قال لها:
-إنه كتاب اقتنيته حديثًا، يحكي عن شخصين جمعتهما الحياة،
ومنحتهما من الأيام ما جعلهما جزءًا من حكاية واحدة، وما ترك في قلب كلٍّ منهما أثرًا لا يُمحى.
أريدك أن تبصمي هنا، حتى تبقى منك ذكرى ترافقني.
فوضعت بصمتها على الكتاب، دون أن تعلم أن ذلك الأثر الصغير سيغدو يومًا جزءًا من ذكرى بعيدة،
تستعيدها الأيام كلما أفاقت في قلبه حكاية قديمة.
وكان قسيم، بين حين وآخر، يقرأ لها صفحتين أو شيئًا يسيرًا منه، فتجلس إلى جواره منصتة،
تتبع الحكاية بشغف هادئ. غير أنه لم يتمكن من إتمام قراءته؛
إذ حالت مسؤوليات الحكم وانشغالاته المتتابعة دون أن يبلغ صفحاته الأخيرة.
وتعاقبت الأعوام، حتى غدا الكتاب عتيقًا، وامتزجت صفحاته برائحة القدم،
بينما ظل أثر بصمتها ماثلًا في موضعه، كأن يدًا من ماضٍ بعيد أبت أن تغادر تمامًا.
أفاق قسيم من شروده، فعاد ببصره إلى الكتاب بين يديه. أزاح عن ذهنه ما استرسل فيه من ذكريات،
ثم فتح صفحاته وشرع في القراءة.
---
أما إيزابيلا، فكانت قد أدركت فداحة زلّتها.
-يا لغبائي! كيف غاب عني هذا الأمر؟ لو أنني ارتبكت قليلًا أكثر، لانكشف أمري.
حسنًا، سأكون أشد حذرًا في المرة القادمة، ولن أجلس في الصالة حين أعود من مهمتي.
لقد بدأ أخي يشك بي... أشعر بذلك، حتى وإن لم يصرّح به.
لبثت لحظات تستعيد ما جرى، ثم نهضت واتجهت إلى جناحها،
وقد أخذت تتعهد في سرها ألا تترك للغفلة سبيلًا إليها مرة أخرى.
---
وبينما كان قسيم يستعيد ذكرياته، تذكّر ما أوصى به يعقوب، فرفع صوته مناديًا:
-يعقوب!
ولم تمضِ لحظات حتى تتابع طرقٌ خفيفٌ على الباب.
-تفضل يا يعقوب.
دخل يعقوب، ثم وقف أمامه وقال:
-طلبتَ حضوري، يا سيدي؟
-أجل يا يعقوب. أخبرني، ماذا حدث في الغابة؟ هل تفقدتها كما طلبت منك؟
أجاب يعقوب:
-أجل، تفقدتها جيدًا، ولم أجد فيها ما يدعو إلى القلق. المياه تجري في مجاريها على نحو طبيعي،
والنهر الممتد نحو البلدة قد اتسع مجراه حتى بلغ معظم أرجائها، كما أخذ يتفرع نحو الغابات الأخرى.
أصغى قسيم إلى حديثه، ثم أومأ برضا:
-أحسنت يا يعقوب. أعلم أنني أثقلت عليك في هذه الفترة، وكثرت عليك المهام،
لكنك أكثر من أطمئن إليه في مثل هذه الأمور. ولذلك سأجازيك عن تعبك، وأمنحك يومين تقضيهما مع عائلتك.
ارتسمت على وجه يعقوب ابتسامة صادقة، وقال:
-أشكرك يا سيدي. لقد أسعدني هذا الخبر حقًا؛ فمنذ الأسبوع الماضي لم أرَ عائلتي.
-لك يومان كاملان لتلتقي بهم وتمضي بينهم بعض الوقت.
وأشكرك أيضًا على ما بذلته من جهد. أما الآن، فانصرف؛ فالوقت يمضي سريعًا.
نهض يعقوب وهو مبتسم، ثم أردف:
-حسنًا. إلى اللقاء، يا صديقي وأخي الغالي. أراك بعد يومين.
ابتسم قسيم، ولوّح له بيده، ثم عاد ببصره إلى الكتاب الموضوع أمامه، وقد خفتت في ملامحه بقايا الشرود.
غادر يعقوب، وبقي قسيم لحظات في مكانه، وقد خفّ عن نفسه شيء من ثقل المسؤوليات،
حين منح رجلًا وفيًّا بعض الوقت الذي حُرم منه طويلًا.
---
بعد أن عادت إليزابيث إلى الكوخ برفقة ناز، لبثتا قليلًا تستعيدان ما جرى.
كانت إليزابيث لا تزال تفكر في تلك العائلة، وفي الغموض الذي يحيط بها،
بينما بدت ناز أكثر اضطرابًا مما حاولت أن تخفيه.
التفتت إليها إليزابيث قائلة:
-إنها عائلة غريبة حقًا، أليس كذلك يا ناز؟
أومأت ناز وأجابتها:
-أجل، إنها عائلة ذات قوة ومهابة، تحيط بها أسرار وأمور لا تخطر للمرء على بال.
لكن أخته تضمر شرًا لا يبعث على الاطمئنان، وفي عينيها قسوة وحشية تخيفني. وأنا أخشى عليك منها، يا عزيزتي.
ثم اقتربت منها، وأردفت بلهجة حازمة:
-لا تخرجي كثيرًا وحدك، ولا تذهبي إلى ذلك الجانب، ولا سيما القصر.
هل سمعت ما قلت لك؟ فنحن مختلفون عنهم كل الاختلاف؛ نحن أناس بسطاء،
وحياتنا هادئة، وقلوبنا تحمل الطيبة، أما هم فليسوا مثلنا، ولا نعلم ما تخفيه نفوسهم خلف تلك القوة والمهابة.
نظرت إليها إليزابيث باستغراب، ثم سألت:
-إذًا، لماذا طلبتِ مني في ذلك اليوم أن أشكر الحاكم على إنقاذ حياتي؟
سكتت ناز لحظة، كأنها تنتقي كلماتها بعناية، ثم أجابتها:
-عزيزتي، أصغي إلى ما أقوله لك جيدًا. أخوها ليس مثلها؛ فهو يحمل قلبًا طيبًا،
ولا يشبهها في شيء. أما عيناه... فلم أرَ في عيني بشر جمالًا يماثل جمالهما. فيهما حنان غريب،
نظرة تستوقف القلب دون استئذان، وتجعل المرء يسرح كلما أطال النظر إليهما.
رفعت إليزابيث حاجبها، ثم ضحكت:
-ما بك أنتِ؟ هل شردتِ فيه؟ أم تحبينه؟
فضربتها ناز بخفة على كتفها، وقالت:
-اخرسي! ليس الأمر كذلك. لكنك، مع تعاقب الأيام، ستعرفين عن نفسك شيئًا لم تدركيه من قبل.
توقفت إليزابيث عن الضحك، وسألتها باهتمام:
-وما الشيء الذي سأعرفه؟
ابتسمت ناز ابتسامة غامضة، وأجابتها:
-اصبري يا عزيزتي، فالأيام أمامك كثيرة، وما تخفيه الحياة لا ينكشف دفعة واحدة.
-حسنًا.
قالتها إليزابيث، ثم صمتت، غير أن كلمات ناز ظلّت عالقة في ذهنها.
ما ذلك الشيء الذي تحدثت عنه ناز؟ ولماذا تشعر بهذا القرب الغريب منها؟
أهو أمر تعرفه ولا تستطيع البوح به، أم أن بينهما صلة أعمق مما يبدو؟
قطعت ناز حبل أفكارها قائلة:
-لقد تأخر الوقت يا صغيرتي. ادخلي إلى الكوخ، فالجو بارد، أما أنا فسأذهب الآن؛ لا بد أن عائلتي قلقة عليّ.
ثم احتضنتها وقبّلتها قائلة:
-نامي جيدًا يا عزيزتي، ولا تنسي أن تتناولي عشاءك قبل النوم. هل سمعتِ؟
أجابتها إليزابيث:
-حسنًا، وأنتِ تمهّلي جيدًا حين تنزلين من الجبل.
-حسنًا، إلى اللقاء.
كانت ناز على عجل من أمرها؛ تتحدث بسرعة، وتتحاشى إطالة النظر في عيني إليزابيث،
كأنها تخشى أن تفضح عيناها ما عجز لسانها عن إخفائه. ثم غادرت، وبقيت إليزابيث وحدها،
تستعيد كلماتها وتحاول النفاذ إلى ما وراء ذلك الحديث الموارب.
جهزت إليزابيث عشاءها؛ خبزًا وسلطة وقليلًا من اللبن وبعض الفواكه الطبيعية.
وبينما كانت تتناول طعامها، استحضرت صورة جدها وجدتها حين كانا يناديانها إلى المائدة،
فابتسمت بحنين غامر، كأن صوتيهما ما زالا يبلغانها عبر مسافة بعيدة.
ثم تمتمت في نفسها:
«إن ناز غريبة حقًا. من أين ظهرت لي في هذه البلدة؟ إنها تتحدث دائمًا وكأنها تحمل في صدرها حكاية لا تريد أن ترويها،
وكأنها تعرف عن الحياة أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، لا تأتي إليّ كل يوم، وتكرر الأعذار نفسها في كل مرة. يا إلهي،
كفى تفكيرًا لهذا اليوم. سأخلد إلى النوم، فهذا خير لي.»
---
في اليوم التالي، لبثت إليزابيث تنتظر قدوم ناز؛ فقد وعدتها بأن تأخذها في جولة داخل البلدة،
وتعرّفها إلى بعض أهلها، وتريها ما لم تطأه قدماها من قبل. وكان ذلك اليوم يوافق الجمعة، في مطلع فصل الربيع.
لكن ناز لم تأتِ.
ومع انقضاء الوقت، أخذ القلق يتسلل إلى قلب إليزابيث، ويتسع شيئًا فشيئًا، حتى لم تعد قادرة على تجاهله.
لم تكن تعرف أين تقيم ناز، ولا أي طريق يقود إلى منزلها؛ فقد كانت الأخيرة تتحاشى الحديث عن عائلتها
ومكان إقامتها كلما حاولت إليزابيث الاستفسار.
وأخيرًا، عقدت إليزابيث عزمها على الخروج وحدها.
أوصدت باب الكوخ الخشبي خلفها، ثم مضت في الطريق المؤدي إلى البلدة. كانت تتهادى في خطوها،
وتستطلع الوجوه من حولها، وتحاول أن تستدل من ملامح أهل البلدة على المكان الذي يمكن أن تجد فيه ناز.
وبعد وقت من البحث، سمعت إحدى الفتيات تسأل عن الكوخ القابع في أعالي الجبل،
ذلك الكوخ العتيق الذي عُرف باسم «نازليانا».
فما لبثت إليزابيث أن بادرتها قائلة:
-إنه منزلي، لِمَ تسألين عنه؟
فاضطربت الشابة للحظة، ثم أجابتها:
-لا شيء، لمحتُه مصادفةً من بعيد، ولم أكن قد رأيته في زياراتي السابقة،
فدفعني الفضول إلى السؤال عنه.
ثم سألتها الفتاة:
-ما اسمك؟
ابتسمت إليزابيث وقالت:
-إليزابيث.
تَرَقَّبُونِي زَمَانِي 🤎
zamani