في مكانٍ ما داخل القصر الملكي، وفي اللحظة ذاتها التي كان فيها التوأمان يفتحان أعينهما على هذا العالم، كان الملك أثريون جالسًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، محاطًا بمستشاريه وقادة جيشه.
كان الاجتماع بالغ الأهمية؛ فقد كانوا يناقشون أوضاع المملكة، وأمن حدودها، والتحركات الأخيرة للممالك المجاورة.
لكن قبل أن يصلوا إلى أي قرار...
اهتزّ القصر.
اهتزازٌ عنيف جعل الطاولات ترتجف، والكؤوس تتساقط، والجدران تئنّ تحت وطأته.
ثم انطفأت شموع القاعة دفعةً واحدة.
غزت الظلال أرجاء القصر، وتسلّل البرد إلى المكان بصورة مفاجئة، بينما دوّى في الخارج ضجيجٌ هائل، كأن حربًا اندلعت فجأة داخل أسوار القلعة.
نهض الملك من مقعده.
«ما الذي يحدث؟!»
وقبل أن يجيبه أحد، دوّى صوتٌ مذعور خلف باب القاعة:
«افتحوا الباب! يجب أن أخبر الملك عن الكارثة!»
تبادل الحاضرون النظرات.
ثم—
انفجر الباب إلى الداخل.
دفع أحد الفرسان البوابة الضخمة بقوةٍ هائلة حتى تشققت ألواحها، وسقط جزءٌ منها على الأرض.
اشتعل غضب الملك.
«ما الحاصل في الخارج؟! هل نتعرض ل—»
لكن الفارس قاطعه، وهو يصرخ بأعلى صوته:
«نزلت اللعنة على هذا العالم يا مولاي! جلالتها... أنجبت النبوءة!»
ساد الصمت.
توقفت أنفاس الجميع.
أما الملك، فلم يحتج إلى سماع المزيد.
استدار واندفع خارج القاعة.
«إلى غرفة الملكة! الآن!»
ركض الملك ومستشاروه وقادة الحرس عبر أروقة القصر، وخلفهم تدافعت الحاشية والكهنة.
لكن كلما اقتربوا من غرفة الملكة، ازداد الأمر سوءًا.
ضغطٌ هائل خنق الأنفاس، وصخبٌ غريب جعل الجدران تهتز، حتى إن بعض الرجال سقطوا على ركبهم عاجزين عن التقدم.
ثم، فجأة...
هدأ كل شيء.
اختفى الصخب.
اختفى الضغط.
اختفى كل شيء، وكأن العالم نفسه فقد سمعه للحظة.
وقف الملك أمام باب غرفة الملكة.
كان قلبه يخفق بعنف.
لم يعد قادرًا على التفكير إلا في أسوأ الاحتمالات.
مدّ يده إلى الباب.
ثم فتحه.
وتجمّد.
كانت الغرفة تبدو وكأن إعصارًا مرّ من خلالها.
الجدران متشققة، والأثاث محطم، والكهنة والجنود ملقون على الأرض، وبعضهم فاقدٌ للوعي.
وفي وسط تلك الفوضى...
كان هناك طفل.
رضيعٌ أبيض البشرة والشعر، مستلقٍ بهدوءٍ غريب، نائمٌ وكأن شيئًا لم يحدث.
اتسعت عينا الملك.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة لم يستطع منعها.
«طفلي...»
لكن ابتسامته لم تدم طويلًا.
فقد وقعت عيناه على العلامة الموجودة على ظهر الرضيع.
العنقاء.
ثم انتقلت عيناه إلى الجهة الأخرى من الغرفة.
هناك، كان كبير الكهنة يحمل رضيعًا آخر بين ذراعيه.
طفلٌ مختلف تمامًا.
وكان على كتفه...
رمز التنين.
تغيّر وجه الملك.
وفي اللحظة التي أخبروه فيها بوفاة زوجته، وبما حدث منذ ولادة الطفل الثاني، شعر وكأن العالم كله قد انقلب فوق رأسه.
شعر بجرح عميق بسبب فراق ملكته
ثم نظر أثريون إلى الطفل طويلًا.
كان أمام معضلة لم يعرفها أي ملك قبله.
النبوءة تمنع قتله.
لكن تركه حرًا قد يعني إطلاق كارثةٍ لا يستطيع أحد إيقافها.
وبعد صمتٍ ثقيل، أصدر الملك حكمه:
«خذوه إلى مكانٍ لا تصله أشعة الشمس، ولا يعرف عنه أي كائن. أقيموا حوله حراسةً مشددة... ولا تطعموه إلا أربع مرات في الأسبوع.»
ساد الصمت.
ثم تجرأ أحد الكهنة على السؤال:
«ألن تسميه يا مولاي؟ إنه طفلك... ويحمل دماءك.»
نظر أثريون إلى الرضيع دون أن تتغير ملامحه.
ثم قال ببرود:
«لن أعترف بهذه الكارثة الحيّة كطفلٍ لي.»
حمل الحرس الرضيع وغادروا.
لم يبكِ الملك الا على موت زوجته.
لم ينادِه.
ولم يلتفت إليه مرةً أخرى.
بل استدار نحو الطفل الآخر، وحمله بين ذراعيه، وراح يداعب شعره الأبيض بحنان و الدموع في عينيه.
ثم ابتسم.
وقال:
«هذا هو بطلنا... شعلة أمل هذا العالم و هدية الملكة.»
رفع الطفل قليلًا، وكأنه يقدّمه للعالم بأسره.
«سأسميك... الفاريون.»
ثم نظر إلى الحاضرين بعينين امتلأتا بالفخر.
«وستكون رمز السلام والأمل في هذا العالم، يا بطلنا المنتظر.»
وفجأة، ارتفعت أصوات الحاضرين في أرجاء القاعة:
«وُلد سليل عائلة فالثريون!»
«وُلد أمير المملكة!»
«وُلد مخلّصنا!»
«بطلنا!»
«يحيا ولي العهد!»
«يحيا!»
وهكذا...
و عرفت المملكة حالة حداد طويلة بعد خبر وفاة الملكة المحبوبة ، عرفت كبطلة، مكافحة ، أم لكل الشعب ، و لم يعرف الملك الحب بعدها
لكنها لم تكن ليلة نهاية و فراق فقط ، بل ولادة ضوء اكثر سطوع من سابقته، و قيل ان الملكة أنجبت أميرين و توفي أحدهما قبل أن يرى العالم.
و تم كتم النبوءة عن العامة ، و اخفاء رموز صحتها
---
في تلك الليلة، لم يُولد طفلان فحسب.
بل وُلدت قصتان.
أحدهما رُفع إلى السماء منذ لحظة ولادته.
والآخر...
دُفن حيًا في أعماق الظلام.
---
نشأ الفاريون منذ طفولته كأميرٍ وبطلٍ موعود.
حرص الملك على أن يتلقى تعليمه على يد أفضل المعلمين والمحاربين والسحرة في أنحاء القارة، فتعلّم أساليب القتال المختلفة، وإتقان الأسلحة، وفنون السحر المتقدم.
وكانت موهبته شيئًا لم يشهده معلموه منذ زمنٍ غابر.
سرعة تعلّمه، وقدرته على استيعاب فنون القتال والسحر، جعلته يتجاوز من هم أكبر منه سنًا، حتى أصبح اسمه يتردد في أرجاء المملكة بوصفه ابن السماء الموعود.
كان الشعب يحبه.
وكانوا يرونه مستقبل المملكة.
لكن خلف ذلك المجد...
كان هناك طفلٌ لم يُسمح له بأن يعيش طفولته.
لم يعرف الفاريون اللعب كبقية الأطفال.
لم يعرف الراحة.
لم يكن مسموحًا له أن يخطئ.
فلقبه حكم عليه بالتدريب والتعلم، وكونه ابن الملك جعل كل خطوة يخطوها تحت المراقبة، وكل كلمة ينطق بها محل حساب.
كان مطلوبًا منه أن يكون كاملًا.
دائما.
مثاليا.
وفي أعماقه، بدأ شيءٌ ما ينمو.
إحساسٌ بالنقص...
نقصٌ لم يفهم سببه، ولم يعرف من أين جاء.
ومع مرور السنوات، بدأت تلك الفجوة تتسع.
وازداد ثقل اللقب الذي يحمله فوق كتفيه.
شيئًا فشيئًا، انعكس ذلك على شخصيته.
أصبح أكثر حدّة.
أكثر عدوانية.
وأقل رحمة.
لكن ما لم يكن أحدٌ يعرفه...
أن الفاريون كان يخفي سرًا آخر.
---
منذ أن بلغ السادسة، بدأ يتسلل سرًا إلى أعماق القصر.
إلى مكانٍ لا يدخله إلا الحرس وأهم رجال المملكة.
كان ينزل عبر ممراتٍ مظلمة، حتى يصل إلى غرفة لا تكاد تعرف معنى النور.
غرفة لا تصل إليها همسات الشمس، ولا نسمات الرياح.
ولا يوجد فيها سوى...
طفل.
طفلٌ نحيل، متسخ ذو شعر مجعد طويل، مكبّل بالسلاسل، لا يرتدي إلا ثوبًا باليًا يستر جسده.
كانت آثار الإهمال والعنف تغطي جسده، وكان يعيش في تلك الغرفة دون أن يعرف لماذا حُكم عليه بهذه الحياة.
وفي كل مرة، كان الفاريون يدخل حاملًا أداة مختلفة.
ثم يقف أمامه.
ويناديه بالاسم الذي سمعه منذ أن فتح عينيه على الدنيا:
«الوحش.»
«اللعنة.»
أما الطفل...
فلم يكن يعرف لماذا.
لم يكن يعرف ماذا فعل.
لم يكن يعرف حتى لماذا وُلد.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا:
أنه خطأ لم يجب أن يكون له وجود.
ومع مرور السنوات...
استمر العذاب.
واستمر الصمت.
واستمر الطفل في تلك الغرفة المظلمة، بينما كان أخوه يعيش في الضوء، محاطًا بالذهب والهتافات.
توأمان.
دمٌ واحد.
ومصيران متناقضان.
---
مرت ستة أعوام أخرى.
وأصبحت المملكة تستعد لأكبر احتفالٍ تشهده منذ سنوات.
عيد ميلاد الأمير الفاريون الثاني عشر.
ذلك العمر الذي ينتقل فيه الأطفال إلى أولى مراحل بلوغهم، ويبدأون فيه طريقهم الحقيقي نحو أن يصبحوا محاربين.
كانت الاختبارات قد اقتربت.
اختباراتٌ تحدد مدى استعدادهم للانتقال إلى مرحلة الشباب، وبعد اجتيازها، يختار الناجحون أسلحتهم وفئاتهم، لتبدأ بذلك المسيرة التي سيقضون حياتهم في إتقانها.
ففي السنوات السابقة، كانوا قد تدربوا على مختلف الأسلحة وأساليب القتال، حتى تتضح مواهبهم ويُعرف الطريق الذي يناسب كل واحدٍ منهم.
والآن...
اقترب يوم الاختبار.
اقترب يوم الأمير.
كانت المملكة بأكملها منشغلة بالتحضيرات.
الأعلام تُرفع.
الشوارع تُزيّن.
والناس يستعدون للاحتفال بولادة البطل الذي انتظرته الأجيال.
لكن...
بينما كانت المملكة تحتفل بالنور...
كان شيءٌ ما يتحرك في الظلام.
---
في أحد الأزقة المهجورة، حيث لا تصل عينٌ ولا تسمع أذن، خرج رجلٌ مغطى بعباءة طويلة من بين الظلال.
وقف للحظات.
ثم رفع رأسه نحو القصر الملكي.
ظل يحدّق فيه بصمت، وكأنه يعرف كل ما يجري خلف أسواره.
وبعد لحظات، قال بصوتٍ خافت:
«اقترب اللحظة...»
شدّ عباءته حول جسده.
«لا يجب أن أفشل.»
ثم استدار.
واختفى بين الظلال.
وكأن الظلام...
ابتلعه.