ربطت الرسالة في ساق النسر، وراقبته وهو يرتقي السماء ويختفي خلف الشفق.
……
«سلاما على من وحد الله القهار، وذكر خالق هذه الأكوان. أسأل الله أن ينزل السلام على قلبك، وأن يطفئ لهيب فؤادك»
كان يجلس أمام النار، من حوله الفرسان كل بيده صحن طعامه، يغنون، ويلقون بالأشعار، يتذكرون الفتيات ويتغزلون بالسماء.
حدق بالنسر الذي يحك ريشه بجوار قدمه، ثم أعاد بصره للرسالة التي بين يديه. نهض بغتة فحدق به أصحابه بتعجب
«ألن تتناول الطعام يا أثير؟»
ابتسم لهم وهز رأسه
«لست جائعا هذه الليلة، أستميحكم عذرا»
اتجه نحو خيمته فجلس على طرف فراشه، قرأ الرسالة مرة أخرى وشعر ببسمة تعاند شفتيه لتظهر.
هب لأوراقه، استل ريشة الطاووس المفضلة لديه، وغمسها في الحبر
«سلاما على الذي قرأ مكنونات صدري، سلاما على من أحبه نسري واستأمنه أسراري. استجاب الله لدعائكم فكانت كلماتكم البرد والسلام لفؤادي»
استدعى نسره بصفير حاد ثم ترك له الرسالة، داعب رأسه ودغدغ ريشه
«هيا يا عزيزي، اذهب لصاحب الخطاب، وأوصل له السلام»
…..
«وصلنا السلام، فالحمد لله الذي لدعائنا استجاب»
«سلاما على من كان خطابه البلسم، وكلماته نبع السلام. عجبًا كيف لمست كلماتك قلبًا ظن أنه محاط بالجبال، فاكتشف أن هناك نورا يخترق الظلام.
أكتب لك خطابي هذا وأنا ممتلئ بفضولٍ يشدني نحوكِ كما يشد النسر جناحيه للسماء. يا من تشاركني أفكاري وتسبر أغوار مشاعري. فهل للكلمات أن تلتقي وتحمل لنا الجواب؟»
«سلاما على المحارب الذي حملت لنا رياح الصحراء همسه، وأوصلت كلماته إلى واحة الروح. كيف لنا أن نخبركم عن نفسنا وأنتم أصحاب الخطاب؟ إننا يا سيدي أمنية أهل الصحراء، تحملنا الغيوم وتأوينا السماء»
«سلاما على غيث القلوب، على من يلقي الأمل في قلوب الناس، ويجتر الحياة من قلب الموت. نحن أثير بددته الشمس، يلمع إن شحذ السيف، ونحن أسد ضرغام يتربص فريسة، ونحن الأمل لنساء العالم وأطفاله»
«حيا الله أمير هذه الأمة، ملكها المستقبلي وراعيها. إنا قرأنا خطابك دون إذن فلامست الكلمات قلبنا، وأردنا أن نخفف على كاتبها. فاعذر جهلنا وقلة صبرنا»
……
طوى أثير الرسالة برفق، لقد مر شهر وبضعة أيام منذ بدأ يكتب الرسائل لمجهول الصحراء هذا، لكن يستبد به الفضول حوله، اسمه غيث، فهل هو فتاة رقيقة كما توحي رائحة رسائلها الحلوة وينبئه حدسه، أم هو صبي صغير فاق أهل زمانه بلاغة؟
حجز أثير طائره عنده في الخيمة عدة أيام، فقد بدأ يغار من غيابه عنه كل يوم، هل بدأ يحب مجهولا قابله في الصحراء أكثر مما يحبه هو؟ مع أنه الذي اعتنى به منذ كان فرخا وأحبه أكثر من نفسه؟
لكنه رأف بحاله في اليوم الثالث، ففتح باب القفص وأخرجه منه، ربت على رأسه وهمس له
«أحضر لنا جزءا من صاحبك الجديد. دعنا نعرف هويته»
صاح النسر، فبددت صيحته هدوء الصباح. قفز عن يد صاحبه وارتقى في السماء.
وصل للواحة مع شروق الشمس فأخذ يدور في السماء مطلقا صيحات أرعبت ناسها، عرفت غيث النسر فارتدت لباسها وخرجت وإذا به يندفع نحوها كقذيفة وسط الساحة، بنقرة ثم اثنتان سلبها لثامها، قبض عليه بقدميه وطار مبتعدا.
سقطت غيث على الأرض من شدة الصدمة، تجمع عليها الناس، وقدمت لها النساء لثاما آخر سترت به وجهها، وتوعد أخوها النسر بالشر.
…
«أنت تتحسن بشكل جيد يا ضرغام، سيكون والدك فخورا بك حين نعود»
رواغ أثير ضربات مدربه وابتسم
«هذا شرف لي يا سيدي. كله بفضلك»
سقط عليه شيء من السماء في منتصف حديثه فغطى عينيه، طار السيف من يده جراء ضربة شديدة ووقع على الأرض.
سحب المدرب الوشاح عن وجهه ونظر له دهشا
«ما هذا؟»
حدق أثير بالوشاح الأبيض الناصع، رفع رأسه للنسر الذي يصيح فوق رأسه واستبد به الغضب، تبا لهذا الطير الغبي!
سحب الوشاح من يد المدرب وقال
«لا شك أن طائري الغبي قد سرق شيئا آخر من جديد»
تنهد المدرب
«إن لذلك النسر تصرفات عوجاء. لا يجب أن تتركه يمرح كيف يشاء هكذا»
هز أثير رأسه، شد قبضته على الوشاح الأبيض، حمل سيفه ثم غادر لخيمته هاربا.
في الخيمة فرد قطعة القماش البيضاء أمام ناظريه، إنه لثام صحيح؟ قلبه ونظر له متفحصا في مكانه، إنه لثام امرأة. لم يخطئ حدسه إذا؟ كانت امرأة.
في غمرة جنون رفع اللثام لانفه فاشتم به رائحة قوية من عطر التوت ممزوجا برائحة الصوف والزيت العطري. لاحظ بقعا حمراء على الثوب تشبه البقع التي تبقى على الجلد المدبوغ. انتبه أخيرا لفعله الشاذ فرمى الوشاح من يده محوقلا.
في النهاية حمله ودسه في حقيبة ادواته مع الجلد المدبوغ وشرائط الصوف الملونة التي كانت الرسائل تربط بها.
…….
استقبلت غيث النسر عند نافذتها، خبأته في غرفتها خوفا عليه من بطش رجال القرية، فهم يظنونه طير جارحا هاجمها، ورجال القرية لا يسامحون أبدا من يؤذي نسائهم حيوانا كان أم بشرا.
داعبت النسر وقالت بمرح
«سرقت لي لثامي وكشفت عورتي أمام خلق الله، هل هذا طلب من صاحبك الأمير؟ تا الله يجب أن تنتقم لي»
دفعت له قطعة لحم وقالت
«ستنتقم لي صحيح يا طيري؟»
ابتلع الطير قطعة اللحم، حدق فيها بأعين حادة وكأنه يفهم كلامها، ثم قفز عن حضنها وانطلق كالرصاصة خارج الحجرة.
…..
اعتلى أثير صهوة خيله الأشهب، ربت على رأسه وتمتم بضع كلمات بجانب أذنيه، ثم شد من اللجام وتحرك به نحو ساحة التدريب.
التدريب الأخير، مسابقة للخيول. سيعودون للمملكة بعد يومين.
أشار لهم المدرب للاستعداد ثم صفق عاليا فانطلقت الخيل العشرة تعدو في سرعة مثيرة زوبعة من الرمال.
كان أثير يتقدمهم جميعا، لربما هو ليس ماهرا مع السيف، لكن لن يضاهيه أحد مهارة حين يتعلق الأمر بركوب الخيل.
تفاجأ بغتة حين انطلق شيء ما يلعب أمام وجه حصانه، ثم حط فوقه وبدأ ينقره، ترك أثير اللجام من يده وبدأ يحاول إمساك الطير
«شهاب، توقف، ما خطبك أيها الطير الأحمق. توقف»
تبادر له صوت جلجلة، حدق بالأرض ليجد أفعى ضخمة ذات أجراس تلعب برأسها أمام خيله. ارتعب هذا الأخير فوقف على قدميه الخلفيتين، أمسك أثير اللجام بحدة فقز الخيل قفزة واسعة فوق الأفعى المجلجلة وأسقط راكبه عنه ثم انطلق يعدو في الصحراء.
كانت السقطة قوية جدا، شعر أثير بالدوار وبالدماء الدافئة تتدفق من جرح في رأسه، جاهد لينهض لكنه لم يستطع، لمح بطرف عينه نسره يقاتل الأفعى التي كانت تسعى له، نبض رأسه بألم ساحق ثم امتزج نور السماء بالظلام الحالك وكان آخر ما سمعه هو صوت مدربه يصرخ:
«سمو الأمير!»
حين استعاد وعيه أخيرا، وجد نفسه على سريره في الخيمة، نبض الألم في رأسه حادا وتأوه.
حرك رأسه فوجد نسره مسجونا في القفص
«طير أحمق، هل تتوق لأن تصبح فرخا مشويا؟»
دلف بلهار للخيمة
«لقد استيقظت أخيرا يا مولاي. لا تتحرك كانت حقا ضربة سيئة»
سقاه بعض الماء ثم قال
«لا نملك طبيبا هنا ليعتني بجروحك، لقد فعلت كل ما بوسعي لكن من الضروري أن يراك طبيب ويقطب جرحك المفتوح»
رفع أثير حاجبه
«إذن؟»
«نحن نتجهز للعودة، سنكون قادرين على التحرك هذه الليلة»
هب من سريره مذعورا
«الليلة؟»
«أجل يا مولاي، لا أهمية لإكمال التدريب والخطر يتهددك»
تنهد أثير بانزعاج
«برق؟»
«لقد ذهب السيد راجس بنفسه ليبحث عنه، وجدناه، لحسن الحظ لم يكن قد ابتعد كثيرا»
هز رأسه ثم انحنى وغادر
«ارتح من فضلك يا مولاي، سأعلمك حين نكون جاهزين»
تتبع أثير خادمه وهو يخرج من الغرفة، نهض ببطء مستندا على السرير الخشبي، تقدم نحو القفص ففتحه، هب النسر فغمر وجهه في عنقه
«يا طيري الأحمق العزيز، ماذا كنت تحاول أن تفعل؟ لست واثقا إن كان ذلك تحذيرا من الأفعى أم انتقاما من صاحبة الوشاح، أم أن القدر جمع كلاهما في صدفة واحدة»
قبله برفق ثم تركه على السرير، كان الألم يزلزل كيانه والدوار يشتت تركيزه. انحنى نحو صندوق ملابسه فسحب وشاحا ثقيلا وضعه على كتفيه ثم سحب قطعة قماش شفافة ربطها بيده، جذب سيفه وأخفاه تحت وشاحه، وضع طيره على يده وخرج.
الفارسان عند الباب كان كثيرا ما يمرحان معه ويضربان ظهره أو يعنفانه لكونهما أكبر سنا، لكنهما الآن أخفضا بصرهما وقد تجمد جسدهما.
«نحيي أمير هذه الأمة»
نقر بلسانه منزعجا، ثم ابتعد عنهما وهو يترنح
«أين تذهب يا مولاي!»
حدق بهما غاضبا
«للخلاء، هل يجب أن تحشرا أنفكما بهذا أيضا؟»
«دعنا نراف..»
«مكانكما، لست عاجزا. سأعود خلال لحظات»
حدق الاثنان في النسر بتوجس فانتفخت أوداجه غضبا
«ولكما الجرأة لتحدقا في طيري بوقاحة!»
«نستميحك عذرا يا مولاي. سننتظرك هنا»
قلب عيناه ثم ابتعد عنهما، من المفيد جدا أن تكون أميرا أوامره مطاعة، لماذا لم يحب هذه الميزة إلا اليوم؟!
اتجه للخيمة التي كانت تستظل تحتها الخيول، بحث عن خيله في الظلام، داعبه ثم اعتلاه بحركة سريعة شتت اتزان جسده.
دفن وجهه في ظهر الحصان وبقي ثابتا على وضعه لمدة طويلة. لم يكن لديه الوقت ليحضر لجاما ولا سرجا، وضع لثامه الشفاف على وجهه، لكز حصانه بقوة فانطلق يعدو.
كان الفرسان في كل مكان يعملون بجد لجمع الخيام استعدادا للمغادرة، مر الخيل وسطهم فبعثر جمعهم، حدق أثير فيهم وابتسم.
حين استيقظ أحدهم من صدمته أخيرا كان أثير قد دفع خيله ليركض بسرعة أكبر
«سمو الأمير! يا إلهي سمو الأمير. يا مولاي انتظر!»
صاح آخر
«لقد هرب الأمير. أحضروا الخيل بسرعة»
فليمسكوه ان استطاعوا!
……
بارشاد من نسره وصل أثير أخيرا للواحة بعد ليلة ويوم من الركض، وكان ليصل أسرع لولا رأسه الذي يؤلمه، ومراوغته للفرسان الذي يلحقون به.
في النهاية كانت قواه قد خارت، أسند رأسه على ظهر الحصان وتركه يعدو كيف شاء مسترشدا بالنسر.
حين توقف الخيل على المشي بعد وقت طويل، استيقظ أثير من غفوته فوجد نفسه على أطراف واحة بهية، أمسك رأسه بين يديه وكاد يصرخ لشدة ما يعانيه من الصداع.
دفع خيله ليتقدم للداخل، بالكاد كان يرى شيئا حوله من الضباب الذي يغطي عينيه، توقف خيله مرغما حين وقف أمامه رجل مفتول العضلات، حدق في أثير بفضول وسأله بقساوة
«من أنت يا هذا؟»
ابتسم أثير
«عابر سبيل قادته الصحراء لواحتكم يا سيدي»
«من أين أتيت؟»
وضع أثير يده على صدغه، تمتم بانهاك
«انفصلت عن مجموعتي وضعت في الصح…»
توقف بغتة، ترنح رأسه وهوى جسده عن الخيل، أمسكه الرجل في اللحظات الأخيرة، مدده على الأرض وأخذ يصيح فيه
«يارجل، يا هذا! افتح عينيك»