لم تكن إيزابيلا تخشى على قسيمٍ من الخطر، بقدر ما كانت تخشى أن ينفلت من قبضتها قبل أن تستوفي غايتها.
كانت تترقّب اللحظة التي ينتهي فيها كل شيء على النحو الذي رسمته، ولذلك ظلّ بقاؤه حيًّا، طليقًا، قادرًا على الإفلات،
باعثًا في نفسها قلقًا مستترًا لا يفارقها.
أما قسيم، فلم يتبيّن وراء ابتسامتها ما يستوجب الارتياب؛ إذ ظلّ يظن أن أخته ما برحت تخشى عليه،
وأن ما بينهما من وشائج الأخوّة لم تنل منه عوادي السنين.
كان قسيم وإيزابيلا من عائلة سالفاتوري، تلك العائلة التي لم يبقَ من أفرادها آنذاك سوى والديهما وهما.
غير أن الموت لم يُمهل الوالدين طويلًا، فاختطفهما، وخلّف وراءه ابنين لم يكونا قد تهيّآ بعد لما ستلقيه الحياة على عاتقهما من أثقال.
كانا يومئذٍ في مقتبل العمر، يجهلان دقائق الحكم، ولا يفقهان من تدبير شؤون البلاد إلا النزر اليسير.
وبعد وفاة والديهما، نهض عمهما ليون بأعباء الحكم، وحمل عنهما ما لم يكونا قادرين على النهوض به،
وظلّ متوليًا شؤون البلاد حتى بلغ قسيم الثامنة عشرة، ثم دفع إليه مقاليد الحكم، واختار أن يرحل إلى بلدة أخرى برفقة أسرته.
لم يكن ليون ممّن تستميلهم السلطة، ولا ممن يأنسون بثقلها؛ فلم يرغب في أن يقضي ما بقي من عمره مكبّلًا بأعبائها.
أما ابنه أنطونيو، فكان له مطمح آخر؛ إذ كان يتشوّف إلى عرش الحكم، غير أن مطمعه انحصر في اللقب وما يضفيه من وجاهة،
ولم تمتد رغبته إلى ما وراء ذلك من تبعاتٍ ومسؤوليات.
ومنذ أن اعتلى جون سدّة الحكم، لازمه لقب «القسيم»، حتى طغى على اسمه الحقيقي في ألسنة الناس،
وغدا قليلٌ من الناس يعرفون أن اسمه كان جون.
أما إيزابيلا، فلم تتزوج قط، وظلّ جمالها آسرًا على الرغم من تعاقب السنين،
حتى غدا بقاء ذلك الحسن عليها موضع عجبٍ وتساؤل لدى من حولها؛
إذ لم يعرف أحد كيف استطاعت أن تصون نضارة ملامحها، كأنّ الأعوام مرّت بمحاذاتها، لا عليها.
كانت تنتقي أفخر أثوابها من الحرير الوثير، وتختار ألوانها بعناية، وتولي شعرها القصير عنايةً بالغة،
وفوق رأسها استقرّ تاجٌ مترف الصنعة، يسبغ على هيئتها مهابةً، ويزيد حضورها جلالًا.
أما قسيم، فكان يحمل في ذاكرته مكانًا لم تطأه قدماه منذ أعوام.
لم يكن ذلك المكان مجرّد رقعةٍ من الأرض، بل كان موطنًا لذكرى غائرةٍ ظلّت مواربةً في أعماقه؛
كلما عادت إلى خاطره، انبعث معها ما ظنّ أنّه وُوري تحت ركام السنين.
كان عند النهر، وبالقرب من ضفته انتصبت شجرةُ تفاحٍ باسقة، عتيقة الأغصان،
ارتبطت في ذاكرته بأيامٍ ولّت، وبامرأةٍ كانت ذات يوم جزءًا من حياته.
تحت تلك الشجرة كان يجلس برفقة زوجته، حين كانت الحياة تبدو أقلّ وطأة،
وحين لم يكن يعلم أن بعض اللحظات لا تنقضي بانقضاء زمنها، بل تستوطن الذاكرة، وتظلّ عصيّةً على المحو.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد إلى ذلك المكان، غير أنّ هذه المرّة ساقته إليه مسؤوليته.
لم يكن يقصد استدعاء الماضي، ولا كان يطلب من الذاكرة أن تفتح أبوابها؛
إنما جاء ليتفقد مجرى النهر بنفسه، ويتحرّى أحوال المنطقة المحيطة به.
وبينما كان يستقصي المكان، مزّق هدوء الغابة صوتٌ مذعور:
-ساعدوني! ساعدوني! هل من أحدٍ هنا؟
توقّف قسيم، ثم أدار بصره نحو مصدر الاستغاثة.
وتقدّم بين الأشجار حتى أبصر فتاةً تواجه ثعبانًا، وقد كان الخطر أدنى إليها مما تظن.
لم يتردد.
انتزع شبكة الصيد المعلّقة على حصانه، واتجه نحوها بخطى ثابتة.
لم يلتفت إلى الفتاة؛ فقد استأثرت حركة الثعبان بعينيه، وأخذ يترقّبها بحذر،
منتظرًا اللحظة التي يستطيع فيها التدخل دون أن يعرّضها لمزيدٍ من الخطر.
وحين سنحت له الفرصة، ألقى الشبكة عليه، وأحكم إطباقها حوله، ثم حمله بعيدًا وألقاه في النهر.
وانتهى الأمر على ذلك النحو الخاطف الذي بدأ به.
لم يسأل الفتاة عن اسمها.
ولم ينتظر ثناءً ولا شكرًا.
ولم يلتفت حتى ليستبين وجهها.
اكتفى بأن اطمأن إلى انقضاء الخطر، ثم ولّى عنها.
غير أن قسيم لم يكن يعلم أن عينيه لم تكونا الوحيدتين اللتين شهدتا ذلك المشهد.
فقد كان هناك شخصٌ آخر برفقة إليزابيث، يقف غير بعيد، وقد استقرّ بصره عليه.
لم تكن نظرته نظرة عابرٍ شهد حادثةً عابرة؛ بل كان في عينيه شيءٌ أقدم من اللحظة ذاتها؛
حنينٌ لم يخمد، ومودّةٌ استعصت على الغياب، وشيءٌ من حبٍّ ظلّ مواربًا خلف سُدُل السنين.
كانت ثمانية عشر عامًا قد انصرمت منذ آخر مرة رأى فيها قسيمًا في ذلك المكان.
ثمانية عشر عامًا كاملة، ومع ذلك لم تستطع المسافات أن تطمس أثره، ولم تستطع السنون أن تنتزع صورته من الذاكرة.
ظلّ واقفًا يرقبه، وكأن السنين جميعها قد تنحّت جانبًا للحظات، وأعادت إلى ناظريه وجهًا غاب طويلًا.
لم يتحرك.
لم ينادِه.
حتى مشاعره أبقاها حبيسةً خلف نظراته. ثم تراجع على مهل، ومضى برفقة إليزابيث نحو الكوخ،
تاركًا وراءه سرًّا لم يكن قسيم يعلم أصلًا بوجوده.
.........
حلّ المساء، وحان أوان العشاء.
كانت الساعة تشير إلى السادسة، حين اجتمع قسيم وإيزابيلا حول مائدة الطعام.
جلسا متقابلين، وتناولا عشاءهما في هدوءٍ لا يشوبه ما يلفت النظر؛
شقيقان اجتمعا إلى مائدةٍ واحدة، كما اعتادا أن يفعلا مرارًا.
غير أن وراء ذلك الهدوء أشياء كثيرة، ظلّت حبيسة الصمت، ولم تجد سبيلًا إلى الكلام.
وحين فرغا من الطعام، رفع قسيم بصره إليها وقال:
-هنيئًا مريئًا، يا أختاه.
أجابته بابتسامة:
-ولك أيضًا، يا أخي.
ثم نهض كلٌّ منهما، ومضى إلى جناحه. ومع خفوت أصوات القصر،
ابتلعت ساعات الليل ما تبقّى من الكلام،حتى أرخى النوم سدوله على الجميع.
وفي صباح اليوم التالي، خرج قسيم من القصر ممتطيًا صهوة حصانه الأسود.
كان يرتدي معطفًا أسود، وقد غلب السواد على هيئته؛ لونًا ألفه وأحبّه،
ورأى فيه ما يلائم هدوء طباعه وما يضفيه على حضوره من مهابة.
وكانت تتدلّى من ساعته المفضّلة سلسلةٌ فضية، يحرص على اصطحابها معه أينما مضى.
اتجه إلى البلدة، وتفقّد أحوال أهلها، واستقصى حاجاتهم، وتحرّى ما إذا كانت ثمة مشكلة تستوجب تدخّله.
لم يكن يرى الحكم تاجًا يُتوَّج به الرأس فحسب، بل أمانةً تستقر على عاتقه، وتبعةً لا يملك أن يتنصّل منها.
فكلما علم أن أحدًا من أهل البلدة ينتظر منه عونًا، أدرك أن العرش ليس امتيازًا يُتنعَّم به،
بقدر ما هو مسؤوليةٌ تُلقى على عاتق من يتولّاه، وبعد أن فرغ من جولته، عاد إلى القصر عند الساعة الخامسة عصرًا.
دخل جناحه، ثم ألقى بجسده على السرير، مستسلمًا إلى برهةٍ من الراحة بعد يومٍ طويل.
ولم تمضِ لحظات حتى نادى:
-يعقوب.
لم يتأخر يعقوب.
أقبل إليه، فرفع قسيم بصره نحوه وقال:
-أخي يعقوب، أريد منك غدًا أن تتفقّد الغابة، إن لم يكن لديك ما يشغلك،
وأن تطلعني على كل ما تعثر عليه هناك. فأنا لا أرتادها كثيرًا، وقد اضطررت إلى الذهاب إليها قبل أيام.
أومأ يعقوب دون تردّد.
لم يكن يعقوب، بالنسبة إلى قسيم، مجرّد رجلٍ يعمل في خدمته، ولا معاونًا يقف إلى جواره بحكم منصبه.
كان أخًا لم تلده أمّه،رجلًا عرف ضعفه قبل قوّته، وشهد انكساره قبل أن يشهد صلابته، وبقي إلى جانبه في شدائده،
كما وقف معه في أفراح الحكم. وكان قسيم يدرك أن بعض الروابط لا يصنعها الدم،
بل تصوغها المواقف؛ وأن الأخوّة قد تنبت أحيانًا في أرضٍ لا تمتّ إلى النسب بصلة.
أما الغابة، فكانت لا تزال تخبّئ بين أشجارها ما لم يكشفه النهر بعد.
تَرَقَّبُونِي زَمَانِي 🤎
zamani