قبل ما يقارب اثني عشر سنة كان الأخوين جالسين بمطعم المدرسة الإبتدائية يتناولان غذاءهما ، ريك يتحدث بينما جيسيكا ساهية بزاوية المطعم حيث كان يجلس ولد بنظارات وحيدا، التفتت لريك فجأة : " لنلعب حكمت المحكمة " " حسنا لكني كنت.." أشارت بيدها مشيرة مرارا وتكرارا بينهما " حكمت المحكمة حضوريا على المتهم .." متوقفة على ريك، "..و من سيحكم عليه بالإعدام" لنفسها -" هذا غير عادل.." احتج ريك -" أنا سأمرك بشيء ما و أنت يجب أن تنفذه" -"لا داعي للشرح ، ماذا تريدين" مستسلما -" إذهب للزاوية هناك لعند ذلك الفتى و اطلب منه أن يأتي و يتناول غذاءه معنا" -"ماذا لماذا ؟، يبدو غريب أطوار، لما هو يجلس وحده ؟" -" لو رفضت ستخسر.." يذهب ريك لعنده على مضض بينما تراقب جيسيكا من بعيد، يكلم الفتى لكنه رفض و يعود إلى أخته، لتخبره حاملة طبقها : -"نحن سنذهب لعنده إذا" و تنهض -" غير معقول، انتظري والدتنا قالت أن نبقى معا" تقف أمام ديفيد : -" مرحبا، هل يمكنني الجلوس؟" ديفيد لا يقول شيء، فتجلس على أية حال، و ينضم لها ريك مرغما. في الوقت الحاضر كانت جيسيكا واقفة بالمرر خارج غرفتها و ذراعيها على دهاليز الدرج عالقة داخل رأسها تفكر بأمر يشغلها : البارحة شعرت بسعادة غامرة عند تبرئة ريك لدرجة معانقتها ديفيد ، هي حتما لا تزال تكن له مشاعر و قد ظهرت عندما رأت أنه يهتم..أحيانا ، لكنها تعلم أنه لا مجال للرجعة فقد قررت المضي قدما بحياتها، لذا يجب أن ترسم الخط بعلاقتها معه رغم أنها تجد صعوبة بالنسيان، ظنت أنها ستفعل بسرعة لكن لا، ماذا الآن ؟ ، ربما القيام بشيء لم تفعله من قبل هو ما ينقص : المواجهة !! سمعت فجأة صرير باب يفتح لتنظر تلقائيا خلفها لغرفة ديفيد بخوف لكن الباب لا يزال مغلق، تشعر بنوع من الراحة، لمس شيء ما رجلها فتنظر بهلع للأسفل و ترى هرة تحتك بها و تموء، نزلت إليها : -" مرحبا يا صغيرة "، حملتها ناظرة عن قرب : " يا لك من ظريفة " ثم احتضنتها. القطة ودودة، رأت لاصقة طبية موضوعة على أعلى جبهتها :"ماذا حدث لك يا مسكينة ؟" خرجت الآنسة لوسين ملاحظة إياها و نظرت باهتمام ، تابعت جيسيكا حمل القطة قبل أن ترى صندوق صغير معلق بطوق حول عنقها :" ما هذا ؟" تدخلت الآنسة على غفلة : " أين ذهبت يا شقية ؟" جيسيكا محرجة :" اوه آنسة لوسين..لم أكن.." حاولت إعطاءها القطة لتخبرها :" دعيها معكٍ إنها تحبك، هذا أمر نادر بهذا المكان" تدور عينيها باشمئزاز ، شعرت جيسيكا بالإطراء، دعتها الآنسة للدخول معها للشقة للإفطار، نظرت لباب ديفيد قبل أن توافق . دخلت جيسيكا للشقة و هي لا تزال تحمل القطة بيدها و التي صارت عدوانية فجأة لتتركها و تخرج مسرعة ، تعجبت من الديكور شعرت كأنها غادرت البناية : آثاث عصري و ورق جدران مزخرف مع لوحات تجريدية مختلفة الألوان، نمط راق جدا و بالطبع قطط بكل مكان: كأن المكان من عالم أحلامها، طلبت منها الآنسة الجلوس بعدما أحضرت الشاي مع بضع قطع كعك، سكبت كوبا لجيسيكا التي شكرها، قالت الآنسة: -" لا أفطر بالأسفل، أفضل وحدي بعالمي الجميل، تبا لقوانين بيكل" ، تومئ جيسيكا موافقة : -" حتما، لديك غرفة جميلة جدا " و بعد أن يشربا الشاي تخبرها الآنسة : -" حقيقة أحتاج معروف منكِ"، جيسيكا بتوتر : -" حقا..ماذا " -" أحتاجك للإعتناء بقططي ريثما أعود ، لا أثق بأحد لذلك.. سواك" -" ح..حسنا طبعا، فأنا أحب القطط " -"أعلم ذلك عزيزتي و أشكرك جدا سأذهب لأجهز نفسي للخروج " و تترك جيسيكا جالسة على الأريكة تحدق بالجدران بسعادة مداعبة قطة أخرى اقتربت منها و كانت دون طوق، تمنت لو كان العالم الخارجي مثل الشقة، لتتمنى فجأة شيء آخر: "يا ليت كان هناك المزيد من الكعك !!" تلاحظ إطار أسود كسر نسق الغرفة ل'شهادة علمية ما' ، "هذا غريب ؟" قالت لنفسها لكنها تجاهلته. على السرير استلقى ديفيد مفكرا : "على ما يبدو جيمس كان صادقا المفتاح مع السيدة غراندل، لكن كيف فعلت ذلك؟ جريمة كامل.. متقنة بالفعل دون دليل سوى شاهد واحد" بدا متضايقا من ذلك، ليكمل: "..و ما قصة كل تلك التناقضات كأن الجميع يكذب، كلهم يخفون شيء ما حتى السيدة بيكل، هذه فوضى عارمة، حتى التحقيق دون أي نفع، كل ما توصلت إليه لا صلة له بالجريمة ، هذه أسوء قضية على الإطلاق.. شارلوك هولمز كان ليحلها بكل الأحوال"، فكر بحسرة ".. و من الرجل بلا وجه يحاول الإيقاع بنا لسبب ما ، كما يوجد داهية مجهول بالنزل حل المكعب ببضع دقائق" بدأت انفعالاته بالظهور و بالكاد قادر على التحكم بها "ما حجم هذه الأحجية ؟ و هل الأمر لا يزال بشأن المفتاح حتى !!" قبل أن يصير مغمورا بأفكاره و غير قادر على رؤية أي شيء بوضوح، و لأول مرة يشعر بالهزيمة، لا يحب ذلك ليس بلعبته، فهو أفضل من أن يهزم كما يظن : " ربما فقط لست أهلا لحل جريمة حقيقية"، هو يؤمن لو لم يحل القضية سيحصل شيء سيء، إنها أحد صدمات ماضيه، كما يجب أن يفي بوعده لصديقيه، و يثبت أنه يعتمد عليه.. انتفض يصرخ ساخطا : " هذا لا يهم، المفتاح مع السيدة، القضية حلت !!" صمت فجأة غير مصدق لإنفعاله، فهو هادئ عادة، استطرد مسترجعا رزانته: "فقط لو استطعت إثبات ذلك فسنرحل من هنا و لا شيء يهم بعدها "، متذكرا : "لكن لا أستطيع الوشاية بها لأن بيننا اتفاق..أو ربما أشي بها بطريقة غير مباشرة..لكن ريك..فكيف إذن.."، خطرت له فكرة مفاجئة منقذة إياه من انفجار آخر: " إلا إذا حصلت على المفتاح و قدمته للشرطة كمجهول، حينها عن تبقى هناك جريمة !!" قال واهيا نهض من مكانه مبتهجا و فتح الباب قليلا ناظرا للممر: "يجب أن اقتحم غرفة غراندل إذن و أخذ المفتاح دون علمها"، سمع وقع أقدام و أغلق الباب تاركا شقا صغيرا ناظرا عبره ليرى السيدة غراندل و جودي نازلتان للأسفل للإفطار: " لما تركت الحساء هناك أمي، ذلك ضياع" -" ليس تبذيرا لو تناوله أحده" -"من سيأكله هناك ؟"، لا جواب و نزلتا الدرج، فكر ديفيد: " هذه فرصتي، لكنها حتما أقفلت الغرفة، الطريقة الوحيدة للدخول فقط عبر.." ناظرا لفتحة التهوية بسقف غرفته، عاد للنظر عبر الشق محاولا تحديد موقع غرفة غراندل بالنسبة له ثم أغلق الباب، أزال غطاء فتحة التهوية و قفز صاعدا لأعلى . نهض ريك أخيرا من النوم مجهزا نفسه للخروج متأنقا و هو بمزاج جيد يدندن، عدل ربطة عنقه عدة مرات أمام المرآة:" أنت لها ريكي !!" مشجعا نفسه . خرج للممر و دق على ديفيد لكن دون جواب: " مجددا !! هذا لا يبشر بالخير" ليفاجئه صوت :" ليس هناك ؟"، التفت ريك : " أجل على ما يبدو.." ، رأى جيسيكا واقفة بمدخل غرفة الآنسة لوسين، استفسر متقدما نحوها : " ماذا تفعلين هناك و هل ذلك.."، بدأ يعطس بشدة عندما اقتربت منه قطة محتكة به تموء كالسابق، ابتعد عنها رافعا رجله ليخيفها كرد فعل دفاعي أسرعت جيسيكا لحملها -" احذر !!لقد نسيت أن لديك حساسية من القطط "، -" كيف نسيتي .. و لما أنت تحملين واحدة" بالكاد يتكلم -" الآنسة لوسين كلفتني بأن أراقب قططها في غيابها و لسبب ما ترفض هذه القطة الدخول، أو حتى تناول طعامها، تبدو في حالة صدمة" " و أنا بحالة اختناق، أليس هناك شيء أفصل تفعلينه ؟" " لكني أحب القطط، إنها مخلوقات مثالية بعالم فوضوي و كما يجب أن ترى غرفتها كأني بأحد أحلام اليقظة خاصتي لكنها لست كذلك !!" "تمزحين، القطط كائنات منافقة تدعي اللطف فقط لتكسب شفقة الناس بينما تتكاسل طوال اليوم" " كيف تجرأ الآنسة كانت محقة، محبي القطط قليلون لهذا نحن مميزون : الأفضل بهذا العالم " " أيا يكن، لكنك لن تقتربي مني مجددا حتى تضعي القطة جانبا.. و لا تثقي بالآنسة كثيرا" منظفا أنفه " ماذا تقصد؟"،"لا أعرف، صفقة مشبوهة مع غراندل ربما" " حسنا لا تقلق، لكن إلى أين ذاهب سيد متأنق ؟!" ملاحظة مظهره، "لأفطر .. وحدي على ما يبدو، ثم لدي أمر مهم لفعله"معدلا ربطة عنقه و أخذ نظرة خاطفة للباب المجاور لشقة لوسين، جيسيكا مبتهجة بعدما عرفت الأمر " حصلت على موعد بالفعل !!"، حرك ريك رأسه متسائلا ، " جودي اللطيفة !!" صاحت، احمر وجهه خجلا رافعا يده ليضرب جيسيكا على ذراعها لكنه توقف بالمنتصف، " كنت ستضربني ؟!" " لن أفعل ذلك أبدا .. لأنك مغطاة بفرو القطط، سأذهب الآن " معدلا فتحة عنقه مرة أخرى "لا تقلق رطبة العنق مثالية أنت لها" ابتسم ريك تتابع :"إنها لطيفة لكن أحذر أن تفطر قلبك " قلقة فجأة " لا تقلقي .. ليست .."، لم يكمل لكن جيسيكا عرفت ما كان سيقوله لتتذكر شيئا و تطلب: " لما لا تحضر لي بعض الطعام.." لكن فات الآوان فقد كان قد نزل مسرعا بحماسة ، نظرت للقطة تأكل شيء موضوع أمام باب الغرفة المجاورة، اقتربت منها : "ماذا تأكلين، هذا غير جيد لك.." لتدرك أنه حساء خضار ،"لما هذا هنا، لا يزال جيدا على ما يبدو، لنأخذه للداخل إذا" حاملة الطبق بينما تتبعها القطة. سمعت فجأة صوتا غريبا بأنابيب التهوية: " هل سمعت ذلك، ماذا يمكن أن يكون، من يهم لأننا سندخل لجنة القطط، هلا نفعل"، و دلفت للداخل. بالأنابيب زحف ديفيد مستعينا بمخيلته الجغرافية ليرسم مساره نحو شقة السيدة مارا عبر ممرات عبارة عن متاهة من الفتح، نظر عبر أحدها محاولا إيجاد برهان على أنها غرفة السيدة غراندل، و كذلك الإطمئنان أن الجميع نزل للطابق السفلي، و فجأة لمح سترة جلدية كان يرتديها دان يوم وقوعه من على الدرج، حاول الإصغاء للأصوات في محاولة أخيرة منه للتأكد من أن الشقة فارغة، ليلحظ فجأة رزمة فراء بيضاء مندسة بالقرب من الفتحة، أمسكها لكنها ملتصقة بقوة ليشدها حتى انفكت و حملها واضعا إياها بجيب القميص و من ثم قفز للأسفل. تفقد محيطه الجديد بحذر قبل أن يبدأ بالبحث عن المفتاح، شم رائحة شيء ما مطهو ربما حساء ما، نظر على الأريكة بغرفة الجلوس، و بطاولة أمامها يلحظ مفتاح قديم لا غير، و بجواره صمغ قوي للفئران، و كتاب بعنوان : " قضية شبح الطاحونة القديمة " من تأليف ليندالين، بداخله وضعت بضع ورقات مكتوبة بخط اليد، جودي تحاول حل القضية قبل الكشف الكبير بالقصة . قرر الإقتراب من غرف النوم، لكنه سمع فجأة صوت تنفس أحدهم من أحدها ، فإذا بالخوف يمتلكه و شلت حركته، التفت بهدوء نحو مصدر الصوت الذي يبدو أنه لم يلحظ وجوده بعد، فإذا به يجد نفسه ينظر إلى دان و هو نائم على السرير ، تنهد ديفيد ارتياحا هامسا لنفسه : " دان نائم لأن كدماته لم تشفى بعد" فوقه رأى قناعا بعلاقة الملابس شبيه بذلك لدى قطاع الطرق المشبوهين, تابع تقدمه نحو غرفة نوم السيدة غراندل، دفع الباب و انسل للداخل، تفقد درجا بجانب السرير لكنه مغلق، ليتذكر المفتاح القديم، جربه ليفتح : " هذا ما أحبه !!" هامسا، بداخله وجد بضع أوراق طبية و فوقها ساعة يد متوقفة على الساعة 12:35 ، كما تحتوي على تاريخ أيضا 'الأربعاء 12 أغسطس' "الليلة السابقة للسرقة ؟" ، فكر ديفيد ثم ذهب لخزانة الملابس، لاحظ المعطف الذي أرتدته السيدة البارحة متفقدا الجيوب لكنها فارغة، فقط فراء قطط عليه، ليدرك :" يا لك من سخيف هي تضع المفتاح بفتحة عنقها، كل هذا دون فائدة، ماذا دهاني ؟!" خرج مجددا لممر حيث الفتحة التي جاء منها، فجأة سمع أصوات تقترب من الباب، بقفزة سريعة أمسك بطرف فتحة التهوية في السقف، ثم رفع نفسه بخفة ، و أخذ نفسا عندما أصبح في الأعلى ، في الأسفل كانت السيدة غراندل عائدة من الطابق السفلي رفقة ابنتها جودي، كانت تتبادل الحديث معها، قبل أن تصمت للحظة ثم أردفت قائلة :" أحدهم كان هنا، أشعر بهذا "، بدت الدهشة و الرعب مسيطرين على ملامح ديفيد بالأعلى، "ربما هو دان قد قام للحمام" علقت جودي، ردت والدتها: "هذا غير ممكن، فهو لا يمكنه النهوض الآن بسبب المنوم"، شعر ديفيد بالخطر فقرر العودة أدراجه بسرعة قبل أن يكشف أمره، خطى بضع خطوات بحذر لكنه تفاجئ من السيدة غراندل تصيح : "هشش، قف مكانك أعرف أنك هناك في أنابيب التهوية!!" إلتفت وراءه للنظر إلى الفتحة التي صعد منها متوقعا أنه سيرى السيدة لكن يبدو أنها لم تصعد بعد، لكن سرعان ما ظهرت يد عجوزة على حافة الفتحة و حينها عرف أنه وقت الهرب بأقصى سرعة، لكنه كان يعرف أيضا أنه لا وقت لديه حيث أن الممر أمامه لا زال طويلا حتى المنعطف حيث سيغيب عن النظر، فجأة سمع صوت مؤلوفا منبعثا من الفتحة التالية، إنها جيسيكا !! تقدم بسرعة نحوها بينما بدأ رأس السيدة بالبروز ، أزال الغطاء ثم قفز قبل ظهور السيدة غراندل بأجزاء من الثانية. نظرت السيدة غراندل للممر الفارغ أمامها قائلة لنفسها : " يبدو أنني أتخيل الأمور، ظننته أحد القطط تسللت لأنها تحب حسائي، هكذا حصلت السرقة كما تعلمين، سمعت أحدهم بالأنابيب تلك الليلة "، جودي صدمت من كلام أمها: "ماذا تقولين؟! هل أخبرت الشرطة بذلك"، و أخرجت كتيبا مدونة ذلك، تنهدت السيدة ثم أكملت : "لا يهم يبدو أن العمر بدء يأثر علي" ثم انزلت رأسها، أمسكتها جودي :" أمي هونا عليك يجب ألا تجهدي نفسك"، ثم تتابع :" سأذهب الآن كما أخبرتك "، تسألها : " إلي أين قلتِ.. حسنا فقط لا تتأخري"، لتخرج مسرعة حاملة الكتاب من على الطاولة . في الغرفة المجاورة كانت جيسيكا تحدق في شقة الآنسة بعيون مندهشة بعدما غادرت الأخيرة، وجدت المكان ساحرا مثل أحلام اليقظة خاصة بها :" أتمنى لو كنت أملك معدات رسمي"، تجلس على كرسي فخم بينما تداعب قطة اقتربت منها، نهضت و عدلت شعرها بمرآة ذات إطار ذهبي واضعة قبعة فاخرة، بجانبها تلحظ باب غريبا ذو فتحة زجاجية ، الغرفة مظلمة بالداخل، تجاهلت ذلك و تابعت جولتها بتعديل موقع مزهرية، لترى جهاز راديو موضوع تشغله و تسمع برنامج حواري ما عن تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية أو ما شابه، غيرت الإذاعة حتى تجد موسيقى و تتركه هناك بينما لا يزال مشغلا، تطل للخارج عبر النافذة لترى الجو الخريفي الكئيب المحيط بالمكان بينما يملأ السحب السماء ذلك جعلها تعبس ، و في قلب الحديقة لاحظت ريك ينتظر جودي معدلا ربطة عنقه للمرة المئة حينها ابتسمت بسعادة ثم عادت للداخل متفقدة اللوحات الفنية، لمست أحداها ذات ألوان براقة و أشكال لولابية و بارتفاع الموسيقى حفز ذلك أحلام اليقظة خاصتها، لتسرح بخيالها : تتخيلت أن الشقة لها ، و هي رسامة محترفة و كل اللوحات من صنع يدها ، تتخيلت أيضا أحدهم يدق الباب و يدخل : إنه ديفيد مرتديا بذلة رسمية قاتمة و قبعة متأنقا حاملا بيده حقيبة و كيس بلاستيكي ، جيسيكا تتحمس عند رأيته ، يحييها بخلع قبعته : - " مساء الخير سيدتي، و مساء الخير أيها المخلوق مشارك لي في هذا الوجود " للقطة النائمة بالباب -" مساء الخير ديفيد"، تقترب منه مزيلة أوراق خريفية من على كتفه يتقدم عبر الغرفة سائلا : -"ماذا حضرت لنا اليوم للغذاء ؟" -" الغذاء ؟!" متفاجئة كما لو تفوه بشيء عجيب -" لا أصدق أنك نسيتي مجددا، حقيقة أصدق لذلك أحضرت بيتزا " رافعا الكيس البلاستيكي بيده -" اوه جيد لأني أتضور جوعا، لم أحظى بإفطار لائق" -" ضعيها بأطباق و أنا سأدخل للغرفة المظلمة بسرعة" -" لا تنغمس هناك كثيرا و إلا لن أترك لك شيء" ابتسم لها و دخل بينما احضرت جيسيكا طبقين من المطبخ و فتحت العلبة تجد البيتزا قد عجنت على بعضها -"ديفيد لا أصدق أنك حملت العلبة أفقيا!!" يأتي ديفيد أخيرا و يجلس مقابلا لها ناظرا للعلبة : -" ماذا لدينا هنا، هذا ليس ما طلبته " تضحك جيسيكا : -" لا يهم ستصبح كذلك على أية حال، لنأكل" ديفيد بعد أن يأخذ أول قضمة: -" لذيذ للغاية، أحسنت صنعا سيدتي" -" اوه شكرا، أنا طاهية بارعة كما تعلم "، يضحكان معا -" لكن جديا يجب أن تتعلمي الطهو و ليس فقط الفن، الرسومات لا تؤكل " -" سأحاول ذلك، عندما تتوقف أنت أيضا عن دخول الغرفة المظلمة المرعبة و البقاء هناك لساعات.." -"لكن عملي يتطلب ذلك" -" حسنا سأحاول، لكن ألا ترى رسوماتي البديعة، أخشى أن أفقد ذلك عندما أفعل شيء آخر غيرها " -" إنها حتما بديعة لكنها تصبح براقة جدا أحيانا " -" هذا فقط لأنك تظل بالظلمة لوقت طويل" تحدق جيسيكا به بسعادة غامرة غير مصدقة ، يلحظ ديفيد ذلك: "ماذا هل شيء بوجهي" لكن جيسيكا تبتسم بصمت فقط، فجأة يسمعان أغنية قادمة من الراديو إنها: Time in a bottle جيسيكا تغمض عينيها و تحرك رأسها مع الإيقاع، ديفيد يقف فجأة: -" تريدين الرقص ؟" مادا يده ، فتنهض للرقص معا، يتبعان الإيقاع ببطء لمدة ناظرين لعيون بعضهما بحب متبادل قبل أن يتحدث ديفيد : -" لا يمكننا الإكمال هكذا كما تعلمين" -" أعرف، فقط حتى تنتهي الأغنية"، جيسيكا تنظر للأسفل بحزن و تكمل :" ثم سيكون علي المضي قدما و نسيانك"، تتابع مصارحة: " رغم أن الأمر ليس بتلك السهولة ، لأن هذا كل ما حلمت به و أعلم أنه سيبقى كذلك فقط، حلم لأن الواقع ليس مثاليا..و فوضوي بالغالب.. فأنت لست قطة" -" هذا صحيح أكد لك ذلك، لكن يبدو أنك وقعتي بحب فكرة عني و ليس أنا فعلا، فقط تكلمي معي و أخبريني بكل شيء حينها فقط يمكنك المضي قدما " -" أحيانا أشعر أن هناك أمل أن نكون معا، خصوصا بعد لحظات حيث يفهم كلانا الآخر و لكن ربما أسأت فهم تلك اللحظات و ذلك الأمل مجرد عائق لا أكثر، الخلاصة سأفتقدك ..أو فكرة أن أكون معك "، فجأة يسمعان صوتا قادما من الأنابيب التهوية : -" هل سمعت هذا ؟" جيسيكا لديفيد -" سأهتم بذلك !!" يتقدم نحو الفتحة حاملا مكنسة طويلة و جيسيكا خلفه : -" ماذا تظنه ؟" -" فأر على الأرجح" -" لو كان كذلك فهو فأر كبير، لا تخاف من الفئران ؟" -" ل.لا " مترددا ، ينظران لبعضهما بسخرية بينما تعلو الأصوات ليقع غطاء الفتحة ثم يسقط شخص ما: إنه ديفيد..الحقيقي!! في منتصف الغرفة كان ديفيد واقفا و هو لا يزال غير مصدق أنه نجى بفعلته، لكن الدهشة الحقيقية كانت تعلو وجه جيسيكا و هي لا زالت مصدومة مما حدث للتو، لقد ظهر ديفيد من حيث لا تدري : " كيف الحال جيسيكا ؟" خاطبها ديفيد بابتسامة مرهقة، نطقت بأول كلماتها : " ديفيد؟!!"، التفتت خلفها ثم بدا الغضب على وجهها : -" من أين أتيت، و ماذا يحدث بحق السماء"، حاول تهدئتها :" لا ترتعبي، كل شيء بخير، لقد كنت فقط.."لم يكمل -" ماذا؟"، أجابت بعصبية -" لا شيء لا يهم الآن، ماذا تفعلين أنت هنا و من كنت تكلمين ؟ "، تجاهلت السؤال المحرج غاضبة: -" بل يهم ، لقد ظهرت فجأة من فتحة سقف الآنسة لوسين، هي لن تكون سعيدة بذلك، و ماذا حصل لصراحتك فقدتها بعد يوم". -"لا داعي لهذا ..و لأن تخبريها ، مهلا لما أنت هنا مجددا " تنهدت جيسيكا بعدما تخلصت من كل دهشتها و غضبها أو رأت أنها لا تفيد معه ثم تابعت بهدوء :" لقد كلفتني الآنسة لوسين برعاية قططها في غيابها ، ماذا عنك ؟" -" لا شيء أبدا، كنت فقط أكتشف المكان، لا شيء منطقي بهذا المكان، فوضى عارمة !! " أخيرا بدا صريحا -" أعرف ما تعنيه ، الحياة عامة كذلك" -"أظنك محقة لكن ماذا إذا، كيف يمكننا أن ننجز أي شيء بهذه الفوضى" -"لا أدري بشأن إنجاز شيء ما لكن فقط لألا تجن كن صريح مع نفسك و من حولك.." حلت الصمت، جيسيكا سعيدة بهذه اللحظات من التواصل رغم أنها لا تدوم طويلا ، يقول ديفيد مطمئنا : -" محقة كالعادة ، و لا تقلقي حيال الآنسة لوسين لأني سأرحل بالحال.."، جيسيكا تبتسم، توقف ديفيد فجأة و علت الصدمة وجهه، تتحدث جيسيكا غير ملاحظة: -"جيد، لكن قبل أن تفعل سأخبرك بشيء..ماذا هناك ؟ " سألته جيسيكا بعدما رأت أنه متجمدا في مكانه كأنما رأى شبحا ثم بدأ بالالتفاف نحو الباب على يساره، إنه باب الغرفة المظلمة، نظر عبر الجزء الزجاجي فغزت الدهشة وجهه لما أراه داخلها ، لقد كانت مظلمة بالغالب، لكن ما استطاع أن يلمحه في أقصاها هالة صفراء ضبابية، اقترب أكثر لتبدأ الهالة بالإتضاح متخذة شكل مفتاح ذهبي موضوع على طاولة، همس ببطء :"المفتاح الأثرية!!" تقدم لفتح الباب لكن جيسيكا أمسكت بذراعه : -" لا يمكنك الدخول، لقد منعتني السيدة من ذلك، كما أنه يجب أن ترحل"، ليكلمها ديفيد بصوت متقطع : -" و لكن .. ما الذي تفعله هنا؟!" -" عما تتحدث ؟" -" المفتاح الأثرية المسروقة، إنها هناك " مشيرا للداخل -" هذا مستحيل لا يمكن للآنسة أن تسرق .." -" أعلم ، كان يفترض أن تكون مع غراندل" -" السيدة غراندل !!" صمتت فجأة قبل أن تتابع : -" هذا الصباح ريك تحدث عن اتفاق ما بينها و الآنسة " -" اتفاق ؟! ، هل يمكن أنها أعطتها المفتاح !!" صمت قبل أن يكمل بنبرة مفعمة بالمشاعر :" هذا ما أتحدث عنه، غير منطقي بتاتا، لكن لا يهم يجب تجاهل ذلك صحيح ؟" تقدم فاتحا الباب دون أن تمنعه جيسيكا هذه المرة التي ظلت بالعتبة تنظر لديفيد يتقدم عبر الظلمة دون تردد ، لحظت مفتاحا فقامت بتشغيل المصابيح فإذا بالغرفة تبدو كمختبر علمي مصغر، حيث كان هناك معدات إلكترونية بكل مكان طاولات مستطيلة الشكل ، ديكور مناقض لكل غرف الشقة الأخرى: تقدم ديفيد نحو أبعد طاولة حيث يتموضع المفتاح، لكن جيسيكا شدته مرة أخرى: -" ربما ليس هو، رجاء أخرج من هنا قبل أن تعود لوسين" صحيح أنه لم يرى المفتاح من قبل لكنه لمح صورة عندما كانت السيدة بيكل تريها للضابط. وقف أمام الطاولة حيث المفتاح، مد يده ليمسكها، لكنه تفاجئ من جيسيكا تقول : -" ديفيد أحدهم يحاول فتح باب الشقة، أعتقد أنها الآنسة لوسين، اختبئ " خرج من الغرفة الشبيهة بالمختبر ثم اتجه نحو خزانة و اختبئ وراءها، في تلك الأثناء كان الباب قد فتح: " جيسيكا "، قال صوت من جهة الباب، ردت: -" آنسة لوسين لقد عدت بسرعة" مصطنعة ابتسامة -" نعم لقد عدت لأجل غرض فقط، أعرف أن هذا كثير عليك يا عزيزتي لكني سأغيب مجددا ، ليس طويلا فقط سأعطي شيئا لأحدهم" -" لا بأس.." -" اوه شكرا لك" و تقدمت نحو باب الغرفة الشبيهة بالمختبر، و بعد بضع دقائق خرجت ثم قالت : -" لا تقلقي لن أتأخر" و غادرت الشقة بسرعة تنهدت جيسيكا، ثم نادت على ديفيد للخروج من مخبئه، اتجه نحوها ثم قال :" إن هذه المرآة متورطة أيضا، سأعود للداخل لأخذ المفتاح"، لكن جيسيكا ردت : " ديفيد رجاء غادر هذه فرصتك.. فلو أخذت المفتاح فستصبح السارق، و كيف ستبرر اقتحامك شقتها...هذا غير منطقي فقط ارحل" توقف عن الحركة لوهلة مفكرا ثم نظر لجيسيكا : "حسنا كنت غير عقلاني اليوم بكل تأكيد، لكن أخيرا بدأت الأمور تبدو منطقية لذا سأذهب الآن لأفكر بشيء ما" و خطى بسرعة نحو الباب الخارجي لتستوقفه القطة محتكة بقدمه ملاحظا الجبيرة أيضا ، تجاهلها ثم و دون أن يراه أحد دخل شقته بخفة جيسيكا شعرت بالارتياح لكن سرعان ما علا وجهها ملامح الحسرة لأنها لم تتمكن من مصارحته. فكر ديفيد بطريقة لكي يكشف أمر الآنسة لوسين، على ما يبدو أنه ليس عليه إيجاد المفتاح فهي ليست مع غراندل بعد الآن، و بالتالي لا خرق للاتفاق .. لكنه يحتاج للتأكد و فجأة خطرت له فكرة، حمل قلما وورقة و بدأ بالكتابة، بعد أن انتهى خرج للردهة و انتظر مغادرة السيدة بيكل للاستقبال و نزل لهناك ثم رمى الورقة بالداخل لتجدها و خرج ليقف بالمدخل ملاحظا ريك بالحديقة جالسا مع أحدهم، لوح له متقدما نحوه ، لكن عندما لاحظه ريك نهض مسرعا نحوه معيدا إياه للمدخل : -" ها أنت ذا، إلى أين تذهب؟" ناظرا خلفه بقلق لجودي -" أريد أن أكلمك " -" أود حقا أن نتكلم لساعات معا لكن الوقت غير مناسب.. لما لا تقوم بجولة بالغابة الجو جميل جدا اليوم خريفي بامتياز ، و أنت تبدو شاحبا قد يفيدك ذلك" غير سانح لديفيد بالكلام و فجأة بدأ يعطس بشدة متابعا : -" هل كنت مع جيسيكا ؟" -" فقط تحدثنا.." ليتذكر شيئا واضعا يده بجيب قميصه مخرجا رزمة الفراء نحو ريك الذي يجن من كثرة العطس مبتعدا :" هل تريد أن تقتلني!!" -" إنه فراء قطة !!" مستنسجا ، -" هل احتجتني لذلك ؟؟ " ريك خانقا -" ماذا بشأن اتفاق بين لوسين و غراندل ؟ تعلم أي شيء" -" فقط الآنسة أرسلت رسالة لغراندل تسألها 'هل بيننا اتفاق'؟ لا أعرف ما هو ، هل انتهينا هنا" سارع ديفيد للدخول فجأة -" من الجيد التحدث إليك لنفعل ذلك مجددا لكن دون فراء رجاءا " ريك من المدخل يبدو سعيدا برحيله عندما وصل ديفيد الاستقبال نظر للورقة ليجدها لا تزال هناك بالدرج اصطدم بجيمس نازلا ليطلب منه على عجل: -" جيمس أحتاجك، اتبعني " -" بماذا " كاعتراض، فكر ديفيد بشيء: -" لدي.. ملابس متسخة بغرفتي" ليلحق به على مضض ما إن أصبحا بداخل الغرفة حتى يخبره ديفيد: -" هل أخبرتني بكل شيء جيمس ؟ " -" ها نحن مجددا .." -" هذا خطأك لأنه كما يبدو لم تفعل لذا.." -" ماذا ستعتقلني، لقد كذبت علي لا تعمل مع الشرطة.. لما لم تُعتقل غراندل بعد ؟! أنت متورط الآن أيضا بإخفاء ذلك، إلى ماذا تسعى.. مهلا لا تخبرني" -" هذا ليس من شأنك، كان لدينا اتفاق: أخبرني كل شيء و تصبح خارج هذا، الشرطة ستأتي بعد قليل" نظر جيمس بشك قبل أن يتحدث مصدقا: -" شيء واحد إضافي، لقد تم تأخير البلاغ عن السرقة" -" ماذا كم من الوقت ؟" -" أربع و عشرين ساعة كاملة" -" ماذا تقصد؟" -" السرقة حصلت ليلة قبل قدومكم، لكن السيدة بيكل كذبت بشأن التاريخ، أمرتني مباشرة بعدم التكلم عن ذلك.." صدم ديفيد من كلامه :" غير معقول ؟!" "أنا رأيت غراندل في تلك الليلة.. و ماذا أيضا .." يفكر "كل الأجهزة الإلكترونية تعطلت قبل السرقة بقليل، هذا فقط على ما أظن" لتذكر ديفيد فجأة الساعة المتوقفة :" ما التوقيت بالضبط ؟" " تقريبا بعد ساعة من منتصف الليل أدركنا السرقة، السيدة ظلت صامتة باليوم الموالي و لهذا لم تعطيني المفتاح الليلة المقبلة و لسبب ما عندما قدمتم قررت إعلان السرقة أخيرا لكن كما لو أنها حصلت تلك الليلة" -" تحاول الإيقاع بنا !!" -" من يعلم ، هل أنتهينا هنا " -" أجل لا تقلق"، جيمس خارجا ليلتف : -" لو لم تأتي الشرطة سأتصل بهم أنا و أنت متورط" في الأسفل لمحت السيدة بيكل الورقة المكورة بالإستقبال، لا تتذكر وضعها هناك، حملتها و فتحتها فإذا بها تدهش من محتواها ، لقد كانت الورقة تحمل الكلمات التالية :" الآنسة لوسين هي السارق، تفقدي شقتها بغرفة المظلمة مريبة و ستجدين ما سرق" خرج جيمس بينما جلس ديفيد مصدوما على السرير، هذا جنوني، صارت الأمور أكثر تعقيدا، لا يبدو أن الأمر بشأن المفتاح فقط، لا يعرف من يلاحق ، ليدرك فجأة مخرجا كتيب به استجوابات النزلاء ظلت عيني السيدة بيكل مسمرة على الجملة المكتوبة بخط اليد على الورقة. ثم بدأت ذكريات ليست ببعيدة بالتدفق أمام عينيها، صحيح أن ما تدعيه الورقة مجرد إتهام فارغ بدون آدلة لكنها شعرت فجأة و بالاعتماد على حدسها فقط أن الورقة قد تكون على حق، حيث أنها لاحظت التصرفات الغريبة للآنسة لوسين منذ عملية السرقة، بدت مستعجلة على الدوام و لا تقدم ثرثراتها المعتادة حول كل المواضيع، كما أنها خرجت هذا الصباح و لم تكلم أحدا : "أمر مريب" لتخرج ذاهبة للمخزن مزيلة القماش عن لوحة معلقة بالحائط، إنها لوحة المتهمين مع صور للكل تقريبا مع أقوال منهم. تفقد كل من ديفيد و السيدة أقوال الآنسة، بدت منطقية و مشهود عليها، لكن بمعطى أن السرقة حدثت ليلة قبل ذلك.. ليدرك ديفيد :" السبب بالتناقض الكبير بين أقوال جيمس مع النزلاء أنهم كانوا يصفون الليلة بعد السرقة ظنا منهم أنها ليلة السرقة.." السيدة مكلمة نفسها:" و بما أن ذلك هو الحال فالوحيد الذي سيصف الليلة الفعلية سيكون السارق" ديفيد : " ..و لمعرفة من هو السارق يجب فقط أن أرى من أقواله مطابقة لجيمس لأنه سيصف ليلة قبل الآخرين و الوحيد الذي كانت أقواله مطابقة لجيمس هو.."، يتفحص المذكرة/ السيدة تتفقد اللوحة : "..الآنسة لوسين !!!" استنتج الإثنان، " يا لها من طريقة لكشف السارق !!" همست السيدة بيكل لنفسها، و قد زال الشك متأكدة تماما الآن، لم تتمالك نفسها فاتصلت بالشرطة ثم صعدت الدرج بنشاط كبير. أما ديفيد كاد يجن :" إذن الآنسة لم تأخذ المفتاح من السيدة فقط بل هي من سرقته في البداية و ربما ضاع منها و حينها أرادت استرداده باتفاق معها.." " السارق هي الآنسة لوسين.. و ليس غراندل !!" يبقى السؤال : كيف ؟!!، هي لم تكن موجودة بشهادة جيمس، تذكر فجأة :" كل ما وجدناه فراء قطط ؟؟"، ليسمع وقع أقدام صاخبة ناظرا عبر الشق.. إنها السيدة بيكل و قد تابعت الصعود بخطى متسارعة و لم تتوقف حتى حتى وصلت أمام باب الغرفة 20 ، سمع ديفيد فجأة صوت سيارة الشرطة لينظر عبر النافذة و قد كانت هناك، تقدم الضابط نحو داخل النزل السيدة تمهلت قليلا قبل أن تقرر طرق الباب، بعد ثوان سمعت خطى تتقدم نحوها و كانت الآنسة لوسين في انتظارها، بدت الدهشة على وجهها قبل أن تتحول إلى استغراب : " ما الذي يجعل جلالة الملكة بيكل تأتي لزيارتي ، إنه ليس نهاية الشهر على حسب علمي" أمسكت بيكل بطرف الباب دافعة إياه دون صبر : " ابتعدي عن طريقي، أنت متهمة بسرقة المفتاح الأثرية" تجمدت لوسين مكانها لسماعها كلمات السيدة و التي كانت قد تقدمت نحو الداخل حيث جيسيكا التي كانت تستعد للمغادرة، فتحت باب الغرفة المظلمة، نظرت للداخل عبر الظلمة لحيث أشرت الرسالة، أنارت المصابيح لكنها لم تجد شيئا، بحثت عبر كل الطاولات لكن دون جدوى، وصل رجال الشرطة الذين قاموا بتفتيش الشقة لكن لا شيء، لينسحبوا بالحال، وقفت السيدة غير مصدقة، " مفتاحك الغالية ليست هنا" لوسين بنبرة ساخرة و هي واقفة أمام الباب، شعرت بيكل بأنها ما كان يجب عليها أن تثق بحدسها و تلك الورقة اللعينة و تندفع، "ما مبررك لاتهامي بالسرقة دون دليل ؟" لوسين مجددا، التفتت إليها بيكل ثم قالت لها : " لكنك.. مجرد خطأ في التحقيقات، أقدم اعتذاري"، تقدمت نحو الباب مغادرة لكن لوسين أمسكت بذراعها قائلة :" لا أؤمن بالاعتذار "، تنهدت بيكل ثم أردفت : "سأخصم لك في الايجار حسنا"، تركت لوسين ذراعها بينما تقدمت نحو الباب مغادرة الشقة بانهزام . "من ؟!" تساءلت لوسين، هل هي جيسيكا ؟ لا مستحيل لقد كانت هنا طوال الوقت، حسنا لا يهم فهي قد تخلصت من المفتاح و انتهى الأمر، التفتت لجيسيكا التي كانت لا تزال هناك تستوعب ما حدث قائلة لها : "لم يأت أحد هنا صحيح"، لتجيب بالنفي . " جيد "، وضعت يدها في حقيبتها ثم أخرجت رزمة كبيرة من أوراق نقدية، عزلت ورقة واحدة، كانت جيسيكا مبهورة من كمية المال الذي تملكه، لقد كانت الحقيبة شبه فارغة هذا الصباح، ماذا حدث؟ تقدمت نحوها و مدتها لها -" خذي هذه كمكافأة على الاعتناء بقططي" -" ليس عليك ذلك " -" فقط خذيها"، أخذت الورقة النقدية شاكرة إياها، إنها من فئة 100 درهم، كثيرة قليلا، فكرت ثم رحلت بالحال في قاعة الاستقبال كانت السيدة بيكل لا تزال تستشيط غضبا من غباءها، لكن لحسن الحظ لم تكن خسارة كبيرة، و الضابط يكلمها بخطاب كتوبيخ لكنها لم تكن تستمع له ، يضع قبعته و يخرج أخرجت الورقة المجعدة من جيبها ثم أعادت قراءة المكتوب فيها. ما زال حدسها يقول لها هناك بعض الصحة فيما تقوله، كما طريقة الكشف مؤكدة، ربما لأنها لم تلحظ ذلك باكرا، ظنت العدو خارجي لكنه من الداخل تجاهلت الأمر لما سبب لها من إحراج مع عدوتها اللدودة، لكن ما يشغل بالها الآن من قد يكتب هذا، فكرت بنفسها عن وسيلة لكشفه، نظرت لدفتر النزلاء الذي كان أمامها و فجأة خطرت ببالها فكرة، فتحت الدفتر الذي هو عبارة عن جدول ممتد لعدة صفحات مكون من ثلاث خانات، اسم النزيل بخط يده و كانت هذه العادة مفيدة الآن، ربما لهذا لدى السيدة بيكل عدة قوانين غريبة في الظاهر لكنها لمصلحتها في الخفاء، في الخانة الثانية رقم الشقة و الثالثة توقيع النزيل. حملت الورقة بيدها و بدأت تطابق بين خط اليد الذي كتبها و الخط الذي كتب به اسم النزيل، ظلت عمليتها تلك لبضع ثوان قبل أن تتوقف ثانية في النزيل القاطن بالشقة 15، إنها مطابقة تماما، قرأت الإسم:" ديفيد غاليري" صمتت لثوان قبل أن تهمس لنفسها :" من تكون و ما الذي تخطط له ؟" متذكرة بذلك كل الأمور الغريبة المحيطة به منذ قدومه، فقد لاحظت أنه يتكلم مع جيمس كثيرا و بطريقة تبدو كما لو أنه يستجوبه ، كما حاول دخول قاعة التحف حيث المفتاح و دائما ما بدى مؤلوفا بطريقة ما، هذا غريب حقا، من يكون هذا الفتى و إلى ما يسعى : " يجب أن أعرف بسرعة " في الغرفة 15 كان ديفيد ينتظر بصبر ليفهم ما حصل، فجأة سمع طرقا متسارعا على باب شقته و دب الرعب به هل كشف أمره، تقدم نحو الباب بخطى حذرة، أمسك المقبض ثم فتح الباب، فوجد جيسيكا في الخارج، دخلت بسرعة دون دعوة طالبة من ديفيد غلق الباب، أخذت نفسا عميقا قبل أن تتكلم :" لا أصدق ما فعلته يا ديفيد، لقد وشيت بالآنسة لوسين، و المصيبة أنها كانت بريئة" -" بريئة، ماذا تعنين، لقد كانت المفتاح الأثرية موجودة في شقتها، لقد رأيتي ذلك صحيح ؟" -"كلا لم أرى شيئا تماما كالسيدة بيكل..التي اقتحمت شقة الآنسة" -" لكنها ..مهلا هل قلت أنها لم تجد أي شيء" -" أجل، لم يكن هناك أي مفتاح" توقفت لوهلة ثم تابعت: -" أنت من أخبرها صحيح ؟" -" نعم لكن ليس بطريقة مباشرة" -" ماذا تقصد؟" -"لا يهم الآن، جيسيكا المفتاح كان موجودا هناك قبل ذهابي للإختباء لكنه إختفى عند.." -" ماذا ؟!'" -" عندما دخلت الآنسة لوسين لتلك الغرفة بعدما عادت" أمسك بذقنه مفكرا :" هل يمكن أنها أخذت المفتاح حينها، جيسيكا ركزي هل لاحظت شيئا غريبا على الآنسة لوسين" - " نوعا ما أجل، لقد كانت قططها تحمل طقما غريبا أشبه بجهاز مصغر، كما أن الآنسة لوسين لديها شهادة علمية ما و تلك الغرفة بدت كمختبر علمي، و شقتها فاخرة بالنسبة لمرآة عازبة عاطلة عن العمل.." قاطعها ديفيد: --" لا، أقصد بعد أن عادت ثانية" --" آه، أجل لقد عادت بحقيبة ممتلئة بالمال، رزمة كبيرة من الأوراق النقدية، حتى أنها أعطتني ورقة 100 درهم، و يمكنني أن أجزم أن الحقيبة كانت فارغة هذا الصباح" مدت الورقة لديفيد، تفقدها ليجد خربشات عليها : 'مرحبا ديفيد، الرجل بدون وجه' -"هذا غريب ، ذلك الرجل مجددا" حل صمت لعدة ثوان، قبل أن يتابع ديفيد -" هل يمكن أنها باعت المفتاح لأحدهم.. للرجل بدون وجه، هناك من يحاول الإيقاع بنا بكل جهده" -"لست متأكدة حتى أنها كانت تملك المفتاح " -" يفوتنا شيء، ما هو " تنهدت جيسيكا بتعب:"لا يهم ،أنا جائعة و مرهقة من كل هذا، لا أدري كيف تقوم بهذا طوال الوقت، لدي شيء أخير" أخرجت جهاز الراديو من جيبها :" طلبت مني أن أعطي هذا للسيد براون ، لا أعرف من يكون، إن الراديو له على ما أظن"، - أمسكه ديفيد:" سأعطيه له بنفسي " صمتت جيسيكا لوهلة قبل أن تقترب من كرسي قرب السرير سائلة ديفيد: " يمكنني الجلوس ؟" يظل صامتا قبل أن يجيب :"طبعا" "سعيدة أن هذا الجواب تغير خلال كل تلك السنوات، لكن تعرف ماذا لم يتغير وودت لو فعل : إعجابي بك ، منذ أول مرة بزاوية المطعم" -" ماذا ؟! جيسيكا هذا توقيت سيء لذلك" -" لا تقاطعني، لقد اكتفيت من كل تلك المقاطعات، أحتاج لقول هذا " -" ألا ترين أن ذلك ليس أولوية الآن.. لنخرج من هنا أولا" -" ..أردت إخبارك لننسى الموضوع و أمضي قدما.." -" نحن لا نقوم بمحادثة .." -"هلا تصمت، ظننتك لا تريد التكلم الآن، حسنا لا بأس، سأخبرك بما عندي و أنت فقط استمع عندها يمكنك العودة لتحقيقك" -" أريد التكلم.. لكن ليس الآن، لقد حاولت سابقا " -" أنا هنا للتكلم و بصفة نهائية "، ديفيد مستسلما -"حسنا، كنت أعرف أعني حتى تلك الليلة.." -" لست محققا بارعا بهذه الأمور هاه، لكن كان يجب أن أصارحك .." بعدما هدئت -"أجل، لو فعلتِ.." تعود نبرة حادة مجددا لجيسيكا: -"ماذا ؟ كنت لتقول نعم" -" ربما كنت فعلت" -" هيا الآن لا داعي لهذا ، أنت بالكاد تهتم فكيف برأيك جعلني ذلك أشعر عندما حاولت" -" أهتم بأمرك ..أنا فقط لم أخذ الأمر بعين الاعتبار.." -" هلا توقفت ، هذا أسوء من الرفض" -" لو يمكننا فقط البدء.." -" يكفي !! لا تحاول أن تعطني أملا أنا فقط أردت أن تعرف" -"لا يبدو هذا عادلا ، لم أكن مدركا و تحاسبينني على ذلك، كيف تفسخين شيء لم يوجد قبلا " -" هذا هو الوضع معك، أنت دوما تعقد الأمور أكثر مما هي، حاولت البدء بعلاقة معك لكن بدى الأمر سيسوء قبل أن يبدأ، لو أني لم أكن واهية طوال تلك السنوات" -" يمكننا دوما أن نبدأ من جديد معا" -" لا أعرف إن كنت أريد ذلك بعد الآن، هذا المكان غيرك كثيرا و عمق صفاتك السيئة، و جعلها تظهر على الدوام لقد صرت فقط المحقق جامد المشاعر طوال الوقت، الذي لا يهتم سوى للقضية، أين صديقي الذي أعرفه ناهيك عن أي شيء.." -" أنا أفعل هذا لأجلنا لأجلكم " -" آسفة لو حملناك شيء أكبر منك" -" لقد حللت القضية !!" -" لكننا لا زلنا هنا"، تنهض جيسيكا تلمس كتف ديفيد مطئ الرأس :" كل ما أريده منك الآن أن تكون معنا" -" أنت أنانية !!" تابع غاضبا :" لا أفهمك بعد الآن " -" و أنا أيضا، أنا راحلة الآن لأدعك تستوعب هذا، نتحدث لاحقا" رحلت مسرعة نحو الباب قبل أن تقف : -" بالتوفيق بتحقيقك" باردة المشاعر و خرجت مغادرة، لم يرد عليها ديفيد، قبل أن يحاول اللحاق بها لكنه شعر برجليه مخدرتين كأنه يغرق بوحل مستنقع. كان غارقا في التفكير كالعادة لكن ليس بشأن تفاصيل القضية: -" لقد حللت القضية !!! لما هذا إذا ؟! " شعر بضيق بصدره و تتسارع أنفاسه، يجلس على المقعد منهارا، غارقا بدوامة الأفكار، يصرخ بشدة و يمسك برأسه يكاد يبكي ، يلقي بضع أغراض من على طاولته منها مكعب الروبيك الذي يتفكك لأجزاء، يحمل المذياع أيضا لتذكر صاحبه، يحدق به و يهدئ قليلا، همس لنفسه متناسيا :" حان الوقت للإطلاع على تاريخ هذا المكان" متذكرا عرض السيد براون حاملا بيده الراديو. جيسيكا تبكي بصمت في غرفتها، لكن رغم ذلك تشعر بنوع من انشراح الصدر، ترى ظلا يمر أمام باب عرفتها المنشق، تخرج لترى لتجد القطة المصدومة ، تنادي عليها و تدخلها معها محتظنتها ، تمرر يدها على ظهرها و تسعر٥ بقليل من الهدوء، تنسى همومها سائلة القطة : -" ماذا حصل لك يا مسكينة ؟؟" تغفو جيسيكا على السرير مع القطة بسلام.. و بعد مدة حتى تستيقظ على مواء حاد ، تنهض لتجد القطة تتحرك بهستيرية بالغرفة متألمة و تخدش الآثاث بعنف، نظرت إليها برعب.. يتبع بالفصل التالي.