وكان الحاكم قسيم يستأنس بحديثهما استئناسًا ظاهرًا؛ فما إن يراهما يتبادلان المزاح، وتتعالى بينهما الضحكات،
حتى تنفرج أساريره، ويغشاه سرورٌ صادق، كأن ضحكاتهما تستردُّ للقصر شيئًا من خفّة الأيام الغابرة، ينظر إليهما أحيانًا من بعيد،
فلا يتدخل في حديثهما، بل يترك لتلك الألفة أن تمضي على سجيتها؛ فقد كان يستطيب أن يراهما على تلك الحال،
كطفلين ألقتهما الحياة في ركنٍ من أركانها، فلم يجدا ما يبدّدان به ثقلها سوى الضحك، وفي خضم ذلك الأنس، تناهى صوت يعقوب،
وقد وقف على مقربةٍ منهما، فمال برأسه قليلًا اعتذارًا:
-أعتذر عن مقاطعتكما، أيتها السيدة.
التفتت إليه إيزابيلا، ولم يغب عن ملامحها ذلك الهدوء الذي ألفه القصر منها،
ثم أشارت إليه أن يتقدم:
-لا عليك، يا يعقوب. تفضّل، ما الأمر؟
تقدم خطوة، ثم استقرت عيناه على إليزابيث لحظةً قبل أن يقول:
-جئت لأخبر الفتاة أن الحاكم بانتظارها.
استدارت إيزابيلا نحو إليزابيث، فوجدتها لا تزال غارقةً في تأمل كفها،
تحدّق في تلك الوحمة الصغيرة، وكأنها تحاول أن تستنطقها عن سرٍّ استعصى عليها فهمه.
تفرّست إيزابيلا في وجهها، وقد تسلّل إلى قلبها قلقٌ خافت، ثم قالت بصوتٍ خفيض:
-فيمَ شُردتِ؟ هل أثار سؤالي في نفسكِ شيئًا أزعجكِ؟
رفعت إليزابيث عينيها إليها، ثم أعادت النظر إلى كفها، وهزّت رأسها نفيًا:
-كلا، ليس الأمر كذلك.....إنما استوقفتني وحسب،
لقد اعتدتُ النظر إليها منذ صغري، حتى غدت جزءًا مألوفًا مني،
إنها مجرد وحمة، لا أكثر.
سكتت لحظة، ثم مرّرت إبهامها فوق موضعها في حركةٍ عفوية،
وكأنها تطمئن إلى شيءٍ لا تعرف سبب تمسّكها به:
-ومع ذلك... أحبها. أراها جميلة كما هي.
لم تجب إيزابيلا، بل بقيت تحدّق في الفتاة، وكأن جوابها لم يبدّد شيئًا،
بل أضاف إلى حيرتها سؤالًا آخر، فبعض الأشياء لا تحتاج إلى تفسير كي تترك في
النفس أثرًا؛ يكفي أن تقع عليها العين حتى يضطرب لها شيءٌ قديم.
أما يعقوب، فظل واقفًا في مكانه، ينتظر أن تنتهي إيزابيلا من حديثها،
غير أن بصره عاد إلى إليزابيث دون أن يشعر.
كانت هناك رهبةٌ مبهمة في ذلك الشعور الذي باغته؛ إحساسٌ لم يعرف له مستقرًا ولا اسمًا، شيءٌ في ملامحها، في عينيها،
في طريقة وقوفها، كان يوقظ في داخله ألفةً موغلةً في القِدم، حتى خُيِّل إليه أنه عرف هذه الفتاة قبل أن يلتقيها،
وأن بين ذاكرته ووجهها عهدًا منسيًّا لم يُكتب له أن يتذكره بعد.
عقد حاجبيه قليلًا، ثم صرف بصره عنها، وكأنما أراد أن يقطع على نفسه
سبيل هذا الوهم، أخذ نفسًا عميقًا، واسترد رباطة جأشه، ثم قال بصوتٍ ثابت:
-الحاكم بانتظاركِ، أيتها الفتاة.
انتبهت إليزابيث إلى نفسها، وكأنها خرجت لتوّها من شرودٍ بعيد،
ثم التفتت إلى إيزابيلا.
-حسنًا... سأذهب، أتأذنين لي بالانصراف، أيتها السيدة؟
أومأت إيزابيلا، غير أن عينيها ظلتا معلّقتين بها،
وكأنها كانت تودُّ أن تستوقفها لشيءٍ لا تعرف كيف تصوغه:
-أجل، تفضلي يا إليزابيث.
خطت إليزابيث نحو الباب، ثم استدارت بعد خطواتٍ قليلة،
وانحنت برأسها في أدب:
-عن إذنكِ.
خرجت، ثم توقفت في الممر، كأن شيئًا ما شدَّ خطوها إلى الوراء،
ألقت نظرةً على كفها مرةً أخرى، وأخذت تقلّب السؤال في ذهنها:
-لماذا سألتني عن الوحمة؟ أفيها شيءٌ غريب لا أعرفه؟
رفعت يدها أمام عينيها، وتأملتها لحظات، ثم تمتمت في سرّها:
-لكنها جميلة... وأنا أحبها.
ولم تلبث أن ابتسمت ابتسامةً عابرة، كأنها سخرت من قلقٍ لم تجد له سببًا،
ثم هزّت رأسها وأفلتت يدها إلى جانبها، واستأنفت طريقها،
أما إيزابيلا، فبقيت حيث هي.
كان رحيل إليزابيث أشبه بانسحاب سؤالٍ ترك خلفه ألف سؤال،
ظلت عيناها شاخصتين إلى الباب الذي غابت خلفه الفتاة،
بينما راحت الوحمة تستقر في ذاكرتها، لا بوصفها علامةً على كفّ فتاةٍ غريبة،
بل بوصفها أثرًا يوقظ في صدرها شيئًا أقدم من أن يكون مصادفة.
وفي الجانب الآخر، سار يعقوب برفقة إليزابيث عبر أروقة القصر،
حتى بلغ بها باب الحاكم، توقف هناك، ثم أشار إليها بالدخول،
وعاد إلى عمله، محاولًا أن يطوي ذلك الشعور الغريب تحت ركام انشغاله، وكأنه لم يكن.
رفعت إليزابيث يدها وطرقت الباب طرقًا خفيفًا.
لم يتأخر الجواب؛ جاءها صوت الحاكم من الداخل، هادئًا راسخًا:
-تفضلي.
دفعت الباب برفق، فاستقبلتها غرفةٌ يغمرها سكونٌ مهيب.
كان الحاكم قسيم واقفًا إلى جوار النافذة، وقد أدار ظهره إليها،
شاخصًا ببصره نحو السماء الممتدة في صفائها،
حيث كانت الغيوم متناثرةً كأنها شظايا بياضٍ تاهت في اتساع السماء.
وفي الخارج، كانت الأشجار تتهادى مع النسيم، فتضطرب أوراقها اضطرابًا خفيفًا،
ويتسلل حفيفها إلى الغرفة، أما هو، فكان يمسك فنجان قهوته بين يديه،
يتصاعد منه بخارٌ واهن، وتنساب رائحته الدافئة في أرجاء المكان،
ممتزجةً بعبير الصباح المنبعث من الحديقة.
وقفت إليزابيث عند العتبة برهةً، ثم تقدمت بخطواتٍ متأنية، وأردفت:
-أيها الحاكم... أشكرك لأنك سمحت لي بلقائك،
جئت لأشكرك على مساعدتك لي في اليوم الذي أنقذتني فيه...
إن كنت تذكر.
لم يجبها قسيم، وظلَّ شاخصًا إلى السماء، كأن حديثها لم يكن سوى صوتٍ عابرٍ
مرَّ بجوار تأمله ولم يقطع عليه خلوته، لم يلتفت إليها، وبقيت ملامحه
عصيّةً على كشف ما يدور في أعماقه.
مضت لحظاتٌ، حتى بدا الانتظار بينهما أثقل من أن يُحتمل بسهولة.
كانت إليزابيث تنتظر جوابًا، بينما ظلَّ هو يراقب حركة الأغصان في الخارج،
وكأن في تمايلها ما يستحق الإصغاء أكثر من الكلمات.
ثم، بعد برهة، جاء صوته هادئًا مقتضبًا، من غير أن يدير وجهه إليها:
-لا تشكريني... فما فعلته لم يكن إلا أمرًا عاديًّا بالنسبة إليّ.
تَرَقَّبُونِي زَمَانِي 🤎
zamani