وجوه خلف الرداء

وجوه خلف الرداء

13 0

قبل أسبوع كامل من موعد الاختبار والاحتفال، كانت أزقة المملكة تعج بالحركة.

كان السكان يستعدون لحدث كبير؛ فقد امتلأ الشارع الرئيسي المؤدي إلى القصر بالزينة والألوان الملكية، وارتفعت الأعلام فوق المباني، بينما كان الجميع يتحدث بحماس عن الأيام القادمة.

لكن، في أحد الأزقة الضيقة والمظلمة، ظهر رجل غريب.

كان يرتدي عباءة سوداء طويلة تخفي معظم جسده، وغطاءً يحجب وجهه، ولم يكن في مشيته ما يدل على أنه من سكان المملكة.

توقف للحظة، ونظر حوله باستغراب.

"غريب..."

كان الجو أشبه بيوم احتفال عظيم، رغم أن الاختبار وعيد ميلاد الأمير لا يزالان يفصل بينهما أسبوع كامل.

وبينما كان غارقًا في أفكاره، اصطدم فجأة بشخص ضخم الجثة.

كان الرجل أمامه هائل البنية، كثيف العضلات، حتى إن اصطدامًا بسيطًا به كان كافيًا لإجبار أي شخص على التراجع.

نظر الرجل إلى الملثم باحتقار وقال ساخرًا:"ألا ترى أمامك؟ أم أن غطاءك الأمني قد أعماك؟"

ظل الملثم صامتًا.

رفع الرجل حاجبه، ثم اقترب منه أكثر.

"هل هذا تكبّر... أم خوف؟"

لم يجب الملثم.

وبدلًا من ذلك، رفع يده ببطء وربت على كتف الرجل.

وفي اللحظة التي لامست فيها يده كتفه...

انهار الرجل على ركبتيه.

اتسعت عيناه، وفقدت ملامحه كل أثر للغرور.

انحنى الملثم نحوه، وهمس في أذنه:

"أنا رحّال، ولا أحب المشاكل. وأعتذر عن سوء الفهم... فأنا أبحث عن حانة في هذه المنطقة."

ارتجف الرجل وقال:

" ل... لا بأس... الحانة قريبة من القصر... ه... هناك."مشيرا بيده لمكان الحانة

أزال الملثم يده عن كتفه واستدار مغادرًا.

وبعد لحظات، استطاع الرجل أن يقف مجددًا.

لكن...

لم يكن هناك أحد.

وكأن الرجل المقنع لم يكن موجودًا أصلًا.

---

عندما وصل الملثم إلى باب الحانة، وجد طفلًا يقف أمام المدخل.

نظر إليه الطفل بهدوء وقال:

" لا يمكنك أن تُخضع شخصًا بالسحر، وتسرق ماله، ثم ترحل وكأن شيئًا لم يحدث."

توقف الملثم.

ثم رفع يديه نحو السماء، وكان في إحداهما كيس المال الذي سرقه.

قال بنبرة ساخرة:

"كشفتني..."

ثم أضاف:

" لكنني حققت مبتغاي بإحضارك إلى هنا."

رفع الطفل حاجبه.

أكمل الملثم:

"يا سمو الأمير..."

ساد الصمت.

ثم قال الأمير:

" إذن فقد عرفت أنني كنت أراقبك... فما غرضك من كل هذا؟"

اشتعلت النار في يد الأمير، وانتشرت ألسنة اللهب حول أصابعه.

كان ذلك تحذيرًا واضحًا.

لكن الملثم لم يتراجع.

وفجأة...

هبت ريح غريبة.

ارتفعت عباءته قليلًا، وانكشف جزء من وجهه.

ظهرت ندبة طويلة تمتد على طول خده الأيمن، ولحية قصيرة شائكة تغطي ذقنه.

قال بهدوء:

"لا تقلق. أنا مجرد رحّال، وجئت لأشاهد الاختبارات، خصوصًا بعد أن سمعت أن الأمير بنفسه سيشارك فيها."

توقف للحظة، ثم قال:

" لكن لدي سؤال."

" وما هو؟"

أشار الملثم إلى الطريق المزدان خلفه.

" ما سبب كل هذه الزينة؟"

ضيق الأمير عينيه.

" لا أظن أن الرحّالة يحملون الخناجر حول خصورهم دائمًا."

نظر الملثم إلى خناجره، ثم قال بعفوية:

"اهدأ. لا أحمل أي نية سيئة. بل إنني أريتك أسلحتي كدليل على حسن نيتي."

أخمد الأمير النيران من يده.

ثم قال:

"يستعدون لعودة الملك."

رفع الملثم حاجبه.

" الملك؟"

" نعم. لقد غاب لثلاثة أعوام في إحدى ممالك الإلف. وهذا خبر شائع لمن يتابع أخبار الممالك."

ابتسم الملثم.

" يبدو أمرًا جيدًا."

خفض الأمير يده وقال:

"ن..."

فجأة!

طار كيس المال مباشرة نحو وجه الأمير.

لم يستطع تفاديه.

ارتطم الكيس بأنفه بقوة.

" آآخ!"

وقبل أن يستعيد توازنه، لمح بريق خنجر يتجه نحو وجهه.

انحنى الأمير بسرعة، فتجاوز الخنجر رأسه بفارق ضئيل.

ثم مد يده.

انفجرت كرة من النار.

اندفعت نحو المكان الذي كان يقف فيه الملثم.

لكن...

لم يكن هناك أحد.

اصطدمت كرة النار بالحائط، ودمرت جزءًا منه.

وقف الأمير وسط الدخان، يبحث بعينيه في كل اتجاه.

حاول استشعار وجوده بالسحر...

لا شيء.

لا أثر.

لا صوت.

ولا حتى حركة في الهواء.

وكأن الرجل قد تبخر.

قضى الأمير بقية اليوم يبحث عنه في أنحاء المملكة، لكنه لم يجد أي أثر له.

وفي نهاية اليوم، أعاد كيس المال إلى صاحبه.

---

بعد أيام...

مرت الأيام بسرعة.

وكان الأمير الفاريون يتدرب ليلًا ونهارًا.

أكثر من أي مشارك آخر.

لم يكن يتدرب من أجل اجتياز الاختبار.

ولم يكن يسعى إلى المجد.

كان يريد شيئًا واحدًا فقط...

اعتراف والده.

فعلى مر السنين، حقق الإنجازات، وأظهر موهبته، وتلقى الكثير من المديح من الناس.

لكن شيئًا واحدًا لم يحصل عليه قط.

كلمة واحدة.

"أنا فخور بك."

ولهذا رأى الفاريون في الاختبار فرصة ذهبية.

ربما...

هذه المرة...

سيجعل والده ينظر إليه كأمير جدير.

وكابن.

---

يوم الاختبار ...وصل اليوم المنتظر.

بدأ الناس بالتوافد إلى الحلبة، وامتلأت المقاعد بالمشاهدين، بينما كان الفاريون داخل القصر يقف أمام المرآة.

نظر إلى انعكاس وجهه طويلًا.

ثم قال لنفسه:

"اليوم فرصتك..."

سكت لحظة.

"ليس للفوز..."

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

"ولا لنيل المجد..."

رفع عينيه نحو انعكاسه.

" فقط كلمة واحدة... هذا كل ما أريده."

---

في ساحة الاختبار، خرج الملك إلى مقصورته الملكية.

ارتفعت الهتافات فور ظهوره.

رفع يده، ثم قال بصوت واثق:

"شعبي العزيز!"

ساد الصمت.

" اليوم سنرحب برجال جدد... ومحاربين جدد... وربما بأساطير جديدة، قد تُنقش أسماؤها يومًا في صخور التاريخ!"

انفجر الجمهور بالهتاف.

لكن فجأة...

ظهر رجل غريب إلى جانب الملك.

كان شعره أحمر طويلًا، ويرتدي ثيابًا فاخرة سوداء وذهبية.

كانت أذناه طويلتين ومدببتين، وفي يده صولجان يبدو ذا أهمية كبيرة.

ساد الذهول.

أمير من عرق الإلف.

العرق الذي عاش البشر معه عداوة طويلة.

لكن وجوده هنا كشف شيئًا لم يكن معظم الناس يتوقعونه.

رحلة الملك لم تكن مجرد زيارة.

لقد ذهب لتسوية الخلافات مع بقية الأعراق.

ابتسم أمير الإلف وقال:

" لكن هذا العام... مختلف."

ثم نظر نحو الجمهور.

"وبمناسبة مشاركة الأمير في الاختبار، قررنا تغيير اختبار هذه السنة."

بدأت الهمسات بين الناس.

" في العام الماضي، كان الاختبار عبارة عن تحدٍّ لجمع النقاط بين المراهقين. أما هذا العام..."

رفع الصولجان.

"فسيكون سباقًا عبر الغابة، وصولًا إلى الجبل الواقع في الغرب."

اتسعت عيون المشاركين.

" وسيكون معيار القبول قائمًا على عدة معايير... و لكننا لن نكشفها حتى ينتهي الاختبار ."

ابتسم.

"بالطبع، ستكون هناك عقبات وتحديات في الطريق، ويسمح باستخدام السحر."

ثم تغيرت نبرة صوته.

"لكن من يؤذي متسابقًا آخر عمدًا باستخدام السحر... سيُستبعد فورًا، ويُعتبر راسبًا."

بدأ بعض المتسابقين بالنظر إلى بعضهم.

ثم أضاف:

"أما الأمير..."

نظر نحو الفاريون.

"فلن يشارك في السباق."

ساد الهمس.

"فهو في مستوى مختلف عن بقية المشاركين."

تجمدت ملامح الفاريون.

حتى هو لم يكن يعلم بهذا القرار.

أكمل الملك:

" لكن اختباره سيكون أكثر صعوبة."

ثم ابتسم.

" سيخوضه بعد انتهاء السباق مباشرة."

وفي اللحظة نفسها...

أعلن الملك وأمير الإلف:

"فليبدأ الإختبار!"

فُتحت البوابات.

وانطلق المتسابقون.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى بدأ بعضهم باستخدام السحر لزيادة سرعته، بينما حاول آخرون إعاقة منافسيهم.

وفي أحد مداخل مقاعد المشاهدين...

ظهر رجل يرتدي عباءة طويلة.

راقب بداية الاختبار بصمت.

ثم قال في نفسه:

" ليس الآن..."

توقفت عيناه على المقصورة الملكية محدقا في الملك و ابنه.

" عليّ أن أصبر أكثر قليلًا."

---

وفي أعلى المدرجات...

كان هناك ملثم آخر.

بذلة سوداء.

صمت تام.

وعينان تراقبان كل شيء.

---

توالت العقبات.

اختبارات للتصويب.

اختبارات للتحمل.

اختبارات للتوازن.

واختبارات لقياس قدرة المتسابقين على استخدام أسلحتهم وسحرهم تحت الضغط.

وبينما بدأ الكثيرون بالتراجع...

برزت مواهب استثنائية.

من بينها فتاة ذات شعر أصفر قصير وبشرة فاتحة.

كانت تستخدم سحر الرياح.

لكنها لم تكن تستخدمه بطريقة تقليدية.

كانت تستغل الرياح لتغيير محيطها، وتعرقل منافسيها، وتتحرك بخفة مذهلة، حتى بدا وكأن الهواء نفسه يقاتل إلى جانبها.

وفي الجهة الأخرى...

برز شاب أسمر طويل القامة، يستخدم سحر التعزيز.

كان يعزز جسده وقدراته باستمرار، مستفيدًا من قوته البدنية بطريقة جعلته يتفوق على العديد من أصحاب السحر الأكثر تعقيدًا.

وفي النهاية...

كما كانت التوقعات تشير...

احتلت الفتاة المركز الأول.

أما الشاب، فجاء في المركز الرابع.

لكن النتائج حملت مفاجأة أخرى.

نصف المتسابقين فشلوا في اجتياز الاختبار.

لم يكن السبب ضعفهم.

بل العكس.

كان معظمهم قد ركزوا على احتلال المراكز المتقدمة في السباق، وأهملوا العقبات نفسها.

فكان أداؤهم فيها سيئًا بما يكفي لإسقاط نقاطهم.

وقف أمير الإلف لإعلان النتائج.

ثم بدأ بتحديد الفئات والأسلحة التي سيحصل عليها الناجحون بناءً على أدائهم.

وعندما وصل إلى الفتاة، قال:

"زيفيرا."

تقدمت الفتاة.

" الفئة: المغتالة."

تعالت الهمسات.

اكمل الامير :"لقد أظهرت قدرة استثنائية على استغلال محيطها دون أن يشعر الآخرون بوجودها."

ثم التفت إلى الشاب.

"إيريون."

تقدم الشاب.

" الفئة: المحارب و فارس."

رفع الأمير صوته:

" استطاع أن يكون مقاتلًا وداعمًا في الوقت نفسه، وأظهر تفوقًا واضحًا على متسابقين يمتلكون قدرات سحرية أكثر تعقيدًا."

تعالت الهتافات.

ثم انتهى الإعلان.

ساد الصمت للحظات.

وقف الملك.

"والآن..."

توجهت أنظار الجميع إليه.

"حان الوقت الذي كنتم تنتظرونه."

---

خرج الفاريون إلى الساحة.

كان يحمل عصًا خشبية بسيطة.

نظر إليها للحظة، ثم ابتسم.

"يا ترى... ما المفاجأة التي يعدها أبي لي في يوم ميلادي؟"

رفع الملك صوته:

" اختبار الأمير مختلف تمامًا."

نظر الجميع باهتمام.

"اختباره هو..."

توقف الملك لحظة

ثم قال:

" أن يأخذ كيسًا من خصمه."

ساد الاستغراب.

بعض الناس ضحكوا.

بدى على الفاريون الإستغراب و الغضب ظنا ان والده لا يأخذه على محمل الجد.

لكن الملك لم يضحك.

ثم قال:

"لكن خصمه ليس شخصًا عاديًا."

أبدى الجمهور شعورهم بالفضول.

"إنه الرجل الذي يُقال إنه هزم جيشًا بمفرده..."

توقفت الأنفاس.

"والرجل الذي قتل تنينًا دون أي مساعدة..."

قبل أن يكمل الملك...

عصفت ريح قوية بالساحة.

ارتفعت الغيوم فجأة.

تطايرت بعض الأعلام.

ثم...

نهض أحد الملثمين الحاضرين بين الحضور.

وقف.

ثم قفز مباشرة إلى ساحة الاختبار.

نظر الفاريون إليه.

وتجمد مكانه محاولا معرفته.

" أنت...؟"

ثم قال:

" إنه أنت!"

كان نفس الرجل الذي قابله عند الحانة.

لكن قبل أن يتمكن الملك من إعلان بداية الاختبار...

اندفع الفاريون نحوه.

هاجمه بسرعة.

لكن الملثم تفادى الهجوم بسهولة مذهلة.

ثم قال ساخرًا:

" يبدو أنك متحمس جدًا لاجتياز الاختبار، يا فتى."

استغرب الفاريون.

ذلك الصوت...

لم يكن الصوت الذي سمعه عند الحانة.

نظر الملك إلى ابنه باستغراب.

ثم قال:

"حسنًا..."

رفع يده.

"لنعتبر هذا الهجوم إعلانًا عن بداية الاختبار."

ما إن أنهى كلامه حتى استدار الملثم نحو المخرج.

وقال بهدوء:

" هذه فرصتي."

اندفع الفاريون خلف الاخر.

كان هجومه عنيفًا...

ومتهورًا.

لكن بالنسبة إلى الملثم، لم يكن أكثر من لعبة.

تفادى ضربة أخرى، ثم قال ساخرًا:

" ما كل هذه الضغينة؟"

ثم استدار نحوه.

"أهذا كل ما لديك... يا وريث العرش؟"

اشتعل الغضب داخل الفاريون.

مد يده.

انفجرت النيران.

بدأ يطلق الكرات النارية تباعًا.

احترق معطف الملثم.

وسقط جزء منه.

ثم...

ظهر وجهه.

توقف كل شيء.

ساد الصمت.

رجل ذو شعر أسود مربوط إلى الخلف.

وجه صافٍ، بلا خدش واحد.

لا لحية.

ملامح حادة وجمال اشتهر به في جميع أنحاء القارة.

بدأت أصوات الجمهور بالارتفاع.

" مستحيل..."

" إنه..."

"سيلفار!"

صرخ أحدهم:

"سمعت أنه لم يُصب في معركة واحدة طوال حياته!"

وقال آخر:

" لم يلمسه حتى دخان نيران التنين في ذلك اليوم!"

ساد الذهول.

لكن شخصًا واحدًا كان أكثر صدمة من الجميع.

الفاريون.

لأنه كان متأكدًا...

أن هذا الرجل...

ليس الشخص الذي قابله عند الحانة.

---

وفي مكان آخر...

أمام مدخل القصر الملكي...

وقف الرجل الملثم.

خلع عباءته ببطء.

ابتلع الظل الرداء الأسود، وكأنه ابتلعه من الداخل.

ظهر وجهه أخيرًا.

شعر برتقالي قصير.

عينان خضراوان.

لحية قصيرة شائكة.

وندبة طويلة تمتد على طول خده الأيمن.

نظر نحو القصر.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

وقال:

"انتظرت هذه اللحظة لسنوات... سأرد ذلك الجميل اخيرا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جحيم النبوءة

المؤلف xeno-or
2026/09/23 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة