جلس الزعيم على الأريكة، يتأمل الأوراق التي لا تُحصى، بينما قدّم له لوسيون كوب الشاي المعتاد. في الخارج، كان الجو عاصفًا، والمطر يهطل بغزارة؛ لا أحد يجرؤ على الخروج في مثل هذا الطقس سوى مجنون... أو شقيقه.
وفجأة، طرق أحدهم الباب مرارًا. فتح أحد أفراد الرُدهة الباب، ليظهر رجل في الثلاثين من عمره، يرتدي رداءً يُخفي وجهه. دخل بهدوء، وخلع الغطاء عن رأسه، وقال بتوتر:
"معذرة، أود مقابلة زعيم هذه النقابة. لدي طلب مهم."
ضحك الجميع، وقال أحدهم من بين مجموعة كانت تلعب البوكر باستهزاء:
"وكم معك من المال لنلبي لك طلبك؟ مئتا قطعة؟ أم ألف ذهبية؟"
ابتسم الرجل بثقة، ووضع على الطاولة خمسة أكياس من المال. ذُهل الجميع. صرخ الرجل:
"سحقًا! هذا يعادل مليون قطعة ذهبية! من أنت؟! هل أنت ملاك نزل علينا؟ سأنادي الزعيم فورًا!"
دخل بسرعة إلى مكتب الزعيم دون إذن، وقال:
"إذا كان لديك وقت فراغ، فلتقضه في مكان آخر. أنا مشغول جدًا!"
لكن الزعيم لاحظ الرجل وراءه، فسأله وقد اتسعت عيناه:
"مـ... مليون قطعة نقدية؟!"
نهض على الفور، وانحنى معتذرًا للرجل، ثم صاح:
"هاي، لوسيون! الشاي بسرعة، إلى هنا!"
جلس الزعيم مع الضيف، ودخل لوسيون يحمل إبريق الشاي وفنجانين، وسكب الشاي بهدوء. بدأ العميل حديثه:
"سأعرفكم بنفسي. أنا ماركوس دي رومانيه كونتيس، أحمل لقب بارون. أريد الدخول لعالم التجارة للمرة الأولى، لكن بشرطَين: أولًا، أنتم مَن سيتولى البحث والتحليل، وثانيًا، سأختار ثلاثة أسواق، وعليكم أن تحددوا الأنسب منها."
تفاجأ الزعيم وقال:
"ماذا؟!"
ابتسم ماركوس وتابع:
"أولًا، سوق التوابل، الذي يعاني من ركود مؤخرًا. ثانيًا، سوق القمح، مستقر لكنه ضعيف الأرباح. ثالثًا، سوق الذهب، مرتفع لكن محفوف بالمخاطر."
قال الزعيم متوترًا:
"كل واحد أسوأ من الآخر! لماذا هذه الثلاثة فقط؟ هناك الكثير من الأسواق!"
قاطعه ماركوس:
"لأن صديقي المتكبر يملك سوق التوابل، وحبيبتي السابقة التي تركتني تملك سوق الذهب، أما القمح فيملكه رجل ضربني البارحة ضربًا مبرحًا... من رجل لرجل، ساعدني حتى لا أظل نكرة."
أطرق الزعيم برأسه متأثرًا:
"فهمت... من رجل لرجل، يا سيد ماركوس."
نهض ماركوس وقال:
"أعتمد عليكم. مهلة التنفيذ: ثلاثة أسابيع."
وغادر.
سقط الزعيم على الأرض، متحسرًا:
"كان ينبغي ألا أقبل بهذا الطلب المستحيل!"
قال لوسيون بهدوء:
"ليس مستحيلًا."
رد الزعيم:
"كيف؟ والمهلة قصيرة جدًا!"
قال لوسيون:
"بل أكثر من كافية. علينا فقط تحديد اتجاه السوق الصحيح... من خلال التحليل الأساسي."
رد الزعيم:
"فهمت. لا، لم أفهم."
أخرج لوسيون سبورة صغيرة، وبدأ يشرح كأستاذ:
"أولًا: ندرس العوامل المؤثرة مثل الطقس والمواسم الزراعية. ثانيًا: نتابع التحليل الفني مثل المتوسطات المتحركة، وحجم التداول. ثالثًا: نراقب معنويات السوق—هل هي إيجابية أم سلبية؟ رابعًا: نراجع التقارير الاقتصادية مثل ثقة المستهلك، الوظائف، مبيعات التجزئة، وأسعار الفائدة. وأخيرًا: نتابع الأخبار والأحداث."
صفّق الزعيم ومن حوله إعجابًا، وسأله:
"من أنت حقًا؟"
ارتبك لوسيون وقال لنفسه:
"هل يشك في هويتي؟"
قال بصوت عالٍ:
"أنا لوسيون، بالطبع."
ضحك الزعيم:
"كلا، بل عبقري هذا القرن!"
ثم أمر بتقسيم الفرق:
p1: مراجعة التقارير الاقتصادية
p2: متابعة معنويات السوق
p3: رصد الأخبار الإقليمية والدولية
p4: تحليل الاتجاهات
p5: دراسة التضخم وأسعار الفائدة
وبعد أسبوع، قدّمت كل فرقة تقريرها:
p1: "الذهب قيمته متذبذبة، التوابل في ركود، والقمح مستقر لكن قليل الربح."
p2: "الزبائن لا يفضلون الذهب بسبب مخاطره. التوابل لا تثير حماس أحد، والقمح عليه طلب معتدل."
p3: "الممالك المجاورة لا تعاني، باستثناء مملكة سولفين، التي تعاني نقصًا حادًا في القمح."
p4: "الاتجاه السائد هنا هو الألماس، وفي الممالك الأخرى الفحم، أما في سولفين: القمح عالي الجودة."
p5: "التضخم معتدل في الإمبراطورية، لكنه مرتفع في سولفين بسبب الجفاف."
قال لوسيون بحزم:
"تم الحسم. اختيارنا هو سوق القمح."
تم إرسال رسالة لماركوس، الذي عاد مندهشًا:
"لم يُمنحكم سوى أسبوع واحد!"
قال الزعيم:
"التحليل الجاد مفتاح النجاح."
سأله ماركوس:
"ولِمَ القمح؟ السوق مستقر وضعيف الربح."
رد الزعيم:
"لكن مملكة سولفين بحاجة ماسّة إليه، خصوصًا إن كان عالي الجودة."
ضحك ماركوس وقال:
"أنت مليء بالمفاجآت."
ثم أضاف:
"اسمي الحقيقي أدريان، ملك التجارة، وصاحب أكبر شركة في الإمبراطورية."
اتسعت عينا الزعيم، وقال:
"ملك التجارة؟!"
أزال أدريان شعره المستعار وعدساته وندبته المزيفة، ووقف شامخًا.
قال:
"قررت الاستثمار في نقابتكم."
سأله الزعيم:
"وإذا كنا قد أخطأنا في الاختيار؟"
ابتسم أدريان:
"لكنت دمرتكم."
ارتعد الزعيم، وقال في نفسه:
"كم أنا محظوظ بوجود لوسيون."
وبعد مغادرة أدريان، بدأت صفحة جديدة؛ درّب الزعيم لوسيون على القتال، الرماية، الدفاع والهجوم. أخفق لوسيون في البداية، ثم فجأة أصاب مركز الهدف، وأهداه الزعيم شوكولاتة كمكافأة.
بدأت تدريبات السيف الخشبي، ثم انتقلا للسيوف الحقيقية. تفوق لوسيون بحركة مباغتة، فسقط الزعيم، لكنه لم يصدق الهزيمة.
قال الزعيم لنفسه:
"هل يعقل أن هذه الكتلة من اللطافة تمتلك كل هذه القوة؟!"
وغربت الشمس.-ي-