2/

2/

20 0

مر شهر منذ دخول إيليوت للسجن، ولم يتغير شيء على الإطلاق ظل إيليوت وحيداً كما كان دائماً لكن هذه المرة كانت وحدته أكثر قسوة

والآن ها هو يجلس على سريره المعدني، يقرأ كتاباً رثاً بالكاد يرى سطوره، ليس فقط لأن أوراقه باهتة بل لأن الدموع حجبت الحروف عن عينيه

لقد تعرّض للضرب مجدداً دون سبب من نفس المجموعة التي تتصيّده في كل فرصة، معظم السجناء هنا يبغضونه فهو بنظرهم قاتلٌ لطفلة ورجل أعزل لا ذنب لهما سوى وجودهما في الزقاق الخطأ

لطالما قال له زميله في الزنزانة أن عليه اختيار عصابة تحميه كما يفعل الآخرون، لكنه لم يجرؤ حتى على التفكير بالأمر

في هذا المكان، مجرد النظر في وجه أحدهم قد يُفسَّر كإهانة ويؤدي إلى كسر ضلعين على الأقل

لم يكن قادراً على الاندماج فهو بكل بساطة لم يكن قاتلاً بل فقط يعيش بين القتلة

استمرت أيامه ببطء، لم يكن لديه أحد ليزوره، لم يتصل بأحد، لم يكن لديه شيء ليعود إليه خارج هذه الجدران، كأن السجن قد ابتلعه بالكامل ولم يعد هناك فارق بين داخله وخارجه

لكن شيئاً واحداً فقط كان يثير اهتمامه… السجّان الذي يُدعى جوليوس

لم يكن يشبه غيره من الحراس، سواءً من ناحية العمر أو التصرفات

لم يكن يصيح، لا يضرب، ولا يشارك في الاستمتاع بإذلال السجناء كما يفعل الآخرون

وجهه هادئ دائماً وعيناه لا تفصحان عن شيء، لكن صوته كان يحمل نبرة لا تخطئها الأذن.. شيء من الصدق، شيء من التعاطف وكأنه ليس من هنا

في كل مرة كان إيليوت يعود إلى الزنزانة مصاباً، متورم الوجه أو يكاد لا يقوى على الوقوف، كان جوليوس يقف عند الباب، ويقول بصوت خافت لكنه حازم:

"توجّه للعيادة.. إن لم تهتم أنت بجروحك، لن يهتم بها أحد"

ربما لهذا لاحظه إيليوت… أو ربما لأن جوليوس كان الشيء الوحيد الذي بدا إنسانياً في مكان يُجردك من كل شيء

---

مضت الأيام ثقيلة ومتكررة حتى فقدت معناها، لم يكن إيليوت يعرف عدد الليالي التي مرّت عليه وهو مستلقٍ على سريره المعدني، يحدّق في السقف المتشقق متسائلاً:

"هل أنا شخص سيئ؟"

لكنه لم يتوصل إلى إجابة حقيقية، فقط المزيد من الصمت والمزيد من الشعور بالغربة عن نفسه

ثم جاء الخبر..

سمع أن عدداً من السجناء سيتم نقلهم إلى منشأة إصلاحية في الشمال، منشأة أقل قسوة تركز – كما يقولون – على التأهيل

وعندما سمع اسمه ضمن القائمة، لم يشعر بالفرح تماماً لكن ربما هذا أفضل..

"ربما أستطيع أن أبدأ بفهم نفسي هناك أو على الأقل أتنفس دون أن أنتظر لكمة في وجهي"

في تلك الليلة، جلس على طرف سريره يجمع القليل من أغراضه

كتابه الممزق، قميص نظيف بالكاد نجا من الغسيل، قطعة ورق احتفظ بها طويلاً دون سبب وأشياء كثيرة دون قيمة

لكن بينما كان يلملم الأغراض بعناية توقّف أمام زنزانته سجان لا يعرف اسمه وصاح به:

"وفر على نفسك العناء، تم تأجيل نقلك، إنه أمر إداري"

لم يشرح شيئاً وغادر فقط بينما تجمد إيليوت في مكانه،

حدّق في الغلاف المهترئ للكتاب ثم نظر إلى ذراعيه..

الكدمات القديمة لم تختفِ بعد، وبعضها بدا جديداً رغم أنه لم يتعرّض للضرب منذ أيام ففكر في نفسه: هل يعقل أنهم رأوا حالتي وقرروا أنني لا أصلح حتى للنقل؟

شعر بثقل غريب في صدره، مزيج من الخيبة والخزي لكنه كالعادة لم يستطع قول أي شيء

---

بعد يومين، وبينما الليل قد أسدل ستائره الثقيلة على السجن المركزي والساعة تقترب من التاسعة، سمع إيليوت خطوات واثقة تقترب من زنزانته

ثم انفتح الباب بصوت معدني مألوف ليجد جوليوس هو الواقف هناك

طويل القامة، ملامحه هادئة لا توحي بالسلطة، شعره بدا للوهلة الأولى أسود بالكامل، لكن ومع انعكاس الضوء الخافت

كان من الممكن – بالكاد – ملاحظة تلك الظلال المحمرة بين خصلاته وكأنها أثر لنار قديمة خمدت

عيناه كعادتها لم تحمل أي استعجال أو انفعال، فقط هدوء مبهم يشبه هدوء ماقبل قبل العاصفة

قال بصوته الرتيب الهادئ:

"إيليوت كاين… استعد، ستُغادر إلى المنشأة الآن"

رفع إيليوت رأسه ببطء متفاجئاً من التوقيت:

"الآن؟… في هذه الساعة؟"

لكن جوليوس لم يجبه، بل فقط مال قليلاً إلى الداخل، وأشار برأسه قائلاً:

  "حان الوقت"

نهض إيليوت ليجمع أغراضه القليلة، لكنه لم يكد يقترب حتى قاطعه جوليوس بصوت خافت:

"لا بأس… لن تحتاج شيئاً منها هناك"

---

سار جوليوس أمامه بخطوات هادئة، وإيليوت يتبعه حتى وصلا إلى البوابة الخلفية للسجن، فتح جوليوس الباب لتضربهما الرياح الباردة على الفور، كانت الثلوج تتساقط ببطء حتى غطت الأرض بطبقة بيضاء ناعمة تزداد سُمكاً

وأمامهما مباشرة كانت سيارة نقل سوداء تقف بانتظام عند الرصيف و محرّكها جاهز للانطلاق..

وبينما انطلقت السيارة بثبات على الطريق المغطى بالثلوج، جلس إيليوت في المقعد الخلفي يراقب بخمول المنظر من خلف النافذة المليئة ببخار أنفاسه

قطع صمته وسأل أخيراً بصوت منخفض:

"لماذا يتم نقلي وحدي؟ لماذا لم أذهب مع بقية السجناء بالأمس؟"

اجابه الاخر بلهجة هادئة:

"كانت الإدارة بحاجة للتأكد من بعض المعلومات عنك فقط"

أومأ إيليوت برأسه دون أن يسأل المزيد فهو لم يكن مهتماً حقاً بمعرفة السبب فقد بات يشعر أنه لم يعد هناك فرق

نظر إلى يديه المقيدتين، تحديداً إلى أطراف أصابعه الباردة ولا، لم يكن ليعترض على نقله إلى المنشأة بل ربما كان يراه الحل الوحيد

فمنذ اعتقاله طاردته الكوابيس، كل ليلة يرى الطفلة في أحلامه، وجهها شاحب وعيونها تتوسله ثم يشعر بيديه ملطختين بدمائها، وسكينه تقطر بالحياة التي انتزعها منها

أصبح عقله مشوشاً غير قادر على التمييز بين الحقيقة والوهم.. هل كان مذنباً؟ لم يعد متأكداً، ربما يستحق الإصلاح، وربما لم يكن هناك ما يمكن إصلاحه فيه أصلاً

توقفت السيارة فجأة مقاطعة افكاره، رفع رأسه ببطء ونظر إلى السائق الذي التفت إلى جوليوس قائلاً:

"وصلنا"

خرج جوليوس أولاً ثم فتح الباب الخلفي مشيراً لإيليوت بالنزول، وحالما رفع عينيه إلى المكان رأى محطة قطار عسكرية، أو على الأقل شيء شبيهاً بذلك

مبنى معدني ضخم تتراكم الثلوج فوق سطحه، وأضواء شاحبة تلقي بظل طويل على القضبان الممتدة بلا نهاية

لم يكن هناك أحد، كل شيء كان مهجوراً تقريباً باستثناء قطار يقف على السكة و محركاته تهمس بصوت خافت كأنه وحش نائم

نظر إيليوت إلى جوليوس، متسائلاً:

"سنذهب عبر القطار؟"

رد السجان بنبرة محايدة، وهو يخطو إلى الأمام دون أن ينظر إليه:

"المنشأة بعيدة، لا يمكننا الذهاب بسيارة النقل خاصة مع تراكم الثلوج في المنطقة"

تبعه إيليوت بصمت ليصعدا إلى العربة الأولى، حيث كان الداخل معتماً إلا من ضوء خافت في السقف، كانت المقاعد المعدنية باردة، والهواء ساكناً بشكل غريب

جلس إيليوت على أحد المقاعد ويداه لا تزالان مقيدتين أمامه، بينما أخذ جوليوس مقعداً أمامه مباشرة

نظر إيليوت إلى السجان الشاب الذي جلس بإهمال، كوعاه مستندان على ركبتيه وعيناه شاردتان في الفراغ بدا وكأنه يفكر في شيء آخر تماماً

القطار كان خالياً تماماً، لا سجانين آخرين، لا ركاب، لا شيء سوى صوت عجلات القطار وهي تبدأ بالحركة ببطء، تجرهما إلى مصير غير معلوم

زفر إيليوت بصوت منخفض اثر شعوره بالضيق، كان جسده متيبساً أيضاً بعض الشيء، ربما بسبب البرد

ومن أمامه جوليوس، الذي لم يبدو مهتماً كثيراً بأي شيء حوله إلا أنه كسر الصمت فجأة بصوته الرتيب:

"إذن... ما هي قصتك؟"

رفع إيليوت حاجبيه قليلاً، نظر إليه باستغراب قبل أن يسأل:

"قصتي؟"

"جريمتك"

قالها جوليوس دون أن يلتفت، كأنها مجرد معلومة يجب أن يعرفها بلا فضول حقيقي

بدا الانزعاج على ملامحه ومع ذلك أجابه بصوت هادئ:

"كنت في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، لا أكثر... لكن لم يكن هناك أحد ليصدقني"

نظر جوليوس إلى عينيه أخيراً حيث عكس الضوء ظلالاً طفيفة على ملامحه الهادئة قبل أن يقول بصوت خافت:

"ماذا عن عائلتك؟ ألم يحاولوا إثبات براءتك بعد المحاكمة؟"

ابتسم إيليوت لكنها لم تكن ابتسامة سعيدة، بل واحدة من تلك الابتسامات التي تسبق اعترافاً مريراً، خفض رأسه قليلاً بينما صوته يخرج مثقلاً بالاستسلام:

"عائلتي؟... لدي شقيقان يكبراني سناً وأب بالكاد يهتم بنا، لكن لطالما كانت عائلتي مفككة،

منذ طلاق أمي عن أبي انفصلنا جميعاً بشكل غير رسمي و أصبح كل فرد فينا يعيش حياته الخاصة.. أنا حتى لا أعرف أرقام هواتف إخوتي"

كان هنالك شيء بارد في نبرته، كأنه لم يكن يتحدث عن نفسه بل عن شخص آخر، كانها قصة سمعها من قبل ولا تعنيه

ثم أخذ نفساً عميقاً، زفره ببطء وتابع:

"أظن أن قرار الإدارة في نقلي إلى المنشأة الإصلاحية هو خيار جيد حقًا... أعني، ربما سأصبح شخصاً جيداً بعدها"

ساد الصمت.. لكن هذه المرة لم يكن صمتاً عابراً..

كان جوليوس جالساً هناك، لا يتحرك، فقط يحدق في النافذة دون أن يبدو عليه الاسترخاء المعتاد، بل كان هناك شيء متصلب في كتفيه، كأن جسده كان يكتم سراً لا يريد البوح به

ثم بصوت خافت بالكاد يسمع، قال:

"في المنشأة... لن تصبح أكثر من فأر تجارب"

انعكست الأضواء على عيني إيليوت وهو يرفع رأسه ببطء، لم يكن متأكداً مما قصده جوليوس، لكن الطريقة التي قالها بها حيث تجنّب النظر إليه... لم تبعث على الارتياح

نظر إيليوت إليه ملياً محاولاً تحليل ملامحه، و للحظة خُيّل له أن عينيه لم تعودا هادئتين كما كانتا من قبل، بل تحملان قلقاً دفيناً لم يكن موجوداً قبل قليل

ثم وبشكل غير متوقع، أدار جوليوس رأسه نحوه وحدّق به مباشرة.. وبصوت ثابت، بلا أي تردد، قال:

"إيليوت... لنهرب!"

.

.

.

💌 تعليق بسيط منك قد يصنع يومي بأكمله!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الهروب الأخير

المؤلف sarolee
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة