1/

1/

21 0

أثناء سيره في الشارع الضيق المؤدي إلى منزله ظلت صورة روزاليند التي رآها اليوم تطارده، فاليوم وعلى غير العادة لم تمر فقط من أمام مكتبه بل اقتربت أكثر وأكثر وأخذت تتناول أطراف الحديث مع احد زملائه عن أحدى القضايا

ليس وكأن الحديث كان بعيداً عن العمل لكنه شعر بإنزعاج غامض وهي تتحدث معه بذلك القرب، ولكن رغم ذلك كان قلبه يتمايل مع تمايل خصلات شعرها المنسدل وهي تتحدث باندفاع، وكأن وجود زميله التافه قد منحه على الأقل فرصة لرؤيتها عن قرب بعد فتره طويلة.. ولكن ثبعثرت افكاره فجأة عندما سمع أنيناً ضعيفاً من أحد الازقة

اقترب بخطى مترددة، وعيناه تتسعان في ذعر عندها لمح جسداً ممدداً على الأرض بلا حراك

خطا خطوة أخرى، فتجمّد في مكانه، كان هناك رجل مستلقي وجانبه طفلة ممددة بالكاد تتنفس، ودماؤها تسيل بصمت لتصنع بحيرة حمراء حول جسدها الصغير

شحب وجه إيليوت، وانتقل نظره المرتجف بين الجثتين

كان كل شيء صامتاً، حتى رفّت يد الطفلة ببطء، ولمست أصابع إيليوت

كانت لمستها خفيفة، لكنها اخترقت صدره كالسهم، ثم خرجت صرخة من حلقه مدفوعة برعب لم يعرف أنه قادر على الشعور به حتى

تراجع بسرعة وسقط على الأرض، ثم زحف حتى ارتطم بالجدار خلفه، جسده يرتجف، عيناه لا تستطيعان الابتعاد عن الطفلة التي فقدت يدها قوتها وسقطت إلى الأرض

وبينما كان صدره يعلو ويهبط، ودموعه تنزلق على وجهه، سمع خطوات تقترب ببطء

رفع رأسه بسرعة ليرى رجلاً يقف تحت الضوء الضعيف، يرتدي معطفاً داكناً يلتف حول جسده

لم يرَ إيليوت ملامحه جيداً، لكن عينيه كانتا ثابتتين تراقبانه برعب دون رمشة واحدة

لوّح إيليوت بيديه بخوف وتراجع أكثر حتى التصق ظهره بالجدار بينما يهز رأسه يائساً:

"لست أنا… أقسم… لم أفعل شيئاً…"

لكن الرجل لم يقل شيئاً، لم يتحرك حتى!، فقط رفع هاتفه بيدٍ مرتجفة ووضعه على أذنه، وعيناه لا تزالان معلقتين عليه

لم يفكر إيليوت حينها ولم يعرف ما الذي كان عليه فعله، كان عقله يصرخ بقوة:

"اركض اركض اركض اركض اركض اركض !"

وفجأة نهض وهرب راكضاً بأقصى ما يستطيع في الشوارع الباردة، يلهث، يترنح، لا ينظر خلفه أبداً

ترك كل شيء خلفه

ترك حقيبته عند الجثتين

ترك صوته المبحوح في ذلك الزقاق المظلم

وترك اسمه

كان يجب أن يكون بلاغ الرجل هو بداية الحقيقة لكنه لم يعلم أن لا أحد يبحث عن الحقيقة فعلاً..

كانت شهادة الرجل ذو المعطف هي المفتاح، وحقيبة إيليوت كانت البرهان الوحيد الذي احتاجوه لإغلاق القضية

وهكذا، أصبح المشتبه فيه الأول

وسريعاً جاءت اللحظة التي لم يكن مستعداً لها...

المحاكمة

---

كان الممر المؤدي إلى قاعة المحكمة طويلاً يلفّه صمت خانق،

وقف إيليوت بين رجلي شرطة ويداه مصفدتان

لم تكن هذه المرة الأولى التي يمر فيها بهذا الممر... لكنه في السابق كان يعبره بثقة، يحمل بعض الملفات تحت ذراعه وعيناه تتطلعان إلى مستقبله، لكن اليوم يعبره مكبلاً لا يحمل شيئاً سوى نظرات الشفقة والاتهام

في المبنى الذي حلم فيه يوماً بترقية، يقف الآن محني الظهر لا يطلب إلا الرحمة..

نظر حوله بخدر باحثاً عن أي أحد من عائلته ليظهر

والده الذي لم يراه منذ سنين…

إخوته، الذين لطالما تمنى أن يكبر ليصبح مثلهم، لم يظهر منهم أحد

لا كلمة، لا رسالة، لا حتى نظرة من بعيد

لا أحد جاء ليسانده، لا أحد حضر حتى بدافع الفضول

ظلّ وحيداً يفكر في والدته التي توفت منذ ستة عشر عاماً حتى لمح وجهاً مألوفاً… وجهاً لم يتمنى يوماً أن يراه في هذا المكان

روزاليند

تقدمت بخطواتها الحادة حيث ترتدي معطف الادعاء العام الرسمي، شريطها الأحمر الباهت يلف كتفيها كوشاح، شعرها مربوط وعيناها تنطقان بمصيره المظلم

للحظة، لم يشعر إلا بالخوف، كان يعلم كم هي بارعة وقبل أن تنطق حتى كان يعلم أنها ستتزج به خلف القضبان

توقفت أمامه، حدّقت فيه ببرود قبل أن تقول بصوت منخفض:

"سأتأكد من أن تزج خلف القضبان لأجل الطفلة التي قتلتها"

لم يجب، لم يستطع أن ينطق مطلقاً!

ثم اقتربت قليلاً وهمست كأنها لا تريد أن يسمعها أحد سواه:

"وجهك لا يبدو كوجه قاتل… لكنه وجه وضيع بما يكفي ليفعل ما فعلت"

ثم استدارت وغادرت ليعضّ إيليوت على اسنانه بغضب:

"كم أن شخصيتها فظيعة... لا تشبه وجهها أبداً"

---

في قاعة المحكمة، كان الهواء متجمداً والعيون كلها موجهة نحوه

جلس إيليوت بصمت، رأسه منخفض، كل شيء حوله بدا باهتاً… مشوهاً

الكلمات، المحامون، الأوراق، حتى القاضي… كأنهم ممثلون في مسرحية أُعدّت منذ زمن، يعرف فيها الجميع أدوارهم ما عداه

ثم تقدمت روزاليند نحو المنصة بخطوات هادئة، ووقفت بثبات أمام هيئة المحكمة

قالت بصوت قوي وواضح دون أن تحتاج لرفع نبرتها:

"نحن لا نحاكم رجلاً بلا ماضٍ أو هوية… نحن نحاكم موظفاً سابقاً في جهاز العدالة نفسه، شخصاً تعلّم كيف يعمل النظام… ثم استغله ليغطي على جريمته"

تقدمت خطوة وتابعت:

"طفلة في التاسعة من عمرها، عُثر عليها غارقة في دمائها مع والدها، والرجل الوحيد الذي كان بجوارهما… هو هذا الرجل، إيليوت كاين!"

أشارت نحوه دون أن تلتفت:

"لا كاميرات، لا بلاغ فوري لم يتصل بالإسعاف، لم يطلب النجدة، بل… هرب من مكان الجريمة، تاركاً حقيبته مغطاة بالدماء خلفه"

نظرت إلى القضاة وقالت بثقة:

"سيدي القاضي، أعضاء هيئة المحكمة، أي بريء في وضع كهذا كان سيتصل فوراً بالنجدة، كان سيصرخ، كان سيحاول النجاة.. لكنه لم يفعل"

ثم التفتت أخيراً نحوه وبنظرة لا تشبه أي شيء مرّ به من قبل قالت:

"ليس من الضروري أن يبدو القاتل شريراً… أحياناً يبدو تماماً كأيّ واحد منا.."

نظر إيليوت ببطء إلى محاميه، الذي كان يقلب أوراقه بارتباك ويبلع ريقه كل بضع ثوانٍ ثم يكتب شيئاً على دفتر صغير لا أحد يقرأه

لم تكن لديه فرصة… لم يكن بنصف براعـة روزاليند،

كل من في القاعة شعر بذلك

وفي داخله، كان إيليوت يعرف جيداً… لا أحد سينقذه منها، لا أحد على الإطلاق

وصلت المحاكمة إلى نهايتها، ثم جاء صوت القاضي صارماً وهو يقرأ الحكم:

"بعد النظر في الأدلة وشهادة الشهود… تحكم المحكمة، بالسجن المؤبد على المتهم إيليوت كاين، دون إمكانية الإفراج المشروط"

لم يشعر إيليوت حينها بالأرض تحت قدميه، كل ما سمعه كان هديراً مكتوماً، كأن الحكم نُطق تحت الماء

كل شيء بدا وكأنه انتهى هناك..

.

.

.

✨ 💬 أرائكم تصنع الفرق 💬

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الهروب الأخير

المؤلف sarolee
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة