في عالمٍ تتصارع فيه الكائنات، وتتعدد فيه الممالك، وتخاض فيه الحروب من أجل القوة والنفوذ، لم تكن الحقيقة سوى قناعٍ يرتديه الأقوياء، ولم يكن الكذب والخداع إلا سلاحًا يتوارثه الملوك، جيلًا بعد جيل.
عالمٌ لم يعرف السلام إلا بوصفه هدنةً تسبق حربًا جديدة.
لكن، خلف ستار التاريخ، وبين صفحاتٍ طمست عمدًا، تناقلَت الأجيال نبوءةً قديمة تعود إلى عهد الملوك الأوائل، نبوءةً قيل إنها كتبت قبل أن تبنى الممالك، وقبل أن ترفع أول راية حرب.
نبوءةٌ عن توأمين...
أحدهما سينقذ العالم، والآخر سيسقطه.
بطلٌ ومصيبة.
نورٌ وظلام.
ومصيرٌ لا مفر منه.
مرت العصور، وسقطت حضاراتٌ عظيمة، وانهارت ممالك، ونهضت أممٌ من رماد أسلافها. تغيرت الحدود، وتبدلت العروش، ونسيت أسماء الملوك، لكن النبوءة بقيت حية، تتردد همساتها في المعابد، وتروى في المجالس، وتخفى عن أعين العامة.
حتى جاءت تلك الليلة...
في مملكة البشر الشرقية، وفي قلب القصر الملكي، انشقت السماء.
لم يكن ذلك برقًا عابرًا، ولا عاصفةً مألوفة.
لقد ارتجف العالم بأسره.
تلبدت السماء بسحبٍ سوداء، ودوى الرعد كأنما تحطمت أبواب السماء، واهتزت الأرض تحت أقدام البشر. هاجت المحيطات، وارتفعت الأمواج كجبالٍ غاضبة، بينما أخذت المخلوقات في أرجاء العالم تصرخ وتفر، وكأنها شعرت بشيءٍ لم تشهده منذ بداية الزمان.
وفي تلك اللحظة، خيم على العالم شعورٌ واحد...
أن شيئًا عظيمًا قد ولد.
وأن شيئًا فظيعًا قد بدأ.
أطلقت على تلك الليلة أسماءٌ كثيرة، وتناقلتها الشعوب بلغاتٍ مختلفة، لكن اسمًا واحدًا ظل محفورًا في ذاكرة التاريخ، يتردد على ألسنة الملوك والعامة، ويهمس به في خوفٍ :
«ليلة راجناروك».
الليلة التي أعلنت فيها بداية النهاية.
في أعماق القصر الملكي، وبين جدران غرفة الولادة، كانت الملكة تصارع أنفاسها الأخيرة.
وبين صرخات الألم، وارتباك الخدم، وابتهالات الكهنة، ولد التوأمان.
أو بالأحرى...
ولد، بحسب النبوءة، البطل والكارثة.
لكن الملكة لم تنل حتى فرصة النظر إلى وجهيهما.
فما إن أطلقت صرختها الأخيرة، حتى خمدت أنفاسها، وفارقت الحياة، تاركةً خلفها طفلين لم تعرف أي مستقبلٍ ينتظرهما، ولا أي مصيرٍ سيحملانه للعالم.
ومع ذلك، لم يكن موتها سوى بداية الحكاية.
كان الطفل الأول...
نورًا.
ما إن خرج إلى الحياة، حتى انبعث من جسده ضوءٌ ساطع اخترق ظلمة الغرفة، وامتد عبر نوافذ القصر، ليبدد سواد تلك الليلة المشؤومة.
تجمد الجميع في أماكنهم.
وللحظةٍ خاطفة، ساد صمتٌ لم يجرؤ أحدٌ على كسره.
ثم...
عمت الطمأنينة أرجاء المكان.
شعر الحاضرون بسكينةٍ غريبة، وكأن يدًا خفيةً أزاحت عن صدورهم ثقلًا لم يعلموا أنهم يحملونه.
كانت بشرته بيضاء كبياض الثلج، وشعره ناصعًا يتلألأ تحت الضوء، أما عيناه فكانتا ذهبيتين، تشعان ببريقٍ مهيبٍ يوحي بالنبل والعظمة.
لكن ذلك لم يكن أكثر ما أثار دهشة الكهنة.
بل ما رأوه على ظهره.
رمز العنقاء.
طائرٌ باسطٌ جناحيه، بدا وكأنه يستعد للتحليق نحو السماء، محفورٌ على ظهر الرضيع كعلامةٍ لا تخطئها العين.
وفي اللحظة التي انكشف فيها الرمز، اشتد الضوء المنبعث من جسده، حتى غمر الغرفة بأكملها.
ارتفعت أصوات الكهنة بالتكبير والابتهال، وتعالت الهتافات من حوله.
لقد رأوا فيه ما انتظروه طوال قرون.
البطل الموعود.
الذي سيعيد التوازن إلى العالم، ويقود الشعوب نحو الخلاص.
لكنهم...
لم يكونوا يعلمون أن النبوءة لم تنتهِ بعد.
فما إن ولد الطفل الثاني...
حتى انطفأ النور.
لم يخفت تدريجيًا، ولم يتراجع ببطء.
بل اختفى دفعةً واحدة، وكأن يدًا هائلةً أطبقت على الشمس وانتزعتها من السماء.
ابتلع الظلام الغرفة.
ظلامٌ دامسٌ لم يعد معه أحدٌ قادرًا على رؤية ما أمامه، حتى خيل لبعض الحاضرين أنهم فقدوا أبصارهم.
توقفت الأنفاس.
وتجمدت الأجساد.
ثم شعروا بها...
طاقةٌ غريبة، ثقيلة، خانقة، تسللت إلى المكان، وكأن الهواء نفسه أصبح عدوًا لكل من يحاول التنفس.
كان الطفل الثاني مختلفًا تمامًا عن أخيه.
بشرةٌ اكثر سمرة من توأمه، وشعرٌ أسود كسواد الليل، وعينان سوداوان لا يعكس سوادهما أي ضوء.
وعلى كتفه...
رمز التنين.
تنينٌ مهيب، ملتف الجسد، باسطٌ جناحيه، وكأنه يستعد لابتلاع كل ما حوله.
لكن الرمز لم يكن مجرد علامة.
لقد كان مصدرًا لطاقةٍ مرعبة، اندفعت من جسد الرضيع كالعاصفة، واجتاحت الغرفة في لحظات.
سقط الحاضرون أرضًا واحدًا تلو الآخر.
لم يستطيعوا الصراخ.
لم يستطيعوا الحركة.
حتى أقوى الكهنة سحرًا شعروا بأن أجسادهم توشك أن تنهار تحت وطأة تلك القوة.
وفي خضم الفوضى، اندفع أحد الأطباء نحو الطفل، محاولًا حمله وإبعاده عن الآخرين.
لكن ما إن لامسته يداه...
حتى انطفأت حياته.
سقط الطبيب بلا حراك.
وعندها أدرك الجميع حقيقةً واحدة:
لم تكن تلك طاقة طفلٍ حديث الولادة.
كانت شيئًا آخر.
شيئًا لم يكن ينبغي له أن يوجد.
وبينما كان أقوى الكهنة يحاول احتواء الطاقة المتفجرة، استجمع آخرون ما تبقى لديهم من قوة، وبدأوا بترديد تعاويذ الختم.
لكن الطاقة كانت أعظم من أن تحتوى بسهولة.
تشققت الأرض تحت أقدامهم، وارتجفت الجدران، وبدأت الرموز السحرية المرسومة على أرض الغرفة تتوهج ثم تتلاشى، واحدةً تلو الأخرى.
وأخيرًا، وبعد صراعٍ كاد يودي بحياتهم جميعًا، تمكن أقوى الكهنة من فرض ختمٍ على طاقة الرضيع.
لم ينهِ ذلك الخطر.
لكنه كبَح جماحه.
ولعنوا الطاقة وختموها، خوفًا من أن تنفلت مجددًا وتلتهم كل من حولها.
غير أن أحدًا لم يخرج من تلك اللحظة كما دخلها.
وبعد وقتٍ لم يعرف أحدٌ كم دام، بدأ الكهنة يستعيدون وعيهم.
كان الصمت ثقيلًا.
والخوف أشد.
وفي تلك اللحظة، نهض أحد القديسين فجأة، وعيناه تمتلآن بالذعر.
لم يتفوه بكلمة.
لم ينتظر أمرًا.
اندفع نحو الرضيع، قابضًا على خنجره، موجهًا نصلَه إليه.
«يجب أن يموت! الآن!»
لكن قبل أن يصل إليه...
تحرك أقوى رجلٍ في الغرفة.
ومضةٌ خاطفة.
صوت طلقة تشق الهواء.
وفي لحظة، سقط الخنجر من يد القديس، بعدما قطعت يده قبل أن تبلغ الطفل.
تراجع الرجل متألمًا، بينما وقف الكاهن الأقوى أمام الرضيع، حاجزًا بينه وبين الجميع.
ثم صرخ بصوتٍ دوى في أرجاء الغرفة:
«أيها المتهور! كدتَ أن تدمر العالم بطيشك هذا!»
ساد الصمت.
رفع الكاهن عينيه المليئتين بالذهر و الكراهية المقيدة نحو الطفل، ثم ألقى نظرةً حادة على القديسين من حوله.
وقال بصوتٍ خافت، لكنه كان أثقل من صرخته:
«ألم تقرؤوا النبوءة؟»
لم يجب أحد.
فأردف:
«إنه رمز التنين... .»
توقف للحظة.
ثم نظر إلى الرضيع، إلى الرمز المشوه على كتفه بسبب سقوط الخنجر عليه ، و الذي توقف عن اطلاق الطاقة السحرية و كأنها لم توجد اصلا.
«فما رأيتموه الليلة... ليس سوى البداية.»
وفي مكانٍ ما، بعيدًا عن القصر الملكي...
ارتجف عرشٌ قديم.
وانفتحت عينان في ظلامٍ سحيق.
ثم انطلقت ضحكةٌ خافتة، لم يسمعها بشر.
«لقد ولدا أخيرًا...»