أُغلق باب القطار خلفهما بصوت معدني ثقيل، واهتزت الأرض تحت أقدامهما مع بدء المقطورة في التحرك
جلسا على المقاعد القريبة من الباب، وصدورهما لا تزال ترتفع وتنخفض بسرعة، أنفاس متقطعة ملأت الصمت بينهما كأن الهواء لم يعد كافياً داخل صدر كل منهما بعد تلك اللحظة الأخيرة
شد أيليوت يده على طرف المقعد، ونظراته تتنقل بين الأرضية الرمادية تحت قدميه والزجاج الملطخ ببخار الشتاء، في محاولة فاشلة لتجاهل صوت قلبه وهو يضرب صدره كطبل أجوف
إلى جانبه، مال جوليوس إلى الأمام قليلاً، مرفقاه على ركبتيه، وعيناه معلقتان في الفراغ أمامه كأنهما تحاولان الإمساك بشيء لا يراه سواه
مرّت لحظات من الصمت المشحون، قبل أن يلتفت إيليوت إلى جوليوس بعينين ممتلئتين بالارتباك والخوف:
"من كان ذلك الرجل؟"
أخذ جوليوس نفساً عميقاً ثم زفر ببطء وقال بصوت منخفض:
"سيلاس..
أحد الذين لن يسمحوا لنا بالمغادرة بسهولة"
رفع إيليوت حاجبيه في قلق:
"من هو؟"
ظل جوليوس صامتاً للحظات وكأنه يختار كلماته بعناية، ثم استند إلى الخلف، عقد ذراعيه على صدره وقال بنبرة باردة:
"سيلاس مسؤول أمني في المنشأة، لكنه ليس مجرد رجل أمن عادي… إنه أحد المسؤولين عن تشريح التجارب الفاشلة هناك"
شعر إيليوت بقشعريرة تسري في عموده الفقري، حيث كانت المرة الأولى التي يسمع فيها جوليوس يتحدث بهذا الشكل
"إذن، هل كان يتوقع هروبنا؟"
ابتسم جوليوس بسخرية:
"ليس بالضرورة أن يكون هو من توقع ذلك.."
أراد إيليوت أن يسأل أكثر، لكن الشعور بالخطر الذي كان يخيم على المقطورة جعله يصمت للحظة،
ثم سأل أخيراً وهو يحاول ألا يجعل صوته يرتجف
"هل تعتقد أنه سيأتي خلفنا؟"
أجاب جوليوس بنبرة جادة:
"بالطبع، فهو لن يتوقف حتى يحصل على ما يريد.."
أسند إيليوت ظهره للحائط ورفع يده ليمرر أصابعه في شعره الأشقر المبعثر، مزيحاً إياه عن وجهه بارتباك، كأنه يحاول إخفاء الإحباط الذي خلّفته إجابة جوليوس
بينما نظر إليه الآخر بصمت للحظة، قبل أن يخلع معطفه الأسود الثقيل ويناوله له قائلاً:
"ارتدِ هذا… أنت تثير الشبهة للغاية"
نظر إيليوت إلى ملابس السجن الزرقاء الخاصة به، وبالطبع كان جوليوس محقاً، فقد كانت ملابسه واضحة للغاية، وكأنها تدل على أنه قادم من مكان لا يود أحد أن يراه فيه
ارتدى إيليوت المعطف الدافئ، وعقد جميع أزراره بإحكام، ثم أسند رأسه إلى الخلف وكاد أن يغلق عينيه لينام من دفء المعطف السميك، لكنه عاد ليفتح عينيه مجدداً وسأل بصوت خافت:
"هل يعرف الجميع بأمر المنشأة؟"
أجاب جوليوس:
"ليس الجميع... أو بالأحرى، لا أحد سوا من في داخلها"
"إذن كيف تعرف أنت عنها؟"
سأل إيليوت، وهو يستشعر أن هناك شيئاً غامضاً وراء كلمات جوليوس
ليجيبه الآخر بنبرة مليئة بالتحفظ:
"لأنني كنت أعمل هناك سابقاً..."
اعتلت ملامح الاستغراب وجه إيليوت، ففتح فمه للحظة، محاولًا استيعاب ما سمعه ثم سأل متعجباً:
"ماذا؟! أنت... عملت هناك؟"
"نعم"
أجاب جوليوس، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة خالية من أي فرح، ثم تابع:
"والدي هو المسؤول عن المنشأة وعن المختبرات التجريبية تحديداً"
تغلغل الصمت بينهما للحظة، بينما حاول إيليوت أن يهضم ما سمعه قبل أن يكمل جوليوس ببرود:
"كان يريد أن يضمن لي مكاناً في عمله داخل المنشأة… لكنني لم أتحمل فكرة أن أكون جزءاً من ذلك، لم أرد أن أعيش في عالم كهذا"
صمت للحظة، تنفس ببطء وكأنه يجمع شجاعته قبل أن يقول:
"لذا… اقترح سيلاس إرسالي للسجن،
لجمع الأفضل من النزلاء للتجارب"
تبدلت ملامح إيليوت من الصدمة إلى الغضب، وقبل أن يتمكن جوليوس من تبرير صمته، قال إيليوت بنبرة حادة:
"هل هذا يعني… أنك من اختارني لجحيم كهذا من البداية؟!"
زفر جوليوس واطلق ضحكة قصيرة ساخرة رغم توتره، وقال:
"لا تنظر إلي بتلك العيون الآن… كنت أقوم بعملي لا أكثر"
نهض إيليوت فجأة مما جعل جوليوس يتراجع دون وعي، قبل أن يشير إيليوت حوله بعصبية:
"أحضرتني إلى هذا الجحيم، والآن تتصرف وكأنك منقذي؟! هل هذه طريقة أخرى لتجهيز 'الضحية' نفسياً قبل اختبار العقاقير عليها؟"
بقي جوليوس صامتاً ينظر إلى إيليوت، وكأن كلماته تضرب في مكان لم يكن يريد الاعتراف به
ثم أخيراً قال بصوت منخفض:
"لم أكن أفكر في إنقاذك عندما اخترتك… كنتَ مجرد عينة جيدة لكن… قبل يوم رحيلك، شعرت أنني أريد تأجيل نقلك… أردتك أن تبقى بعيداً عن المنشأة ولو ليوم واحد إضافي"
زمّ إيليوت شفتيه وعيناه تلمعان بالغضب:
"وهل يُفترض بي أن أكون ممتناً الآن؟! رميتَ بي في الجحيم ثم قررت أن تحاول إنقاذي؟!"
رفع جوليوس يده ببطء وقال بغضب مكبوت:
"على الأقل… أحاول!"
سحب ايليوت نفساً وهو يشيح ببصره للحظة:
"كان لدي ما يكفي من المشاكل بالفعل، والآن أصبحتُ مطارداً من مجنون يريد تشريحي"
نهض جوليوس سريعاً ونظر في عينيه بجدية:
"لن أسمح له أو لأي أحد بأن يؤذيك… أعدك"
لكن نظرات إيليوت لم تتغير، وبقي يحدق فيه ببرود وكأنه يقول داخله:
"أتمنى لو أستطيع خنقك الآن"
شعر جوليوس أن شيئاً انكسر في المسافة بينهما، فتنهد بهدوء وأخرج من جيبه الخلفي قلادة سوداء، سطحها الأمامي يبدو بسيطاً، دائرياً ومعدنياً غير لامع، بينما من الخلف كانت مثقبة بعدة ثقوب صغيرة بالكاد تُرى، يكشف بعضها عن طلاء أسود غريب في الداخل
مدّها جوليوس نحوه وقال:
"ارتدِ هذه"
رمقه إيليوت بنظرة غاضبة، رفع حاجبه قليلاً وقال ببطء:
"ولماذا عليّ ذلك؟"
تنهّد جوليوس، ويده لا تزال معلقة في الهواء:
"فيها جهاز تعقب… حتى أتمكن من العثور عليك مهما حدث"
لكن إيليوت لم يمد يده وبقي يحدق فيه ببرود، حتى قال جوليوس بصوت منخفض، فيه شيء من الخيبة:
"ألا تثق بي… حتى الآن؟"
أشاح إيليوت بوجهه للحظة ورفع يده ليمررها بين خصلات شعره وكأنه يحاول التخلص من هذا الشعور الثقيل الذي يضغط على صدره
ثم نظر إلى القلادة الممدودة، وقال أخيراً بنبرة منخفضة:
"لا أظن أنني أستطيع الوثوق بك بعد الآن… لكن… يبدو أن عليّ ذلك"
ثم مد يده وانتزع القلادة من يد جوليوس، ومررها حول عنقه بحركة حادة، ثم أدار وجهه بعيداً، معلناً نهاية الحديث… وبداية كل شيء آخر
تنهد جوليوس وجلس على مقعده بهدوء، لكن في تلك اللحظة ترددت صورة قديمة في رأسه، صورة لم يستطع محوها رغم مرور الوقت..
كان الهواء في غرفة التشريح راكداً، يثقل الأنفاس رغم وجود الكمامات رائحة الدم القديمة امتزجت بالكحول والمطهّرات، ترسم صورة لا تُحتمل إلا لمن اعتاد العيش بين الجثث
وقف سيلاس هناك، بقميصه الأبيض وبنطاله الأسود والمئزر الطويل الذي لطخته بقع متناثرة من الدم، كمامته السوداء تخفي تعابير وجهه، ونصف شعره الأسود الطويل مرفوع للأعلى على هيئة كعكة صغيرة مرتجلة
إلى جواره، كان جوليوس البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً حينها يرتدي ذات الزيّ تقريباً، كمامته مشدودة بإحكام وقفازاته ترتجف على أصابعه، عيناه متسعتان وهو يراقب سيلاس عن بُعد، يهمّ بتنظيف الغرفة في صمت ثقيل
قطع الهدوء صوت سيلاس المنبهر، وهو ينحني قرب إحدى الجثث، يمرر أصابعه برفق بجانب الشق الطولي على ظهر الرجل قائلاً:
"آه… من الذي أجرى هذا القطع؟ إنه جميل للغاية…"
رفع جوليوس رأسه نحوه بوجه منكمش ولم يستطع إخفاء اشمئزازه، حاول صرف نظره واقترب من جثة أخرى جاثياً على ركبتيه ليسحبها برفق نحو الكيس الأسود، وبينما كان يهم بإغلاقه، انتفض جسده دفعة واحدة عندما قبضت يد من الجثة المجاورة على معصمه بقوة
"س..ساعدني… أرجوك…"
في لحظة واحدة، شق صراخ جوليوس سكون الغرفة
وتراجع بعنف ليسقط ارضاً، وعيناه متسمّرتان على الرجل الذي لم يمت بعد
استدار سيلاس فوراً واندفع نحو الجثة، لكنه توقف للحظة حين وقعت عيناه على جوليوس
لم يكن الأمر مجرد فزع… كان انهياراً حاداً، يداه ترتعشان بجنون، ودموعه تسيل بلا توقف، حتى صوته خرج مبحوحاً وهو يهمس:
"ر…رأيته… رأيته من قبل… في حلمي… الرجل ذاته، إنهم لا يتوقفون عن طلب المساعدة… إنهم لا يصمتون!!…"
اقترب سيلاس ببطء، وبنبرة حاول أن يجعلها مطمئنة قال:
"لا بأس… سأنهي أمره الآن، لن يزعجك مرة أخرى لذا فقط استرخِ…"
لكن كلمات الطمأنينة لم تجد طريقها إلى أعماق جوليوس، الذي ظل يحدق في الفراغ شاحباً، يتنفس كأنه يغرق
مدّ سيلاس يده نحوه وربّت على ظهره، فاندفع جوليوس ممسكاً بقميصه وهو يهمس برجاء مذعور:
"أخرجني… أرجوك… لا أريد أن أظل هنا… أشعر أنني سأفقد عقلي…"
ظل سيلاس صامتاً للحظة، ثم أغمض وقال بهدوء:
"سأتحدث إلى والدك… أظن أن العمل في السجن سيكون مناسباً أكثر لك، أليس كذلك؟"
لكن جولويس لم يجبه، بل فقط ظل يرتجف في حضنه كطفل فقد طريقه وسط الجحيم...
اهتز القطار تحتهما قليلاً فعاد جوليوس إلى الحاضر، يرمش بعينيه كمن خرج من غرق طويل
مرّر يده على وجهه كأنه يمسح بقايا تلك الذكرى التي لم تفارقه منذ ثلاث سنوات
رغم أن سيلاس كان قد أخرجه من الجحيم حينها، إلا أنه تركه في جحيم آخر…
جحيم جعله يصبح ذلك الشخص الذي يختار الضحايا، يكتب أسماءهم في ملفات المنشأة ثم يرسلهم إلى مصير لا يعرفون عنه شيئاً
أغمض عينيه قليلاً، فمرّت صورة "فالين" أمامه بوضوح…
كان ذلك السجين الذي حاول جوليوس إنقاذه قبل عامين بنفس الطريقة التي يحاول فيها الآن إنقاذ إيليوت…
لكن فالين لم يثق به، ولم يكن مستعداً، فهرب، وضاعت فرصة نجاته
انتهى الأمر بخسارته لحياته وخسارة المنشأة عينة اختبار ممتازة،
لكن سيلاس رتّب الأمر، وأخفى كل الأدلة محافظاً على رأس جوليوس بعيداً عن المقصلة…
ومع ذلك، لم يغفر جوليوس لنفسه أبداً
فتح عينيه طارداً ذكرى فالين من رأسه، ليرى إيليوت نائماً على المقعد المقابل، رأسه مائل على النافذة وخصلات شعره الأشقر تغطي جزءاً من وجهه، ببنما يعلو صدره ويهبط بانتظام تحت معطف جوليوس الثقيل..
راقبه جوليوس للحظات، وعيناه تخفيان توتراً لم يقدر على الاعتراف به، قبل أن يهمس لنفسه ببطء، دون أن يرفع عينيه عنه:
"هذه المرة… سأُنقذك حتماً"
ثم ضمّ يديه في حجره، واستند إلى الوراء تاركاً القطار يهزهما معاً بينما يمضيان نحو فصل آخر، قد يحمل لهما قليلاً من الضوء هذه المرة..
.
.
.
شاركوني توقعاتكم للفصل القادم > _ <
sarolee