طَفل في الثامنة من عمره يتناول وجبة الإفطار إستعدادًا للذهاب للمدرسة... عقد صفقة مع والدته مفادها أنها ستشتري له الحلوى المفضلة لديه إن حاز على علامات مُرضِية. بينما هي كانت منشغلة بِتجهيز نفسها للعمل، إذ نطقت لإبنها: - (جون)، إيقظ والدك، و إلا حصل كما حصل مع رب عمله السابق. هز الطفل رأسه إِيجابًا بينما حمل كأس الحليب و نهض قاصِدًا غرفة والديه، بينما تمتمت الأم: - لا أصدق أنه في ضرف شهر واحد طرد من عملين ! ... وقف الطفل أمام غرفة أبيه ثم فتح بابها فلم يكلف نفسه عناء النظر، نطق بينما أعينه مُصوبة نحو كأسه: - أبي، أمي طلبت منـ... لكنه توقف بصدمة و هو يرى إصبَعًا سقط في كأسه، و الذي تبعه صراخ أبيه بحدة و تألم، هرول أبوه ناحية الباب بينما أحدهم رمى سِكِينًا ناحية ظهره، فتأوه مرة أخرى، الطفل بقي مكانه من هول ما رأى و من هول ما سمع، فالغرفة بها عوازل صوتية، و لو لم يفتح بابها لما سمع شيءًا...! إنتشله والده من صخب أفكاره و تساؤلاته، و حمله و ركض بأقصى سرعته ناحية إحدى غرف الطابق الأول... إلتقى زوجته في حالة هلع و توجس بينما تصعد الدرج، لكنه سحبها معه بسرعة، هو كان وغدًا يدين بأموال طائلة لإحدى المنظمات الإجرامية، لكن همه الآن لم يكن حياته هو، فقد عاشها و أتلفها و يعلم أن نهايته وشيكة، لكن زوجته و طفله بريئان من كل هذا... لذا فقد فتح باب إحدى الغرف، و بهلع ألقى زوجته و طفله فيها، أغلق الباب بينما زوجته جن جنونها و هي تطلب منه تفسيرًا ما حدث و عن حاله المزرية، فقد كان مثل دمية قديمة بالية، جميع أطرافه بها جروح عميقة، مع طلق ناري في يده اليسرى... أقفل الباب بإحكام و ما إن إنتهى إبتلع المفتاح ثم نطق لزوجته بنبرة متأسفة : - أنا جد آسف (ماريا) ! ، آسف لأني لم أكن زوجًا صالحًا لك و لأني لم آخد حياتي الأسرية على محمل الجد... تسارعت نبضات قلبه كما لو أن قلبه على وشك كسر قفصه الصدري و هو يسمع أصوات خطوات تنزل الدرج ببطئ ففاضت عيناه ندمًا... إقترب الصوت أكثر فأكثر... فأكثر، فتوقف صاحب الصوت منتصف الدرج، ثم اقترب أكثر. قاوم الرجل إحساسه بالدوار بينما فتح أعينه بتركيز. ليظهر شخص قصير القامة يرتدي بذلة سوداء مع مساحيق التجميل، و التي تجعل من التعرف عليه شيءًا مستحيلًا، و نظرًا لمنحنيات جسد هذا الشخص، فلا بد أنه أنثى.. إقتربت أكثر حتى وصلت للمائدة أين كان الطفل يتناول وجبته قبل قليل، كانت تحمل في يدها سِكِينًا ملطَخًا بالدماء، فإنشلت من المائدة منديلًا و أخدت تنظف نصلها بهدوء و روية.. و حينها رفعت الفتاة رأسها ناحييته برهة، ثم نقلت بصرها ناحية الغرفة التي حبس بها زوجته و طفله، و صراخ الطفل علا أكثر مصحوبًا ببكاء الزوجة المكتوم و التي فهمت الوضع الذي هم فيه، و قد بدى من صوت الطفل المتقطع أنها كانت تحاول إسكاته. أعادت الفتاة نظرها نحو الرجل فنطقت أخيرًا : - أتحبهم ؟ رد الرجل بنبرة صارخة و قد رأى بصيص أمل نجاة عائلته : - أجل أجل ! ، ألم تري الطفل ؟ أنه صغير جدًا و لا خبرة له بالحياة و له الكثير ليتعلمه و يكتشفه، و إلى زوجتي ؟ ألم تري أنها كانت مستعدة لفعل أي شيء من أجلي و من أجل طفلنا ؟ صمت بعد أن باغتته بسكين صغير ناحية ساقه اليمنى فتأوه بتألم، بينما ردت هي بلامبالاة : - تقول تحبهم تقول ؟ إن كنت حقًا كذلك، فلِم وَرّطت نفسك و حشرت أنفك اللعين في أمور أضخم منك ؟ إقتربت منه بينما هو يتراجع إلى الخلف حتى إرتطم بالباب فأمسك المقبض بعجز. في محاولة أخيرة للنجاة بدأ يتوسل و يطلب المغفرة لكنه إبتلع ريقه حين سمعها تقول : - إخرس و لا تتحرك. وسط أنفاسه الثقيلة و أعينه الدامعة نظر لها بإستغراب حين رآها تدخل يدها في جَيْبها لتخرج هاتفها مع سمعات الأذن، وضعت كلتا طرفي السماعات في أذنيه بينما بدأت تقلب في هاتفها لبرهة و هي تقول : - هل تضن أن عائلتك كانت لتكون مستقرة و سعيدة كما في الحكايات الوردية لو أصفحت عنك ؟ نظر لعينيها يحاول إبصار المعنى فيهما و أخد يفكر هنيهة حتى نطق أخيرًا ببحة متعبة : - لا أعلم، لكني متأكد أني سأحاول صمتت لثوانٍ قبل أن ترد بسؤال آخر : - ماذا تكون بالنسبة لطفلك ؟ بدأ يأخد راحته في الكلام و قد أبصر بصيص أمل - كيف تشعر عندما يحضنك ؟ كيف يشعر هو ؟ لم يمتلك الوقت للإجابة إذ أمطرته بالأسئلة و في عينيها نظرة لم يستطع معرفة فحواها. نطقت بعد أن عثرت على ما كانت تبحث عنه في هاتفها، فقالت : - ستغلق فمك و لن تتحدث إلا إذا أذنت لك. حينها تراجعت للخلف تجلس حيث جلست قبلًا و أعينها الخاوية كانت مصوبة نحوه، و هو لم يكن له إلا أن ينظر لها بإستغراب و ريبة، و كله حيرة مما يسمعه و ما غاية غريبة الأطوار هذه. نظرت له بترقب كأنها تحتاج إشارة ما، و بعد أزيد من دقيقتين أدمعت عيناه و هو ينزع المساعات من أذنيه و يضرب هاتفها عرض الحائط، مرر نظره للجهة المقابلة و أول شيء وقعت عليه يداه راح يرميه ناحيتها بينما يصرخ : - أنتِ وحش ! أنتِ آلة قتل مُجردة من الإنسانية ! بينما ملامحها كانت ثابتة لا تكشف عما يدور برأسها، و أخيرًا إستلت نصلها و بسرعة مهوولة حَطّ على رقبته، حينها فقط شعر بالبرودة تجتاح كل خلية من جسده، و عقله صار حَبِيس فكرة واحدة، لما كان يقاوم ؟ بنفس الملامح الخاوية ركّلت الباب حتى فُتح لتكشف عن زوجته و طفله المرتعدين. و ما إن رأت الزوجة النصل عند رقبة زوجها وضعت يديها فوق عيني الطفل في محاولة يائسة لحجب هول ما سيحصل، نظرت لزوجها و الدموع تنهال من عينيها، لكن نظراته كانت فارغة، حاولت أن تبصر إحساسًا قد يتسرب من عينيه اللاتي لطالما رأت فيهما إما الحب أو الغضب... و في لمح البصر مررت بالنصل الحاد ليُبثر عنقه عن رقبته و زوجته تصرخ بكل ما لها من قوة، تضغط بشدة على عيني الطفل...