الفصل الثاني: مِيدوسا

الفصل الثاني: مِيدوسا

14 0

    نظرت للطفل و أمه بنظرات خاوية... الألم و القهر الشديدين في عيني الأم و اللاتي بهما سؤال باكي واحد؛ لما فَعلت ذلك ؟ لما أمام طفل لم يبلغ الثامنة ؟ إلى أي درجة أنت متوحشة ؟      ألقت برأس الرجل المقطوع من يديها و دفعت الجثة بعيدًا ثم إقتربت أكثر من الزوجة فهمست في أذنها بنبرة هادئة كأنها لم تزهق روح أحدهم قبل ثوانٍ: - آسفة، في العادة أنا لست قاسية هكذا، لكن زوجك إمتلك شيءًا لا أمتلكه...      ثم تراجعت للخلف قليلًة قبل أن تردف: - و أيضًا، لو أُرسل أحد غيري لكان مات بشكل أكثر وحشية.    نظرت للجثة و أضافت: - بالمناسبة، لن أمانع أخد هذه الجثة و دفنها مكانَكِ إن كنتِ غير قادرة على ذلك.    فرقت الزوجة فاهَهَا بصدمة لا تدري بما عليها الرد         بينما عادت الفتاة للرواق و حلمت سماعاتها و هاتفها قبل أن تصعد إلى الطابق الثاني، و تحديدًا إلى الغرفة التي دخلت منها؛ غرفة الزوجين          نظرت للنافدة المكسورة التي دخلت منها و قبل أن تقفز لمحت شيءًا، صورة فوق أحد الرفوف، صورة للزوج و زوجه و طفله، صورة عائلية سعيدة...        لذا لم تتردد في إدخال يدها لجيبها لتخرج سكينا صغِيرً آخر قذفته بسرعة ناحية الصورة لتتحطم لأشلاء، نظرت أسفل النافدة ثم ألقت نفسها أمام أحد السطوح و أعادت الكرة مرات حتى وصلت إلى أحد الأزقة، ألقت بنفسها على مضض ناحية شرفة منزل أحدهم، ثم ناحية الأرض...       تحركت بخطى ثابتة، الزقاق كان ضيقًا لذا فإن سيارة سوداء كانت تقف أمامه و التي تغطيه، ما إن إقتربت حتى فتح لها باب السيارة لتصعد بينما تتفقد أدواتها في حال إن نسيت شيءًا، تحب نصالها و سكاكينها و قد تمت حدادهتم من أجلها هي خصيصًا...       حينها فقط رمت نظرة سريعة بلامبالاة إلى من بالسيارة، فكان شابًا ببذلة سوداء و الوشوم تُزخرف رقبته بالكامل، و أعين سوداء بشعر أسود قصير...       شَغّل الشاب محرك السيارة و قبل أن ينطلق نطق لها مستفسرًا: - كيف كان الأمر ؟ ردت عليه كأنهما يتحدثان عن إجتياز إمتحان ثانوية ما و ليس قتل أحدهم : - كالمعتادة، الكثير من النحيب و التوسل و الدراما...   نظر لها قليلًا ثم حرك السيارة عائدين إلى من حيث أتوا..      أخدت منشفة و بدأت تسمح وجهها به بإهمال و لامبالاة فنطق هو ساخرًا : - هل يمكنك التصرف كأنثى مرة واحدة على الأقل ؟ لا توجد أنثى على الارض تزيل مساحيق التجميل بإهمال هكذا..     أبعدت عينيها عن المنشفة و نظرت له بهدوء ثم عادت تبحث عن شيء في جيبها، تلك طريقتها في القول أنها ستبتلع الاهانة هذه المرة، لكن ليس المرة المقبلة...        هتفت له أخيرًا بعدا عثرت على ما كانت تحبث عنه : - أحضرت لك شيءًا أظن أنه سينال إعجابك.    فتح هو قبضته و أخد ما كان بيدها ليلقي به سريعًا خارج النافدة بعد أن لمح أنه أحد أصابع الجثة، منحته إصبعًا كهدية....     نظرت للنافدة خارجًا قبل أن تقول: - رويدك ! اأتظن نفسك ألقيت منديلًا ؟ لقد ألقيت بإصبع أحدهم من النافدة !    صمتت لبرهة ترى مقدار إنزعاجه قبل أن تكمل: -  ثم، لهذا لم تكن يومًا أكثر من سائق بائس..                بعد أزيد من نصف ساعة وصلا أخيرًا إلى وجهتم، و التي كانت منزلًا عتيقًا ضخمًا، يقع في حي ملأته السيارات الفخمات و المنازل التي تصدح بثراء أصحابها. حينها نزل الشاب و فتح الباب للفتاة للنزول... سارا بخطى ثابتة إلى أن رنوا جرسه و بعد مدة قصيرة فتحت لهما إمراة في مقتبل العمر الباب بهدوء تحني رأسها...     دخلت الفتاة أولًا تم تبعها الشاب إلى أن وصلوا للبهو، و الذي كان يعج بالناس، يتبادلون الأحاديث بلباقة، يحسبون ألف حساب قبل نطق أي كلمة.      وقفت الفتاة عند المدخل و بقيت تحدق بالسياسيين أمامها بينما أتى الشاب الذي كان يقود السيارة قبلًا و سحبها سريعًا.. ثم نطق ساخرًا: - لا أحد يحب رؤيتك بشكل عام، فكيف و أنت ملطخة بالدماء ؟     بينما هي إكتفت بالصمت، سارا بخطى واثقة نحو الطابق الثاني، ثم الثالت، فتوقف الشاب و عاد أدراجه إذ أنه لا أحد مسموح له بوضع قدم واحدة في ذلك الطابق...    توجت الفتاة نحو إحدى الغرف... فتحت الباب، نظرت لإحدى النوافذ لتجدها مفتوحة و حينها فقط هرولت مقفلة إياها بينما كان الانزعاج باديًا عليها، هي فقط تكره نور الشمس في غرفتها. لا تحب إشعال النور، يلفح الظلام جسدها و حواسها و ذلك شعور محبب لها.      وضعت نصالها فوق الطاولة كأنها جواهر ثمينة، بينما رمت نفسها بإهمال فوق سريرها تنزع زيها الأسود بكسل ثم باشرت تتأمل السقف لثوان قبل أن تتوجه للإستحمام...      و لعل من الأشياء الأخرى التي كرهتها كان البرود و كل ماهو بارد، لذا فقد كانت تحرص على جعل الماء دافئًا قدر المستطاع.      بعد أن أنتهت غطت نفسها بالمنشفة ثم نظرت نحو المرآة و قد إتضحت ملامحها بعد أن أزالت بقايا مستحضرات التجميل...     نظرت لأعينها البنية فتمنتهما سوادً، ثم لشعرها الأسود سواد الفحم، ثم لبشرتها السمراء...     عادت لتستلقي على سريرها، أخدت الهاتف و وضعت سماعاتها ثم بدأت تبحث في قائمة أغانيها عن شيء يلائم حالها لتجد نفسها تستمع بكل تركيز لإحدى أغانيها الفضلة؛ أريد أن أعيش    نظرت للسقف بشرود بينما كلمات الأغنية تتردد في أذينها و وعيها يتذبذب في أحلام اليقظة " أستيقظ لأجد نفسي داخل مستشفى ما... شديد البياض و النقاء... أنادي بعجز، لكن لا أسمع شيءًا سوى صوت صدايَ البئيس... يدي كانت ملطخة بالدماء بينما كنت أنت هناك تهرب مني ؟ لكنك كنت تتعثر و تسقطع مرارًا و الهلع بادي عليك أمد إليك يدي لكنك لا تبتغي الأخد بها أعطيتك أحد نصالي و صرخت  " أنا أود الموت، أود الموت، و عندما تتحرر روحي أرجوك أعثر علي ! عندها أريد أن أكون صديقتك، فقط صديقين ! ان الاعين الحمراء تلاحقني.. "أريد العيش، أود العيش، لا تأخد نصالي، أود العيش عميقًا بداخلي أين كنت ذات يوم...".."     عند هذا المقطع، تجد نفسها تتساءل؛ كيف تبدو الصداقة فعلًا إن كان المرء مستعدًا لمنح حياته فداءً ؟ أهذا صحيح بالمقام الأول؟ ألا تبالغ كاتبة هاته الكلمات قليلًا ؟ ثم هي لا تريد تلك الصداقة، هي دائما تحب نصالها لسبب معين، لا أحد يستعملها غيرها، نصالحها لها حد واحد، بينما الصداقة لها حدين على حد علمها، لذا حقًا لا تمانع فقط البقاء داخل قوقعتها...، و على حين غرة أخدها شقيق الموت، لعل النوم أدفأ من واقعها البارد هذا...    فتحت أعينها البنية بعد ما يعادل الساعة و نصف، نظرت لساعة هاتفها لتجدها الواحدة ظهرًا، و على حد علمها، فإن أيًا كانت تلك المناسبة في المنزل، فلابد أنها أنتهت الآن.      نهضت بتثاقل، ثم توجهت للأسفل و كما خمّنت تمامًا، كانت تلك المناسبة قد إنتهت فعلًا.    عادت للطابق الثالت ثم توجهت لإحدى الغرف في آخر الرواق، توقفت لحظة أمام بابها، إقتربت تسترق السمع إلى أن إلتطقت أذنيها صوت الموسيقى الكلاسيكية، حينها طرقت الباب، حينها توقف صوت الموسيقى و الذي إعتبرته إشارة سماح لها بالدخول...      كانت الغرفة أقرب لمكتبة، جميع جوانبها الثلات بها رفوف كتب ما عدى الركن الرابع الذي به سرير، فوُجدت طاولة صغيرة بالمنتصف فوقها مزهرية بها نفس الزهرة، نفس النوع تراه دائمًا؛ زهرة زنبق العنكبوت الأحمر، مع قفص صغير به طائر، ثم كان هنالك لوح شطرنج، نظرت للجانب الآخر لترى رجلًا في الستينيات من عمره، يضع نظارات كلاسيكية، الشيب نال من خصلات شعره البُنيات، يحمل في يديه منديلًا بينما أعاد تشغيل الموسيقى.      كل شيء كالمعتاد، نفس الرجل ينظف كتبه بعناية بنفسه و قد  يأخده ذلك ساعات.     توجهت الفتاة نحو الطاولة و أخدت لنفسها كرسيًا تعيد ترتيب لوح الشطرنج، بينما الرجل نطق لها أخيرًا : -  بما يشعر ذلك الطائر بنظرك ؟      ردت بنبرة تابثة : - بالعجز. - و لما نبتاع أمثاله و نضعها في أقفاص داخل منزلنا - لا أعلم... - ببساطة لأنها تجلب السعادة، إن قلت هذا؛ فما السؤال الذي تبادر لذهنك ؟ - هل هو سعيد ؟ - بالضبط، هذا هو السؤال المناسب، بالطبع ليس سعيدًا، فأنا آخد سعادته منه لأجل سعادتي، لأن البقاء وحيدًا لم يعد يستهويني، لكنه مع ذلك ممتن، أتعملين كيف ؟ - لا، أبي. - لأنه يعلم أن طائرًا مثله لم يسبق له العيش خارجًا و إن غادر فتلك نهايته، لنقل أنه ليس متعودًا، فما قولك ؟ - صفقة عادلة، أبي.      حالما انتهت من ترتيب لوح الشطرنج جلس هو مقابلها قائلًا : - من بعدك.     حينها حركت بيدقها..     نظر لها ثم قال: - ما الفرق بيني و بين ذلك الأب الفاشل ؟        أدركت أنه يتحدث عن الرجل الذي أزهقت روحه صباحًا لترد: - لا أعلم، أبي.    نظر لها بصمت بينما يحرك بيدقه، لمح اللامبالاة التي إعتاد رؤيتها في عينيها، فقرر فقط ألا يكمل هذه المحادثة، فمن الواضح أنها ليست بمزاج لأخد الوعظ منه.     و بعد صمت طويل آخر نطق بينما عيناه شاردتان في الزهرة يداعبها : - أتودين سماع قصة ؟      رفعت نظرها إليه لتراه شاردًا في الزهرة، و إن لم يخنها حدسها فإنه عادة في هذه اللحظة يصبح شاعرًا أرملًا بئيسًا، هو لم يسمح لأحد قط برؤية بؤسه ذلك، أنه سر بين أب و إبنته. لذا هزت رأسها إيجابًا، ليأخد نفسًا عميقًا بتعب و يقول : - كان يا مكان، أرنب مغرور يحب التفاخر بسرعته، و بالفعل كان سريعًا و لم يسبق له أن خسر سباقًا قط، ذات يوم مر جانب من جانب السلحفاة فنطق ساخرًا : - لو لم أمعن النظر لحسبتك صخرة ! بالكاد ألمحك تتحركين     لم تتقبل السلحفاة إهانته و بنفس الوقت فكرت في جميع الحيوانات الأخرى التي سخر منها لذا قالت: - ما رأيك في خوض سباق ؟ إن سبقتني، أنا صخرة و استهزأ بنا كما تريد، لكن إن سبقتك أنا، فستترك حيوانات الغابة و شأنها و سترحل للبعيد.    ضحك الأرنب غير مصدق أنها للتو تحدته، لذا وافق سخرية ولم يأخد الأمر على محمل الجد، يوم السباق ما إن بدأ حتى إنطلق الأرنب بكل سرعته تاركًا إياها خلفه، و ما إن قطع نصف الطريق، إستلقى تحت شجرة، و إبتغى أخد قيلولة صغيرة بها يحتقر السلحفاة، لكن حواسه خانته فغط في نوم عميق، عندما استيقظ إنطلق مهرولًا بسرعة و ما إن إقتربت حتى وجد أنها خطوة واحدة لتقطع خط النهاية.     فازت السلحفاة و صدم الجميع بذلك إذ إن ما حدث ضرب من الجنون، إشتد غيظ الأرنب و زاد حقنه، فلم يكن يرضى من سلحفاة جعله يبدو كالمعتوه أمام كل حيوانات الغابة ليصير محط السخرية و الاستهزاء..     لذا فما إن حل المساء و عم الصمت جميع أركان الغابة، ما عدا منزل السلحفاة، فقد كانت أنواره مضاءة. كانت السلحفاة جالسة مع صغارها تخبرهم عن نصرها الساحق و تحضر لهم العشاء       فعلت أصوات ضحكاتها هي و صغارها، و بتلك اللحظة قُرع جرس المنزل فلم يسمعه أحد ما عدى سلحفاة صغيرة كانت تلعب جانب الباب، فتحته فوجدت الأنرب يقف أمام الباب، إبتسمت الصغيرة ببراءة بينما نطق الأرنب: - مرحبًا أيتها السلحفاة اللطيفة، أين والدتك ؟      أشارت السلحفاة الصغيرة للداخل لا تعلم أنها فتحت الباب لهلاكهم...      نظر الرجل للفتاة التي كانت تستمع بتمعن و وجهها نحو الارض، ثم أردف: - أتعلمين ماذا فعل ؟ ، لقد قتلهم جميعًا، و حينها فقط إبتسامة رضى إحتلت تغره، ثم جلس يأكل عشائهم و يتلذذ به، حتى القضمة الأخيرة...       نظرة شوق وحنين وجدت طريقها نحو عيني الرجل، ثم قال: - صغيرتي، (ميدوسا)...          رفعت نظرها إليه و قالت: - مات الشاه.       ثم نهضت تتجه ناحية الباب للرحيل، فتحته و قبل أن تخطو خارجًا همست بخفوت : - آسفة، أبي.          ليس لي من النجوم في السماء سواكم فأنيرو دربي، أني أدمنت نوركم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِردوس الجَحيم

المؤلف Cecilion Camellia
2025/06/19 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة