ويُحيطُ بي من كلِّ صوبٍ صاحِبٌ لكنّ قلبي في الجُموعِ وحيدُ! -عبد الله زمزَم. قد لا نرغب بالإعتراف بذلك، لكننا جميعًا لنا من النفاق نصيب. فلا أحد سبق له من قبل أن رأى أي نوع من الأشخاص نحن فعلًا حتى أقرب المقربين... لأننا داخنا نخاف من أن نُكسر حتى لو لم يحدث ذلك قط، نعي جيدًا أننا أهَشُّ من الزجاج، و نعي أنه من المستحيل إصلاح تلك الكسور. قد يتظاهر البعض أنهم صانوا قلوبهم و أنهم تعلموا الدرس، لكن في قراراة نفسهم أيصدقون هم ذلك ؟ ... هم ليسوا سُدَجًا، بل فقط يتجاهلون تلك الكسور، ولا أعتقد أن كلمة تجاهل هي الكلمة الصحيحة، لربما الأصح القول أنهم يغضون أبصارهم، و بمعرفتهم لهذا، أيعرفون أيضًا أن تلك الجراح ستذكرهم بوجودها عندما يدوس أحدهم فوقها ؟ ، أيعلمون أن الألم لن يقل حتى لو مر وقت طويل ؟ و إذن ؟، ما الحل ؟... لا يوجد ! لذا قلت أن جميعنا ننافق، ننفاق الكل حتى أنفسنا و نقنع أنفسنا أننا نعلم من نكون حق المعرفة. و لعل هذا يقودها للنقطة التالية، من بين جميع الفئات العمرية، أيُهَا تنافق أكثر من غيرها ؟ سأقول لك المراهقون، نحن في فترة تبنى بها شخصياتنا، لن نفرق بين ماهو صائب و ما هو خاطئ، و نحن إلى ذلك لنا حيزُ جد ضئيل من الخبرة الحياتية، قد نُكَذِب البالغين معللين، رجوعًا لإعتقادنا بأن الأمر مستبعد، و قد يكون بعضنا طليعًا داخله بصحته لكن مع ذلك لما نندفع ؟ لما نزعم أن قراراتنا صائبة كأحكام (جوستيسيا) ؟ أو أن ردود أفعالنا هي بمثابة سيف يدها اليسرى ؟ حل الخريف بسرعة لم ألحظها، و لعل السبب في ذلك أن أيامي خاوية تسير بنفس النمط، أيامي ميتة لا لون لها، تسير كلها باللونين الأبيض والأسود. الفراغ أكل داخلي كثقب أسود، و الوحدة إبتلعتني فعدت أرى الجميع بعيدي المنال، فصرت أصمت فحسب لا أعلم أكنت أنا من أرْدِيَتْ قَتيلًا إم كلماتي. رؤيتي لمحيطي صارت مشوشة، فأحسب أن لا محيط لي، و أن لا سفينة لي في بحر الحياة. أحيانا كثيرة أجدني أملأ فراغي الموحش البارد بمحادثة عابرة مع أحد ضحاياي إنتشلتني ورقة سقطت من الشجرة التي أجلس تحتها من أفكاري، أراقبها بتركيز لعلي ألمح بها لونًا، إلى أن أخدتها الرياح بعيدًا كما سُلبت أنا من نفسي. ثم سقطت ورقة أخرى، و أخرى، و أخرى... و ها أنا أجد نفسي أعد أوراق الأشجار المتساقطة واحدة تلو و الأخرى، عند الورقة الخامسة بعد المئة لمحت سقوط ورقة أخرى، لكنها كانت خضراء قليلًا، ثم أخرى خضراء بالكامل، ثم أخرى متيسبة أكثر من غيرها... أرمي بصري للأسفل لأجد صفًا من النمل يمشي، بكل مثالية و دون عبثية، أتبعه بعيني لأجد أنهم يدخلون أحدى الحفر أسفل الشجرة نظرت إلى الثقب أين يدخل النمل نملة تلو و الأخرى، أخدت ورقة من اللاتي إجتمعت فوق كتابي، و هَممت أسد بها مدخله... نظرت إلى النمل يتبعثر و يفقد مثاليته تلك، فبدأو بالتحرك بكل عشوائية، كل على هواه، كانوا فقط مثيرين للشفقة... ما إن فقدوا وجهتهم الأساسية فقدوا كل شيء، ذلك جلعهم يبدون كالبشر، الفرق أنهم كائنات ضئيلة، مع أول عقبة في طريقتهم يرمون كل شيء بأيديهم و يستسلمون، لعل بعضهم يوعظ البعض الآخر قائلين أن الأمر سهل، كل ما عليهم فعله هو إبصار بصيص أمل خافث، لكن متى يكون الواعظ واعظًا يمكن الاحد بوعظه ؟ حين يطبق وعظه ذلك على نفسه قبل أي شخص آخر. نفضت تلك الأوراق عن كتابي، أحمل سماعاتي و هاتفي الملقى أرضًا، رفعت رأسي لأرى الشمس قرصها البرتقالي في منتصف السماء و إن كان لذلك معنى، فهو أنه وقت دخولي المنزل... ما إن نهضت لمحت شيءًا، رغم أن مستعمرة النمل تلك مبعثرة بالفعل، إلا أني إستطعت رؤية تمرد بعضها. خمس نملات تحاول بكل قوتها سحب الورقة من فوق المدخل، بينما نملات اخريات قريبان كن يشاهدن فقط، فخطر ببالي أنهن يخبرن رفاقهن بالتوقف، أو أن ما يفعلونه لا جدوى منه، بينما الخمس عازمات كل العزم على سحب الورقة... لكني فقط درست عليهن فباءت محاولتهن بالفشل، و لعلهن صرن عبرة للاخريات... توجهت ناحية بوابة المنزل الخلفية بما أني كنت بالحديقة الخلفية، ثاني مكان أمضي فيه جل وقتي فتحت بابه و أول ما وقعت عليه عيني كان الخدم، تجاهلتهم كعادتي، فأحسست بنظراتهم اللاسعة نحوي. مررت برواق الطابق الأول، أين علقت جميع لوحات العائلة، لوحة لأبي، لعمتي، لجدي و جدتي، فأوشحت نظري عن رابعها.. صعدت الدرج نحو الطابق الثاني، اتجهت ناحية المكتبة، أين يحتفظ أبي بكتب ثمينة يحفظها كالمجوهرات، فكلها كانت نادرة ذات طبعات قديمة، لكنها ليست أغلى من تلك التي يملك داخل غرفته. أرجعت الكتاب الذي تناولته قبل قليل لأحدى الرفوف، الثلت الأول من يومي في العطلات اكتمل، قراءة كتاب، الثلت الثاني كان قراءة رواية، فبدأت أبحث إلى أن وجدت شيءًا ألتهي به، مع أن الأمر صار مملًا، فهذه الكتب لا يتم تجديدها أو شيء من هذا القبيل، لذا من الأصح القول أني أعيد قراءتها فقط... ثم قصدت غرفتي، أفتح بابها فيلفحني ظلامها، وضعت الكتاب فوق سريري، نظرت حولي، نظرت نحو المنضدة، فكانت قارورة الماء فارغة، لذا عدت ملأتها... ثم عدت أدفن ذهني في تلك الرواية، التي حفظت أحداثها تقريبًا... بعد أزيد من ثلات ساعات، نظرت إلى هاتفي فكانت الساعة الرابعة عصرًا، وقت أخد حمامي الدافئ المعتاد ثم الإستماع إلى الموسيقى... خرجت من الحمام بنشفة فوق رأسها و حول جسدها، رمت نفسها على السرير، وضعت السماعات، ثم فقط بدأت تحدق بالسقف، أحيان تشرد بأفكار عشوائية، و أحيان أخرى في كلمات الأغاني بحد ذاتها.. بشرود و فراغ إلى أن قوطع ذلك الشرود بلحن غير مألوف لم تسمعه من قبل و طبعًا ليس ضمن قوائم تشغيلها المعتادة لذا خمنت أنها من الأغاني المقترحة حسب إحصائيات التطبيق لإهتاماتها و الأغاني التي تسمعها غالبًا، في العادة يكون لأحد الفنانين القلائل الذين تسمع موسيقاهم فتكون أغنية جديدة نادرًا، فذوقها الموسيقي كلاسيكي أغلب أغانينا المفضلة قديمة جدًا لدرجة أن بعض الفنانين موتى... نظرت لشاشة هاتفها.. "الفتاة رقم واحد " لـروزي كل من العنوان و المغني جديدين عليها، عادة كانت ستوقف الأغنية و تعود لقائمة تشغيلها... لكن شيءًا جذبها في هذه الأغنية، أو بالأدق شيئين، عنوانها و لحنها... فوجدت نفسها تراقب السقف، و قد أستحودت الأغنية على إنتباهها كليًا، فوجدت الأمر صعبًا، تتعامل مع شحنة مشاعر لم تتعامل معها من قبل، و مع أفكار لم تسمعها أو تقرأها في كتبها من قبل، كل من العجز و الرجاء و الحب الخالص، مفاهيم جدد على فكرها. "اخبرني أني مميزة أني أبدو جميلة أخبرني أني ملاك لطيف أقول لك أني أموت لسماعك تقولها... لأني سأموت لسماعك تقول أني ذلك الشيء... أني ذات قلب كبير، و أدعم قولك بالأدلة.. أحتاج سماع كل هذا ولا أعلم لما. هذه الليلة، أليس من الموحش... أني سأفعل أي شيء لأجعلك ترغب بي؟ أني سأتخلى عن كل شيء لأجلك إن أخبرتني أني سأكون الفتاة رقم واحد بعينيك فأنت شخصي الواحد و الوحيد.. ما الذي سيتطلبه لجعلك ترغب بي ؟ سأتخلى عن كل شيء إن أخبرتني أني سأصبح الفتاة رقم واحد بعينيك... " مع كلمة، مع كل ثانية أستمع لهذه الأغنية كان يزيد إنبهاري، ثم وجدت نفسي قد أمضت أزيد من أربعين دقيقة، دون كلل أو ملل... الخدلان و العجز و الشغف الشديد، كانوا أعمق من أن أستوعبهم، و أرق من أن أن احتضنهم، لن أكذب و أقول اني لا أعلم عن الحب شيءًا، ليس لتلك الدرجة... و لعل هذه الأغنية بالذات جعلتني أدرك أن كل ما أعرفه عن الحب سطحي، شيء من الروايات الكلاسيكية و من بعض كتب التنمية الذاتية، و شيء من أبي... و لعل الشيء الجاذب في الأغنية هو أنها تأخد سياقًا و منحًا شخصيًا يعكس تجربة شخصية، هي كلمات لم تكتب لإثارة الإنتباه كما في باقي الأغاني، لأن الكلمات كانت فقط...مؤلمة، مؤلمة لدرجة لا أستطيع إحتوائها، أنا لا افهم... لما كل هذا الرجاء؟ و إحساس النقص كأنها دونه ورقة بيضاء هو حبرها، فقط أشعر بالغرابة.. العطلة على الوشك الانتهاء، و ستعود تلك الأيام الصاخبة، سيعود ذلك الشعور غير المحبب لدي؛ حين أتجول في المدرسة و الطرقات، فيكون جليًا أني بشكل ما أواصل مقارنة نفسي بهم، بالشرخ الكبير بين عالمي و عالمهم... إلى ذلك، سبق و طلب أبي رؤيتي اليوم، لا أملك تفاصيل سبب طلبه، عادة لا يطلب مني بنفسه إغتيال أحدهم بل يأمر شخصًا آخر بإخباري، لربما هو يشعر بالوحدة مثلي و فقط سيكتفي بلعب الشطرنج أو إلقاء قصة أو فتح نقاش... و عند ذكر الاغتيال، فهو شيء نادر الحدوث، فقط حين تتسرب معلومات عن مشروع أبيها أو ما شابه، و هو ما حصل مع الرجل قبلًا، فقد أُمر من قبل أحدهم بتسريب المشروع، لذا الأصح أنها قامت بقتل سبع أو تسع أشخاص نزعت السماعات من أذنيها، ثم نهضت من سريرها بتثاقل، أخدت هاتفها و قامت بحفظ تلك الأغنية و إضافتها إلى قائمة أغانيها المفضلة، وكذا المغنية... مشت بخطوات بطيئة ناحية مكتبها، وضعت الهاتف جانبًا، أخدت دفترًا و قلمًا، و ذلك كان الثلت الثالت من اليوم، الكتابة... عادة تكتب قصصًا قصيرة جدًا، و أحيان أخرى مجرد أسطر عشوائية، و أخرى كلمات أغان، كما الآن.. الكتابة شيء محبب جدًا لها، فبالكتابة تجد نفسها تحيى، كانت تعيش بين أسطرها، تعي أن أفكارها تجسد من تكون، تعي أن صوتها لم يكن مسموعًا قط، لكنه قد يكون مقروءً يومًا... مع أنها لم تسمح لأحد من قبل برؤية خربشاتها... عادة تكتب عن الآخرين، و عن رأيها و أفكارها حولهم، عن كيف تبدو الحياة من منظورهم، عن تخميناتها حولهم، عن كيف تبدوا هي بمنظور كل شخص سبق و أن رأته، إبنة سبب تدمير عائلة بأكملها و سبب سلب سعادة أحدهم، أو وحش عديم الرحمة صودف و أن خرج من الجحيم... لكنها الآن ستكتب عن شيء و عن مشاعر كانت دائمًا ما تحاول تجنبها، فمن الأكيد أن نظرتها للحب سطحية و غير معمقة، ليس لأنها لا تفهم، بل لأنها خائفة من فهمه، خائفة من فكرة أنها قد تجد نفسها ترى الحياة من نفس الزاوية التي يراها منها والدها... والدها عاشق، عاشق أحب و منح حبه كل شيء، عاشق كلماته المبعثرة لم تكن كافية فنظمها قصدائد لمحبوبته... هي لا تكره العالم كما يكرهه أبوها، هي فضولية نحوه و لم تر منه شيءًا، و بشكل ما هي لا تريد رؤية كل شيء، هي تريد العيش... ليس كجثة تتنسف، الهواء ثقيل على رئتيها... تريد العيش فقط تلك الحياة التي لطالما قرأت عنها بالكتب و الروايات، ليس حياة الشخصيات الرئيسية الحافلة، بل فقط تريد أن تكون شخصية ثانوية في رواية أحدهم، متوارية عن الأنظار بحريتها، هي طير حبيس قفص، إنتقام أبيها... هي في رحلة بناء و سؤال الذات، و إن هنالك شيء إكتشفته عن نفسها فهي رغبتها في العيش، فقط كالآخرين، و أن تقول لأبيها أن بعض الطيور لم تخلق أبدًا لتعيش في أقفاص، فلو كانت تلك غاية الخالق، لَما خلقت بأجنحة و قوائم، بل خلقت لتحلق بكل حرية، السماء أرضها... بعد أزيد من ساعتين، وقفت و توجهت ناحية النافذة، فتحتها قليلًا، فلم يتسلل ضوء الشمس إلى الغرفة، حينها فقط فتحت النافذة على مصراعيها، نظرت للقمر، فتساءلت لما الجنيع ينسب المثالية له، لما تقععن في حبه ؟ عادت أدراجها ناحية مكتبها، حملت الاقلام و وضعتها في أحد الرفوف، أغلقت الدفر و وضعته جانبًا... نظرت ناحية هاتفها، ثم لكل أركان الغرفة قبل أن تنهض لترتدي ثيابها... ما إن انتهيت خرجت متجهة ناحية غرفة أبيها، وقفت أمام الغرفة، هذه المرة لم تسمع أي أغان كلاسيكية، بل كانت موسيقى الجاز، طرقت الباب، توقفت الموسيقى ككل مرة، ثم دخلت الغرفة... نظرت ناحية أبيها، الذي كان يرتب لوح الشطرنج، لذا من الجلي أنه لم يتم لمسه منذ البارحة، ثم ناحية الزهرة، وقفت هناك حتى إنتهى ثم رأته يجلس على الكرسي فكانت تلك إشارتها لتجلس في الكرسي المقابل... مد يده لقنينة الماء فنطق : - ماء ؟ نظرت نحو اللوح ثم نطقت: - لست عطشى، أبي.. نظر ناحينها بهدوء، ثم بخفة حرك إحدى البيادق قبل أن يقول: - آل نِيمسيس يحبون المفاجئات حسب ما أرى... رفعت نظرها له فقالت مستفسرة : - ما قصدك بذلك أبي ؟ صب لنفسه الماء، و بعد أن روى ريقه أردف: - نحن مدعوون إلى بيت آل نِيمسيس، البيت الذي يتنازع عنه الوارثون... بجملته الأخيرة، أكد والدها أنه لم يكن يومًا مهتمًا بصراع أخوته و أقاربه حول ذلك المنزل كونه رمزًا لجميع ملكيات العائلة، من أراض و شركات... و لعل ذلك هو السبب في كونه دائما يتحدث عنهم برسمية و ليس بضمير الجماعة، فهو لم يعد يعتبر نفسه فردًا من العائلة بالواقع و إنما حبر على ورق ولا يجتمع معهم إلا في مناسبات قليلة...، هو ليس متفرغًا لألعاب أخوته السخيفة إذ له ألعاب أضخم بكثير ليست للتسلية. قطع تفكيرها صوت ذلك العصفور داخل القفص فأعادت نظرها لوالدها الذي كان ينظر لها سلفًا فقالت: - و ما المناسبة ؟ أخد لحظة تكفير قبل أن يجيب، كما لو أنه غير مهتم لدرجة نسيان المناسبة بحذ ذاتها، فقال: - سيكون مجرد عشاء عائلي ودي يخرسون به وسائل الإعلام التي تعمقت في شؤون العائلة أكثر مما يجب، فبعد خيانة عمك لزوجته، شكل ذلك طبقًا دسمًا لهم، و بشكل من الأشكال بدأو ينهشون علاقاته مع أخوته.. - ماذا عنك أبي ؟ ألن يضر ذلك بإسمك ؟ - لا بأس، قطعت جميع علاقاتي بهم قبل زمن طويل إلا نادرًا، لذا فإن ذكر إسمي فسيكون عنوانًا مستقلًا... - و لما علينا الحضور ؟ - سيكون ذلك لأجلك أنت لا أنا، قبل أن ينسى الجميع أنك موجودة أصلًا... ثم فقط زمت شفتيها، فهذا هو آخر سبب يمكن لوالدها الحضور بسببه، يود إخفائها قدر المستطاع، فهي كانت دائمًا قيمة له و يجب ألا يكتسح إسمها المجلات لأي سبب كان... بعد دقيقتين نهض هو من مكانه بينما قال: - مات الشاه... ثم تحرك ناحية مكتبته بينما أعنيها تتبعه و شعور بالحزن إجتاحها، ليس ذلك الحزن الذي يرافقها كالظل بسبب وحدتها، بل حزنٌ نتج عن ذكريات دائمًا ما تحاول دفنها عكس والدها الذي يستحضر تلك الذكريات بصدر رحب مهلك، والدها يتنفس تلك الذكريات ، تلك الذكريات كالجمر، ترغب فقط بتدفئة نفسها قليلًا، لكن ينتهي بها المطاف بإحراق قلبها... و إلى ذلك، فإنت تلك الذكريات هي حطب نار الإنتقام، إنتقام أبيها، و عمود مشروعه الضخم، مشروع الكاميليا... بدأ يقلب بأعنيه وسط الكتب، لم يكن يبحث بأعنيه فقط، بل بقلبه، فقال بينما تكيرزه منصب على الرفوف: - (مِيدُوسَا)... - نعم، أبي. - أتذكرين أسطورة إله الأغاني ؟ - أجل، أبي... راقبته بترقب، بينما هو بقي صامتًا، حينها أدركت أنه يوظ سماعها منها هي، نظرت للأسف قليلًا قبل أن تردف: - كان إبن أحد الآلهة، ألحانه كانت دائمًا في غاية الإبهاج، و الجميع أحب عزفه النابض بالحياة، الجميع يطرب بألحانه.. توقفت ما إن سحب والدها أحد الكتب من الرفوف، ثم تابع البحث و كذا تابعت هي الكلام: - كانت له عشيقة، و إن كان عزفه مصدر سعادة الآخرين، فهي كانت مصدر سعادته الدافئ و الوحيد، و ذات يوم دون سابق إنذار سُحبت روحها للعالم السفلي، ماتت...، حزن على موتها حزنًا لم يُر له مثيل قط، أحس بالفراغ، و الحزن يقطع نياط قلبه، و على عكس عزفه القديم المبهج، فقد أصبح عزفه كئيبًا و حزينًا كأنه يعزف على أوتار قلبه...، أحزن عزفه الجميع، أثقل قلوبهم، فعمت الكآبة الأرض.. حين وصل صوت عزفه لأعالي السماوات عند الآلهة الكبار، شعروا بالأسى و الحزن لأجله، فأخدوا صوته و أرسلوه كذلك لآلهة العالم السفلي، و لقاء تعطافهم معه، قرروا منحه فرصة... كان الإتفاق كالآتي، سينزل إلى العالم السفلي ليبحث عن معشوقته، يمسك بروحها و يسحبها معه إلى عالم الأحياء، شريطة ألا ينظر لها طيلة الطريق... و بالفعل نزل إلى العالم السفلي، عالم الخراب، عثر على روحها و أخد بيدها، و حينها فقط بدأ الجزء الأصعب، كان عليه أن يكبت إشتياقه لها، بدأ يشق طريقه عائدًا إلى عالم الأحياء و الخوف من النظر خلفه ينهشه، فبقي على هذه الحال إلى أن لمحوا مدخل الخروج، فبدأت أشعة ضوء عالم الأحياء تتلأل في الأفق، و طيلة الطريق كان يطلب منها أن تصدر صوتًا بين الفينة و الأخرى، فقط ليتأكد أنها بخير، ففي قرارة نفسه لم يثق بآلة العالم السفلي و داخله شك رغم أن معشوقته تمسك بيده و بقوة، لكن لسبب ما لم يعد يسمع أي صوت، خال أنها ربما فقط مشغولة بالتفكير بشيء ما، لكن صمتها كان أطول من اللازم، لكنها أفلتت يده... حينها إرتكب خطأ فادحًا أفقده إياها للأبد، نال منه القلق و الشك فإستدار خلفه، دون أي تأخير أطلت خلفها شياطين سحبتها بعيدًا عنه، عائدة بها لأرض العالم السفلي... و كان آخر ما لمح في عينيها كان التوعد بحبه حتى و هي في أرض العالم السفلي، هي لم تكن لتلومه على خطأه الفادح، و أحبت فكرة أنه لم ينسها حتى بعد موتها، فإكتفت بالإبتسام بإشراق بينما تسحب هي ناحية السواد... بعد أن إنتهت راقبت والدها يعثر ما كان يبحث عنه، هل سألها عن الأسطورة فقط لتطرب أذنيه بينما يبحث؟ عاد و جلس أمامها، أخد أول كتاب و وضعه أمامه، أما الثاني فأمامها، كأنهم بصدد إلتهام وليمة دسمة... - أنت كل شيء أملكه، (مِيدُوسَا) نظرت للكتاب أمامها دون أن تعلق خشية أن ترد عليه "بل أنا كل شيء يذكرك بما مَلكتَ " - أحبك، صغيرتي. " أنت واقع بحب ذكريات من أذكرك به و ليس بحبي أنا، أنا دميتك المطيعة " عادة هي لا تقرأ من الكتب الموجودة داخل غرفة أبيها، و بصراحة هي تكره ذلك، لكن رهان لعب الشطرنج مع أبيها له شروط ثابثة، إن فازت عادت لغرفتها مباشرة تتأمل سوادها الجميل، و إن فاز هو ستأقرأ من تلك الكتب... لذا فقد علت ملامحه إبتسامة خافتة متبعة قبل أن يفتح الكتاب يستنشق كلماته التي حفظها و التي أحبها، أما هي فقد ظلت تحدق به مطولًا، بعنوانه و غلافه، أميرة البجع، تحاول التهرب من رؤية إسم الكاتب قدر المستطاع ... فتحت الكتاب فأول ما حطت عينيها عليه كان التقديم و الإهداء، تخطهما، و حينها فقط بدأت القراءة، تحاول ألا تتفاعل مع الاحداث، لا تود الإنغماس بها، و ترفض أن تصلها أي عواطف و أفكار من الكاتب... لكن مع الوقت ككل مرة رقت ملامحها قليلًا و هي منغمسة كليًا، بينما داخلها يفيض بمشاعر متضاربة و مختلفة.. بعد أزيد ثلات ساعات إنتهت من قراءتها، فكتابها لم يكن بصفحات كثيرة عكس والدها، الذي من الواضح أنه سيسهر طيلة الليل لإكماله... وضعت الكتاب فوق الطاولة و نهضت، لكن قبل ذلك هتفت : - طابت ليلتك، أبي... ذهبت مباشرة نحو غرفتها و رمت جسدها بإهمال كأنها تمارس القفز الحر، نظرت لشاشة هاتفها لتجدها الحادية عشر و نصف ليلًا... وقتها المفضل، حملت الهاتف و سماعاتها، ثم اتجهت ناحية النافدة، فتحتها ثم صعدت و جلست...، أخدت الهاتف و بخفة اتجهت ناحية القسم الثاني من قوائم تشغيلها، و الذي كان يضم مقاطع صوتية لأصوات مختلفة، أما صوت المطر، أو الرياح الخفيفة، أو حتى صوت الجراد بالليل، لكن المفضل لها كان صوت تفاعل الحقول مع الريح، ذلك يخلق في ذهنها مشهدًا خلابًا جدًا وضعته داخل قائمة رغباتها منذ زمن، و إلى ذلك، عادة لا تسمعه إلا حين تكون منزعجة من حدث ما، و هو شيء نادر، و أحيان فقط لأنها تبتغي إعادة تصوير ذلك الحلم الجميل داخل مخيلنها... أحداث اليوم كانت كباقي الايام، الشيء الأمر الوحيد الذي لا ينتمي لدوامة حياتها الصامتة إلا نادرً، كان فوز أبيها و بالتالي قراءتها من كتب مكتبته الخاصة... منذ نعومة اضافرها كانت تذكر نفس لوح الشطرنج، بعد سن معين، و كانت تهزم على يد والدها بإستمرار، لكنه لم يفرض قاعدة قراءة كتب مكتبته إلا مؤخرًا، فهو لا يود لشرارة الانتقاد داخلها بأن تخمد... بقيت هناك لقرابة النصف الساعة فقط تتأمل الأفق، كون نافدتها تطل على الجانب غير المألهول من الحي، أضواء أقل، فقط أشجار و أشجار و أحيانًا أصوات بعض الحيوانات كالبوم... نزلت بعد قرابة العشرين دقيقة، وضعت هاتفها في الشحن ككل مرة...، أجل، لا تعر الأمر أي اهتمام حتى لو انفجر في وجهها ذات يوم و حولها لرماد.. رتبت سريرها، ثم ألقت بنفسها، و ماهي إلا دقيقة، إثنتان، ثلات، أربع...و ها هي قد غطت في نوم عميق، لا تعلم أهو شيء إيجابي أن كانت تنام مباشرة، بينما هنالك من يلمزه وقت طويل فقط ليتعب نفسه و وقت أطول ليستمسلم النوم ساحبًا أياه إلى عالمه المظلم.. استيقظت صباح اليوم التالي ككل صباح، نظرت غرفتي لأرى أنها لا تزال على حالها ككل مرة، لمحت هاتفي في الشاحن، فقمت لفصله بعد أن بقي طيلة الليل هناك و مرة أخرى لا أحد في هذا المنزل سيتشغرب أو يندهش حين تنفجر غرفتي ذات يوم... جلست فوق كرسي مكتبي الصغير، و بقيت أحدق في أشياء عشوائية إلى أن طار النوم من عيني كليًا... بعدها اتجهت نحو سريري و قم بترتيبه، ثم توقفت لحظة إدراك أنه مر أزيد من أسبوعين على آخر مرة نضفت بها الغرفة... لا أحب أن يدخل أحد غرفتي بشكل عام، لذا فحتى عمال البيت لا اسمح لهم بالتنظيف حتى، و احرص على تنظيفه بنفسي... لذا وضعت الهاتف جانبًا و نزلت للطابق الأول لجلب أدوات النظافة... بعد ساعة تقريبًا كنت قد إنتهيت، رتبت ملابسي و وضعتها في سلة الغسيل، و كذا كتبي الخاصة و دفاتري و كل معداتي، ثم قمت بمسح الأثاث و نفض المفروشات... اتجهت ناحية الحمام و خرجت بعد نصف ساعة، حين أكون في المدرسة استغربت حين اسمع فتيات يقلن أنهن منزعجات حين لا يكفي الوقت للإستحمام فيكتفين بساعة أو ما شابه، و هذا أمر محير بالنسبة لي، و جديًا أشعر احيانًا بالقليل من الفضول ناحية ما يأخد كل هذا الوقت... خرجت من الغرفة، حملت سلة الغسيل، و حال وصولي الطابق الأول وضعتها أمام الدرج، و كالعادة سيأتي أحدهم و يأخدها، ثم حين يتم غسلها سأجدها هناك... بعد وجبة الإفطار في المائدة وحدي، قضيت جل اليوم ككل يوم، الجلوس في الحديقة الخلفية و أتجول فيها، و بالتجول أقصد أني أبقى لمدة ساعة أطوفها بينما أفكر في أفكار اخجل من البوح بها... عند السادسة إنتشلتي صوت الطرق في باب من كتابتي، فتحته فلم أجد احدًا امامه، لكن بالمقابل بدى أنه والدي، فقد لمحته يدخل غرفته حين أطليت.. فعلمت أنه وقت عشاء عائلة آل نِيمسيس قد حان... في المناسبات التي أحضرها مع أبي يحتني دومًا على التأنق بأبهى شكل، ليس الأمر و كأني لا أحب الاعتناء بنفسي أو اهمل نفسي، لكني فقط أرى أنه يبالغ، دومًا يرى فيَ تلك المرأة التي أسرت قلبه ذات يوم، أمي... أمي...، أمي كانت أنثى يحلم بها كل رجل، و كانت خير أم يحلم بها كل يتيم... لذا فقد تركت الباب مفتوحًا إلى أن دخل ابي الغرفة فأغلقه خلفه، كان يرتدي بذلة بلون أزرق داكن، مع حذاء جد لامع، أبي كان ينتمي بحق إلى الطبقة المخملية بكل ما تعنيه الكلمة، أسلوب حديثه اللبق، و مشيته و طريقة نقاشه، و عطره المميز، عطر الكاميليا... لم يهدر وقتًا، بل إتجه ناحية دولابي و أخد يبحث عن شيء أرتديه، لذا كان يخرج احد الفساتين، يقلب نظراته بينه و بيني، و بعد عشر دقائق، أجل عشر دقائق...، تبث أبي على فستان أسود طويل مع أشرطة بيضاء تنزل من الكتفين، و هو من نفس التصميم الذي إرتدته أمي يومًا... ثم حينها غادر الغرف، تاركًا أمر مساحيق التجميل لي، و هي شيء أحبه جدًا، مساحيق التجميل هي ثاني قاسم مشترك بيني و بين أمي، حين كنت صغيرة، لم أكن أفارقها كثيرًا، و حتى مع عمر صغير إلا أني كنت دائمًا ألاحظ إهتمامها و هذا الجانب منها، و هذا القاسم هو الوحيد الذي لا أجرؤ على قطعه أو حذفه من حياتي... حالما انتهيت اتجهت اسفلًا فوجدت أبي أمام السيارة يتفحصني من رأسي لأغمص قدمي قائلًا: - صغيرتي كَبِرت، صرت تشبهينها أكثر... - شكرا أبي... حينها خرج السائق و فتح الباب، و كان نفسه الشاب الذي أقلني تلك المرة، و على عكس أسلوب حديثه معه