البداية

البداية

24 0

قد قيل أن العيون منافذ القلب، وأنك لن تحب ما لم ترى عينيها فتفتن، أو تسمع صوتها فتسحر، لن ينبض قلبك ما لم تأسرك مشيتها، ولن تشغف حبا ما لم تصلك الرياح بشذاها\. وهل الحب محتكر على الأرض التي نمشي عليها؟ ألا يمكنه أن يتخطى السماء والصحراء، ألا يمكنه أن يحلق بحرية ودون قيود، أن يكون سهما حرا يجوب السماء فلا يخطئ هدفه أبدا؟ ……\. هذه صحراء ذهبية رمالها تشع عند شروق الشمس، وتلك سماء زرقاء صافية لا تمطر سحبها أبدا\. أرض تلتهب بالحرارة، تحترق رمالها بضوء الشمس فلا يزيدها ذلك إلا اشتعالا\. ما الذي يفعله في هذه الصحراء المميتة؟ ولماذا يتوجب على أمير أن يخرج للصحراء تحت عذر التدريب؟ تنهد أثير بضجر، إنه مسجون في هذه الصحراء المميتة فقط لكون والده يريد تدريبه على فنون السيف والفروسية، يريد أن يجعل منه رجلا قويا \-كما يزعم\- وها هو قد أرسله مع بعثة خاصة ليتلقى تدريبا جهنميا في الصحراء\! ليدعوه وشأنه\! ليس مهتما على الإطلاق بخلافة العرش، ولا يهمه أن يجوب الصحراء ليصبح قويا، كل ما يبغيه هو ريشة وحبر، وكومة ضخمة من الكتب\. «مولاي، هل أنت مستيقظ؟» «ادخل يا بلهار» «أنت تكتب من جديد يا مولاي» «بل أنفس عن بعض مما يجوش داخلي» ابتسم الخادم بهدوء، أمسك الأمير الورقة التي كان يكتب ثم مزقها\. نهض وقال «إذا سأذهب قبل أن يجن راجس» خرج من الخيمة متبوعا بخادمه الطويل، رفع رأسه للسماء وتنهد، لقد مضت عدة أيام منذ عاد إليه طائره، يا ترى هل لدغته أفعى أم سقط صريعا في مكان ما بسبب العطش؟ سيكون عليه قريبا أن يجهز نفسه للحقيقة الفظيعة التي تنتظره، لا أحد بقادر على النجاة من هذه الصحراء المميتة\. عاد بنظره لما حوله، ما تزال ظلال الفجر تحيط بالمكان، والصحراء تتغطى برداء أزرق خافت، وتلمع رمالها كأنها تحتوي قطعا من الألماس\. سحب نفسا عميقا فجرحت برودة الصباح القارسة صدره\. هنا، الشخص الوحيد الذي يعامله كأمير خادمه بلهار، فالمدرب تلقى أوامر ملكية صارمة لمعاملته كفارس عادي، وباقي الفرسان لا يعملون شيئا عن هويته\. «صباح الخير يا أثير، المدرب ينتظرنا في الساحة» أثير، اسم لطيف لا يعبر أبدا عن معناه، فهو البريق، هو لمعان السيف حين يشحذ،  لكن لطالما ظن والده أن هذا الاسم لا يلائم أميرا، فمنحه اسما ثانيا إضافة للاسم الذي منحته له الملكة، ضرغام\. فهو الأثير، وهو الضرغام\. سريعا ارتفعت الشمس في كبد السماء، أشتعلت الرمال من تحت أقدامهم، ورأف مدربهم بحالهم فطلب منهم إعادة الخيول لظل الخيمة\. ترك أثير السيف يسقط من يده، ونظر للدمامل البيضاء التي ملأت يداه\. الرحمة\! هذا تعذيب، كيف له أن يتحكم في حركة خيل جانح، ويدافع عن نفسه ضد ضربات السيف الخطرة التي تأتيه من كل حدب وصوب، بينما الشمس تشوي جلده\. حث الخيل على السير اتجاه المعسكر، لكنه توقف حين سمع صوت صفير عال فوقه، رفع رأسه وحدق مذهولا بالنسر الجارح الذي كان يدور فوق رأسه بينما يطلق صيحات عالية\. رفع يده فحط النسر عليها، قبله بقوة وربت على ريشه الناعم\. انتبه أنفه الحساس للرائحة الحلوة التي تفوح منه، ورأت عيناه نظافة ريشه وجرحه المضمد\. لكن ما أثار اهتمامه هو الرسالة التي كانت مربوطة باحكام في قدمه\. كان من عادته أن يكتب رسالة طويلة يرفه فيها عن نفسه ثم يترك نسره يحملها ويرميها في مكان ما، قد يكون بئرا عميقا، أو نهرا جاريا، داخل البحار، أو فوق البراكين، لم يهتم قط مادامت الرسالة تدمر، لكن ها هو نسره الآن يعود له بالرسالة؟\! جذبها من قدمه، لفت انتباهه أن الرسالة ليست من ورق، بل من جلد مدبوغ، والحبر ليس أسودا راقيا، بل هو حبر أحمر قان\. وقد خطت فيها كلمات بخط قبيح غير مرتب، لكن ذو كلمات بليغة «وإن ضاقت بك الأرض بوسعها وأظلمت عليك السماء رغم بهاء نورها، فالجأ لربهما، فكيف بالذي بسط تلك الأرض ورفع سماءها ألا يقدر على ضيق قلبك ورطوبة عينيك» قرأ الكلمات مرة ثم اثنين، شعر بالذهول يكتنفه، واعترته رجفة، أحدهم قرأ السطور المبعثرة التي ألفها قلبه، وباحت بها أصابعه، هو الذي لم يمنح لأحد شرف قراءة ما تخطه يداه قط\. «مولاي، إن الجو سيصبح أكثر حرارة، من الأفضل أن نعود للمعسكر» هز رأسه واتجه نحو المعسكر، قفز عن الخيل واتجه لخيمته التي يظن كل الفرسان أنه يتشاركها مع الخادم بلهار، بينما هي خيمة مخصصة له\. وضع النسر فوق المنضدة الصغيرة، جلس على طرف الفراش الوثير وفتح الرسالة من جديد، قرأها وقد تملكته حيرة، لا يذكر بالضبط مالذي خطته يداه في آخر رسالة، لكنه يعرف بالتأكيد أنها كانت فضفضة عميقة عن حاله\. ابتسم «ما الذي أتيتني به يا شهابي؟» طار النسر فحط على كتفه، وضع رأسه كثيف الريش تحت عنق صاحبه الدافئ وأخذ يمرغ وجهه في لحيته الطويلة «هل جرحت يا عزيزي؟ من ذا الذي اعتنى بك في غيابي؟ هل كان شخصا لطيفا؟ هل أحبك أكثر مني؟ أعرف مدى شراستك وكيف كنت تدافع منذ الصغر عن رسائلي الخفية، تنقر وتخدش، تصرخ وتصفر، من هو هذا الذي أسر قلبك فتركته يقرأ خطابي؟»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوق جناح

المؤلف rana rachade
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة