتجفة، كأنه يلمس شيء يخاف أن يختفي.

قال همسًا:

"لن أترككِ. وإن انتهى هذا العالم… سأبقى معكِ."

---

ثم…

ذهبنا سويًّا.

إلى الميتم القديم.

حيث البوابة الحديدية تنتظر…

وحيث تنتظر الحقيقة، أن تُفتح… أو تُدفن من جديد.

.......

كانت بناية "الحجر الأسود" منسية عند أطراف المدينة، متهالكة كأنها تنتمي لعالم آخر.

جدرانها العالية متشققة، أبوابها منزوعة، ونوافذها تطلّ على فراغ لا يراه أحد.

تقدّمت أنا وآيدن ببطء.

قال بصوت منخفض:

"كل زاوية هنا... تعرف اسمي."

نظرت إليه، رأيت التوتر في يده، كأنه يقاتل ذراعًا قديمة تحاول جذبه إلى الخلف.

---

دخلنا من الباب المخلوع، والظلام يبتلعنا.

أخرجتُ مصباحًا صغيرًا.

العفن، والغبار، والصمت… كل شيء كان يهمس بالماضي.

ثم... سمعنا الصوت.

أنين.

ركضتُ نحو مصدره، فتحت بابًا حديديًّا… وهناك كان.

ستيف.

مقيّد إلى كرسي معدني، وجهه مضروب، وكتفه ينزف.

صحت:

"ستيف!"

ركضت إليه، وضعت يدي على خده، كان وعيه مشوشًا، لكنه فتح عينيه ببطء.

همس:

"ستيلا… لا تفتحي الباب الآخر… لا تفتحيه… هو ينتظر…"

قلت وأنا أحاول فك قيده:

"من؟ من ينتظر؟ بايدن؟"

لكنه لم يجب، فقط تنفس ببطء وعيونه تتحرك كأنه يرى شيئًا لا نراه.

---

قال آيدن وهو يقف عند الباب:

"لسنا وحدنا."

وفعلًا… سمعنا صوت خطوات.

خطى ثقيلة... منتظمة... قادمة من نهاية الممر الطويل.

---

خرجت من الظلّ امرأة.

نصف وجهها مغطّى بقناع أبيض، والنصف الآخر محترق…

لكن العين التي في النصف المكشوف، كانت مألوفة.

همست:

"مارغريت…؟"

ابتسمت بخفّة:

"مرحبًا، ستيلا. ظننتِ أنني متُّ، أليس كذلك؟"

---

نظرتُ إلى آيدن.

كان وجهه جامدًا، لكن عيناه… كانتا تقولان شيئًا آخر.

قالت مارغريت وهي تتقدّم:

"مرحبًا بكِ في بيتنا. هذا المكان لم يُنسِنا… ولا أنتِ."

قلتُ لها بحدة:

"مَن وراء هذا؟ من هو بايدن؟ أين هو؟"

ضحكت، ضحكة واهنة:

"هو هنا. في كل زاوية… وفي كل عين تفتح.

وإن أردتِ رؤيته… عليكِ أن تدخلي الباب الأسود."

---

نظرتُ خلفها، فرأيت بابًا خشبيًا قديمًا، مطليًّا بالسواد، وكأنه يبتلع الضوء.

همس آيدن:

"هذا الباب… هو الأصل. هو بداية النهاية."

---

استعدتُ للسير نحو الباب، لكن مارغريت رفعت يدها، وقالت:

"فقط أنتِ تدخلين، ستيلا… إن دخل أحد معكِ… لن يخرج أحد."

نظرت إلى آيدن، وقفت أمامه.

قال بصوت خافت:

"لن أدعك تذهبين وحدك."

همست:

"لا، آيدن. إن كنت جزءًا من هذا… فأنا سأدخل وحدي… وأُخرجنا معًا."

---

تقدّمتُ نحو الباب الأسود.

وراءه… الماضي.

وربما بايدن.

وربما… النهاية.

الفصل التاسع عشر

داخل ذلك الباب الأسود، لم يكن هناك ضوء، ولا حتى ظلال. فقط فراغ يتنفس. تقدمت بخطى حذرة، يدي تلامس الجدار الخشن، كأنني أعبر إلى داخل ذاكرتي، لا إلى غرفة حقيقية. الباب أغلق خلفي ببطء، وارتجف قلبي للحظة، كما لو أن الهواء تغيّر، كأنني دخلت عالماً لا يعترف بالزمن.

فجأة، بدأت الأصوات تتكاثر حولي. صوت طفل يبكي. صوت باب يُقفل. همسات متداخلة، كلها تُنطق باسمي: ستيلا... ستيلا... كنت أظنها هلوسات، حتى رأيت ذلك الضوء الباهت في نهاية الممر. اقتربت، وكان هناك غرفة صغيرة.

فتحت الباب.

كانت الغرفة ضيقة، جدرانها مطلية بالرمادي، وفي الزاوية... فتاة صغيرة تجلس على الأرض، ترتجف، تحتضن دمية مهترئة. اقتربتُ منها ببطء، وكل خطوة كنت أخطوها، كانت الذكريات تخرج من قبورها.

كانت الفتاة أنا.

نظرت إليّ، عيناها واسعتان، تشبهان عينيّ لكنهما بلا حياة. تمتمت: "أنتِ تأخرتِ... لقد جاء بايدن."

في تلك اللحظة، سُمعت خطوات ثقيلة خلفي. استدرت.

رجل طويل، يرتدي معطفاً أسود، قناعه يغطي نصف وجهه، أما النصف الآخر... فمحروق مثل مارغريت. لكن عينيه، لم تكن كأي عينين. كانتا ميتتين، ساكنتين، وكأنّ من خلفهما ليس إنساناً.

قال بصوت أجوف: "مرحباً مجدداً... ستيلا الصغيرة."

جسدي تجمّد، والهواء أصبح ثقيلاً. قال وهو يقترب: "كنتُ أراقبك طوال هذا الوقت. تركتك تكبرين، تحققين، تحاولين الفرار... لكنكِ كنتِ دائماً جزءاً من هذا. أنتِ العين الثالثة."

قلتُ بصوت مرتجف: "أنا... لا أفهم."

ابتسم، لكن ابتسامته كانت باردة. "ستفهمين. كل ما اختبرته... كل من ماتوا... كانوا مجرد مفاتيح لتذكّرك من تكونين. أنتِ كنتِ معنا، قبل أن تُمحى ذاكرتك."

صرخت: "كاذب!"

أمسك بيدي، وأجبرني أن أنظر إلى الحائط. ظهر عليه شريط فيديو قديم. كانت طفلة صغيرة تُدرَّب على إطلاق النار، على التلاعب بالعقول، على قراءة الرموز.

وكانت الطفلة... أنا.

انكمش قلبي. الحقيقة ضربتني كصفعة لا ترحم.

سألته: "لماذا أنا؟"

أجاب: "لأنكِ الأذكى، والأقسى، والأكثر قابلية للانكسار ثم إعادة التشكيل. نحن لا نخلق الوحوش، نحن نعيد ترتيبهم."

نظرت إلى يديه. كان يحمل قلادة صغيرة عليها عنكبوت. قلت بصوت غاضب: "هذه القلادة... كانت معه... مع آيدن."

ابتسم بايدن: "وهو أيضاً ابن هذا المكان. كان لكِ... قبل أن نفصل بينكما."

ارتجفت شفتاي. تراجعت خطوة، ثم خطوة أخرى. أردت أن أهرب، أن أصرخ، أن أعود، لكن الباب أغلق من الداخل.

بايدن اقترب أكثر. "الخروج؟ لا وجود له. إما أن تكملي دورك... أو تكوني التالية."

قالها ومدّ يده إلى عنقي.

لكن قبل أن يلمسني، سُمِع صوت طلق ناري مدوٍّ.

الباب انفجر.

وكان آيدن هناك. عينيه مشتعلة، ووجهه ينزف من حاجبه.

صرخ: "ابتعد عنها!"

وفي ثانية، بدأ كل شيء ينهار.

الأضواء انفجرت، الجدران اهتزّت، وبايدن اختفى داخل الدخان، كأنه لم يكن.

ركضت نحو آيدن، سقطت بين ذراعيه.

قال بصوت متعب: "لن أدعكِ وحدكِ... ليس هنا... ليس بعد الآن."

همست: "أنا... كنت واحدة منهم."

قال وهو يمسك وجهي: "لكنّكِ لم تعودي كذلك."

لكننا لم نكن نعلم... أن هذا لم يكن سوى أول باب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شِباك العنكبوت ||spider web

المؤلف Sadan Sarahneh
2025/07/22 مكتملة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة