في المنفى

في المنفى

16 0

تجمع باقي الناس في سرعة شديدة حين علموا بدخول غريب لقريتهم، هذه القرية التي لم يدخل لها غريب منذ استعمرت.

تجمعوا كالذباب من حول الأمير الفاقد الوعي، لاحظ أحدهم الدماء التي تنزف من رأسه فصاح منبها زملاءه.

حملاه رجلان وأدخلاه لحجرة من أكواخهم الترابية. كان بينهم رجل خبير بالطب، نظف جرحه الذي ينزف من التراب العالق به ثم وضع فوقه بعض الأعشاب الطبية وشد على رأسه وشاحا ليمنع تدفق الدماء.  لم يستيقظ أثير رغم كل الضجيج الذي أحاط به، بل بدا لهم وكأنه غارق في غيوبة أبدية.

«من الواضح أنه سقط عن حصانه، كما لم يحصل على علاج مناسب ولا راحة في الأيام الماضية. قد يكون تعبه الشديد هو ما يثقل نومه»

«عجيب أمره. لا يبدو من ثيابه أنه تاه في الصحراء أياما وليال، لكن أنى له الوصول لهذا المكان؟ فالواحة تقع في عمق الصحراء»

ابتسم الطبيب وربت على كتف الشاب

«لعل الله أرشده إلينا، كما أرشدنا لهذه الواحة حين كنا في أمس الحاجة لها. اذهب وأخبر أباك بأمر هذا الغريب»

هز الشاب الأسمر كتفاه ثم خرج من الحجرة.

وبينما كان الأمير غارقا في دوامة من العرق والحمى، والكوابيس المرعبة. كانت فرقة الفرسان التي خلفها وراءه قد تفرقت في جميع أنحاء الصحراء بحثا عنه، بينما حلق صقر ذو نظرات حادة حاملا رسالة إلى الملك تحمل أخبار هروبه.

لم يعرف أي منهم قط سبب هروبه المفاجئ وهو في أوج ضعفه وجرحه المفتوح ينزف، ولم يكن ليعرف أحد قط لولا أن الخادم بلهار قد دخل خيمة الأمير ليجمع حاجياته استعداد للعودة للقصر، فهم بحاجة لفرقة أكبر ليبحثوا عنه في هذه الصحراء الشاسعة.

وبينما كان يوظب أوراقه سقطت من الحقيبة القماشية عدة أوراق غريبة اللون، غريبة الرائحة، غريبة المنظر.

انحنى يلتقطها ومن خبرته علم أنها جلد مدبوغ وليست أبدا نوعية الورق الفاخر التي يحب الأمير استعماله، وفي جرأة استباح لنفسه فتح إحداها، وما كاد يقرأ الخطاب حتى اتسعت عيناه دهشة. إن  خبرة أعوامه الثلاثين مكنته ليعرف أن هذا الخطاب لم تكتبه سوى أنامل أنثى.

…….

أين هو؟ وما هذا السقف الترابي كريه المنظر؟ أين السقف المطلي بالذهب؟ وأين الثريات المتدلية؟ لماذا يشعر أن الفراش قاس وظهره يؤلمه؟ أين فراشه الوثير المحشو بأجود أنواع القطن وأين غطاءه ذو الرائحة العطرة؟

تململ في مرقده وقد أزعجه الضجيح القادم من خارج الحجرة، نادى في غضب

«بلهار، أغلق النافذة!»

لم يجبه أحد ففتح عيناه من جديد، حدق في السقف وتمعن في لونه الرمادي، رمش مرة ثم مرتين، وتوالت الذكريات إلى رأسه بغتة دفعة واحدة فتأوه

«أيها السفيه، ثكلتك أمك! أين رميت بنفسك يا أكبر خيبات أبيك؟»

لطالما حذره خادمه من هذا التهور الذي يملكه، وطلب منه دوما أن يتروى في قرارته، هل الحضور برفقة حرس خاص أو خادم عالأقل كان ليمنعه من الحصول على الفتاة؟ بل لماذا ركض كالأرعن في الصحراء بحثا عن فتاة؟

دفع جسده بيداه فجلس في فراشه، تمعن في محيطه فوجد أن فراشه عبارة عن مصطبة ترابية وضعت فوقها جلود حيوانات، وغطاءه منسوج من الخيوط والصوف.

الحجرة عادية ليست بها أي زينة، مبنية بطين رمادي بارد وكأنه رماد منطفئ، يتدفق النور بقوة عبر طاقة في الحائط، ولا يغطي الباب شيء سوى ستارة خفيفة.

تحسس الضماد الغريب فوق رأسه، ثم تفقد ملابسه فوجدها كاملة لم تمس، غير أن الوشاح الذي كان يتغطى به قد نزع ووضع تحت رأسه.

رفع قدماه عن الفراش البدائي البسيط، شتم نفسه مرة ثانية ثم اتجه بخطوات مترنحة نحو الباب.

شمس الظهيرة سقطت في عينيه فأعماه الضوء الشديد، رفع بصره يحدق في الناس من حوله وعصفت به دهشة عارمة. أين هو بحق خالق الأرض؟

النساء متلحفات في ثياب ساترة بيضاء وسوداء، بعضهن يظهرن أعينهن والأخريات لا يظهر منهن شيء. والرجال يرتدون سراويل من الجلد المدبوغ وقميصا رقيقا بالكاد يغطي نصف الصدر، ذوي نظرات حادة وبشرة شديدة السمرة، والعرق يلمع على جبينهم.

بينما على النقيض تماما  كان هو يرتدي قميصا أبيض من الحرير الصافي، وسروالا فضفاضا من الكتان الناعم، وفي أذنه اليمنى قرط ذهبي تزينه جوهرة زرقاء لامعة.

اقترب منه طفل أسمر البشرة وونظر ليداه ثم قال له

«لونك يشبه الرمال التي تغرب عليها الشمس»

ضحك أثير، ولم لا؟ إنه أمير قد أخفي داخل قصر ضخم طوال  سنواته الإحدى والعشرين، لم تتح له الفرصة قط ليرمى في صحراء الموت كي يكتسب السمرة الشديدة، وما اكتسبه في المعسكر لم يكن سوى قطرة مما يمكنه أن يكتسب لو عاش في الصحراء.

انخفض وربت على رأس الفتى

«لكنني أحب لونك. كيف يمكنني أن أصبح أسمرا جميلا مثلك؟»

مد الطفل يداه وأمسك بيدي أثير وقال بمرح

«عليك أن تجلس في الشمس كثيرا، كثيرا جدا»

«يعقوب! تعال إلى هنا»

استدار الطفل نحو شاب أسمر ذو جسم ضخم، ملامحه شديدة قوية.

ركض الطفل نحو الشاب ثم ابتعد عنهما بعدها بقليل. تقدم الشاب نحو أثير وقال

«يبدو أن صحتك تحسنت. نمت ليوم كامل حتى شككنا في حياتك. كيف تشعر الآن؟»

ابتسم أثير له، اعتدل في وقفته وقال

«الحمد لله، أنا ممتن لكرمكم البالغ نحوي. سيكون دينا علي»

مد الشاب يده وقال

« لا يمكن لرجل مؤمن أن يترك أخا في محنة. أدعى هارون»

شد أثير على يده بقوة وامتنان:

«أثير»

انعقد حاجب هارون لوهلة، ثم هز رأسه

«قد تكون جائعا وعطشا. ما رأيك أن تنضم لنا؟ أم أنك متعب؟»

«سأكون سعيدا بالانضمام إليكم»

قاده الشاب نحو شجرة ظليلة، يجتمع تحتها حوالي خمسة رجال من الشباب الأقوياء السمر. دفعه هارون ليجلس وسطهم ثم استأذن قائلا أنه ذاهب ليحصل على الطعام.

ومن بعيد لاحظ خيال امرأة تقبل على الشاب وبيدها قفة مصنوعة من سعف النخيل. ولم يتبين منها شيئا سوى ثيابها البيضاء الساترة. تناول منها هارون القفة فاستدارت مبتعدة وغادرت المكان.

فرق هارون الطعام على الأرض، فكان فيها ابريق شاي، وصحن من الزبدة والسمن والعسل. وصحن به خبز طازج.

كانت الأكواب مصنوعة من طين رمادي، والصحون كذلك. 

جوعه لم يمنحه فرصة ليشمئز من صحون الطعام، ومذاقها أنساه أنه اعتاد الأكل في صحون فضية وزجاجية. لذيذة، لذيذة جدا! أم أنه جائع فقط؟

حين انتهوا من الطعام، كانت لديه فرصة ليتعرف على أسماء الرجال، لكن أيا منهم لم يسأله عن حاله أو من أين أتى فاستغرب ذلك.

بعد ذلك تفرق الجمع وقال له هارون وهو يعيد الصحون للقفة.

«يريد والدي رؤيتك. تعال معي»

«هل لهذه القرية رئيس؟»

«لا بد من ذلك، فلكل نفس راعيها، وكذلك لكل أرض راعيها، إن فسد الراعي فسدت الأرض كلها، وإن لم يوجد راع، فسدت الأرض وغرقت في الفجور والفوضى»

ابتلع أثير ريقه، راعي هذه الأرض؟ ماذا سيقول هارون إن أخبره أنه راعي هذه الأمة  المستقبلي؟ راع هرب من رعيته بحثا عن سراب.

أرشده لمنزل طيني ضخم يحتوي عدة حجرات متفرقة، قاده لحجرة صغيرة، لم تكن مميز بل هي كالحجرة الترابية السابقة التي كان نائما فيها، مبنية بطين رمادي، ولا يدخل لها الضوء إلا من نافذة صغيرة عالية بما يكفي كي يستحيل الوصول إليها.

كانت الحجرة فارغة من أي شيء، وبداخلها يجلس رجل في الخمسين من عمره، أومأ هارون للرجل وألقى السلام فرد عليه، سحب سجادة من جلد الماعز وفرشها على الأرض ثم أشار لأثير بالجلوس.

«كيف تشعر الآن يا بني؟»

«بخير، الفضل لله أولا ثم لكرمكم البالغ. سأحرص على رد هذا الدين»

ابتسم الرجل بلطف

«المؤمن لأخيه»

هز رأسه قليلا ثم قال

«كيف وصلت لهذا المكان البعيد يا بني؟ تعلم جيدا أن هذه من أخطر الصحارى في المملكة. الحياة معدومة فيها وهي شاسعة لدرجة يصعب معها معرفة الاتجاهات؟ تبدو من أصحاب النعم، فما الذي أوصلك لهنا؟»

ابتسم أثير، اشتغل عقله ولفق في ثانية كذبة بيضاء.

«أنا ابن تاجر، أردنا القدوم للعاصمة فقطعنا جانب الصحراء. تعلم أنه يوجد طريق تجاري تمر فيه القوافل وهو محدد بعلامات خاصة. ظهرت أفعى أمام حصاني فركض بي، وحين أردت العودة لم أعرف يميني من يساري»

غضن الرجل جبينه

«وكيف آذيت نفسك؟»

«وقعت عن حصاني؟»

«هل هذا كل شيء؟»

«بالتأكيد. لا أعتقد أنك تشك في كلامي لأنه يستحيل علي أن آتي رأسا لهذا المكان. كيف تعيشون هنا؟»

زم الرجل شفتيه

«نحن قافلة فقدت طريقها في الصحراء، وأحاط بنا لطف الله. يؤسفني أن لا أحد منا قادر بإرشادك في الصحراء كي تعود لوطنك. سنراقب الأماكن المجاورة لعل أحدا من قافلتك يبحث عنك. يستحيل ألا يفتقد أحدهم ابنه»

ومضت عينا أثير، لعل الخبر وصل والده وهو يستشيط الان غضبا على عرشه الذهبي، لطالما هرب من القصر فقد كره دوما الحماية المفرطة التي أحيط بها، لكن هذه المرة مختلفة جدا.

إنه الصبي الوحيد فوق خمس بنات، سيجن جنون والده إن فقده.

«نعم يا سيدي. أنا ممتن لك جدا»

«ما اسمك يا بني؟»

«أثير»

ابتسم الرجل

«إنه اسم لطيف ويروق لشاب ناعم مثلك»

هز أثير رأسه ضاحكا

«صحيح. لكن والدني يحب مناداتي بضرغام، يظن أن هذا الاسم الرقيق لا يناسبني»

تجعد جبين الرجل وهسهس

«لديك اسمان؟ أثير وضرغام؟»

هز أثير رأسه، حطت عيناه فوق عيني الرجل الحادة، شعر أن ما تفوه به كان خاطئا. ابتسم ببلاهة وتمنى أن يمر الأمر على خير.

حين خرج أخيرا من الحجرة تنفس الصعداء، قال له هارون بابتسامة

«مرحبا بك بيننا. تعال معي سأعرفك على باقي الشباب، نحن نبني بيتا جديدا لعرسان جدد»

رفع أثير بصره للسماء، لقد تذكر نسره فجأة

«اعطني لحظة وسألحق بك»

اتجه خلف حجرته ووضع اصبعه في فمه ثم أطلق صفيرا عاليا.

…..

انتفضت غيث حين قفز الطير من فوق الطاولة بسرعة، تخلى عن طعامه واختفى من الحجرة في ثوان معدودة.

التقطت أذناها صفيرا قريبا منها فوقفت على جانب نافذتها وأطلت برأسها منها. لاحظت رجلا يقف باستقامة واعتزاز والنسر على ذراعه. داعب رأسه ودغدغ ريشه فقفز الطير ورفرف في الهواء للحظات ثم حط من جديد على ذراع الرجل ومسح رأسه في عنقه.

إنه ذلك الغريب الذي أغمي عليه على حدود القرية. شعره بني يميل للأشقر، ووقفته حازمة، بشرته بيضاء تشوبها سمرة خفيفة.

استداروهو يداعب نسره فحدقت في وجهه مسحورة.

له تقاسيم ناعمة توحي بشخصية لطيفة هادئة، ثغره كرزي اللون وقد حسدته على ذلك. لحيته ذات لون بني غامق شعثاء. رفع رموشه الناعمة فحطت نظراتها على عينيه، لديه مقلتان يمتزج فيهما اللون الأخضر بالرمادي الفاتح.

رفع بصره فجأة فانحنت بسرعة وابتعدت عن النافذة، خطيئة اختلاسها النظر لرجل أجنبي، أسوأ من خطيئة أن يراها رجل أجنبي دون ساترها. حتى بعد وقت طويل من ذلك ظلت جاثية على الأرض وقد زعزعت الحقيقة كيانها. إن كان هذا النسر المشاغب الذي لا يزال يشهر مخالبه في وجهها كلما انزعج، قد حط على ذراع هذا الشاب بدلال وكأنه فأر فلا بد له من أن يكون صاحبه.

إذا هذا يعني أنه صاحب الرسائل؟

لا، بل المصيبة الكبرى، هل هو أمير هذه الأمة؟

ماذا يفعل هنا؟

....

اذا اعجبتكم الرواية يمكنكم الاطلاع عليها على واتباد مكتملة، أو التفاعل هنا لأكمل نشرها لكم.

شكرا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فوق جناح

المؤلف rana rachade
2025/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة