دخل بلهار للخيمة وبيده صينية «أحضرت لك الفطور يا مولاي\. وفاكهة تطعمها لشهاب» أومئ أثير لخادمه، راقبه وهو يضع الطعام على المنضدة، حدق في كلمات الرسالة من جديد ثم قال مبتسما «أحضر لي ماءا باردا يا بلهار، أريد أن أتوضأ» ……… واحة خضراء يانعة، أشجارها طويلة باسقة وطيورها مغردة، جنة تقع داخل أرض مميتة، خضرة تحيطيها رمال ذهبية من كل حدب وصوب، حياة وسط الموت\. لكنك لو حدقت قليلا لرأيت أن الشجيرات الصغيرة بدأت تذبل، والأرض الترابية بدأت تزحف إليها رمال الصحراء الحارقة، فقد غضبت السماء على أرض هذه الواحة، وامتنعت السحب عن استغاثة ناسها، وأصبح الناس همهم قطرة مطر\. ودقا، غيثا، أو هتانا رقيقا\. «غيث\! هل تسللت مجددا لخارج الدير؟» أزاحت الفتاة اللثام عن وجهها الصبيح، لمعت عيناها الواسعتين، وأشرقت بسمتها وسط وجهها الأسمر\. حدقت والدتها لما تخفيه تحت خمارها الطويل فإذا به طير جريح\. «هل أحضرت حيوانا آخر؟ تالله سأخبر والدك، أخشى أن تدخلي علينا يوما ما عقربا ساما أو افعى ذات أجراس» ركضت الفتاة على الأرض الصلبة، سحبت غطاءها عن رأسها فانسل شعرها الأسود كبساط ليلي\. وضعت الطير على حَجر ضخم وسط الحجرة الترابية، كشفت عن ساقه فإذا بالدماء متجلطة عليها وقد غرست شوكة ضخمة من أشواك الصبار فيها\. سحبت الشوكة برفق فأطلق الطائر صيحة عالية ثم فتح عيناه الحادة\. ثبتته بيد، ربطت منقاره وكبلت جناحيه، وضعت بعض العشب المطحون على الجرس وشدت عليه برباط أبيض، مررت يدها على فروة رأسه فحرك رأسه بعيدا عن يداه ونقرها بمنقاره المقيد\. «يا لك من طير مزعج\! وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان\!» أمسكته بعنف وقيدت جسده بلثامها الطويل، فحصت جسده شبرا شبرا، وحدقت مسحورة بالخيط الجلدي الأسود الذي ربط برفق في ساقه اليمنى السليمة، كانت هناك ورقة ملفوفة فيها مدت يدها لتسحبها فجن جنون الطير، قفز من يدها وأخذ ينتفض على الأرض بقوة وعيناه تقدح شررا\. «وكأنها تحمل أسرار خطيرة\! ما خطبك يا صديقي؟» أمسكت الطير من جديد ومدت يدها للورقة فغرس منقاره في وجهها، سال الدم من شفتها المنقورة وصاحت بألم ثم رمت الطير من يدها ليرتطم بالأرض\. اشتعلت غضبا من حركاته الجامحة، فألقت به داخل قفص كانت تحتفظ به في حجرتها، ارتدت لثامها ووضعت الغطاء على رأسها ثم خرجت راكضة وخلخالها يرن في ساقها\. يوما بعد يوم، أطعمت الطير واهتمت به، قدمت له الرشاوى واحدة تلو الأخرى فبدأ يطمئن اليها لكنها كلما حاولت لمس اللفيفة على ساقه هاج وصرخ، نقر وغضب\. استبد بها فضول شديد وما عادت تطيق صبرا لتعرف ما يوجد في تلك الورقة فسحبتها منه ذات ليلة عنوة، رمت به داخل القفص وجلست على المصطبة غير مهتمة بصراخه\. فضت الخيط الجلدي عن اللفافة، فتحتها بلهفة ومرت عيناها على الحروف: «أراني داخل مرآتي وقد خط الشيب رأسي، فوقي رداء ملكي وبيدي صولجان مضيء\. ينحني لي الغادي والبادي، وبإشارة مني تقطع الرؤوس وتترمل النساء\. ما لي وهذه الحياة؟ إني أريد خيلا أسرع من الريح، أركب عليه فلا أنظر خلفي، أريدني طيرا ذو جناحين، أحلق في السماء فلا يستطيع رؤيتي أحد\. أريد حرية لا أنالها\. ضاقت بي الدنيا بكل وسعها، وأظلمت فوقي السماء بنورها، وما عاد لي حول لأكمل المسير، تكاد ريشتي تنكسر بيدي، ويكاد حبري أن يجف، ما لي سوى التنهدات كي أخفف عن نفسي بعضا من الحمل الثقيل فوقها\. فلعلي بخطابي هذا ألتمس غيثا يسقط فوقي ويغسل قلبي» حدقت غيث بالكلمات وقتا طويلا، الخط المنمق الذي لم تر أجمل منه، والورقة السميكة التي لم تشهدها في حياتها قط، والكلمات الفصيحة البليغة التي ما ظنت أحدا قادرا على أن يخط مثلها سوى والدها\. أعادت اللفيفة للطير فهدأ، لكنه ظل ينظر لها بتوجس واحتراس طوال اليومين التاليين، وفي اليوم الثالث تركته يطير في الواحة فعاد إليها وقد تخلص من الرسالة\. استبد بها العجب، لماذا كان يحميها بكل تلك الشراسة إن كان سيتخلص منها؟ ظلت الكلمات تدور في بالها طويلا، التمست حيرة الكاتب وضيق قلبه، أحست وكأن دموعه الخفية تسقط فوق قلبها، استبدت بها الحسرة وتمنت لو أنها احتفظت باللفيفة ولم تترك النسر يرميها\. أسرعت نحو حجرة والدها، سرقت منه جلدا مدبوغا أعد للكتابة، حملت حفنة من الطين الأحمر، وأضافت له بعضا من الزيت وقطرات من عصير التوت\. مزجت الجميع، غمست فيه ريشتها وأخذت تخط على الورق بصعوبة بعض الكلمات\. تركت الورقة تجف ثم أمسكت الطير فربطت اللفيفة في ساقه، نقر اللفيفة بمنقاره فلم تسقط، طار بها في الغرفة وحلق فلم تسقط\. نظر لها بعيونه الحادة ثم خرج من الغرفة وابتلعته السماء الزرقاء\. التقطت غيث الريشة التي سقطت من النسر، وجلست على سريرها خافقة القلب، لماذا كتبت تلك الرسالة؟