-والآن، أسمح لكِ بالانصراف.
تفاجأت إليزابيث، وبقيت واقفةً في موضعها لحظات، كأنها لم تستوعب انتهاء اللقاء بهذه السرعة،
ظلّ بصرها معلّقًا به، وقد أخذ الشرود يتسلّل إلى ملامحها، كأن في حديثه شيئًا لم تستطع أن تجد له تفسيرًا.
أردف الحاكم بهدوء:
-إنما هي أمورٌ يسيرة بالنسبة إليّ، أيتها الصغيرة. كوني على حذرٍ حين تذهبين إلى الغابة مرةً أخرى،
ولا تسلكي الجانب الذي كنتِ فيه يومئذٍ، لا أريد أن أراكِ في خطرٍ مرةً أخرى.
رفعت إليزابيث عينيها إليه، ثم أجابت بابتسامةٍ خفيفة:
-حسنًا... إلى اللقاء، يا سيدي.
اتجهت نحو الباب بخطواتٍ متأنية، وتوقفت لحظةً قبل أن تخرج،
كأنها أرادت أن تقول شيئًا آخر، ثم عدلت عن ذلك.
خرجت من القصر، غير أن أفكارها لم تخرج معها؛ فقد ظلّ شيءٌ من ذلك اللقاء عالقًا في ذهنها،
يتردد في أعماقها دون أن تجد له تفسيرًا.
امتطت حصانها الأبيض، ذا الشعر الطويل والعينين الزرقاوين، وانطلقت بعيدًا عن القصر،
بينما أخذت الريح تعبث بشعرها، وتبدّد شيئًا من اضطرابها دون أن تنجح في إخماده تمامًا.
أما السيدة إيزابيلا، فكانت تراقبها من خلف النافذة.
ظلّت عيناها تتبعان الفتاة حتى غابت عن مرمى بصرها، ثم بقيت واقفةً لحظات،
وكأن منظر رحيلها قد خلّف في نفسها سؤالًا لم يَرُق لها.
استدارت بعد ذلك، وأسرعت نحو جناح أخيها.
طرقت الباب، فجاءها صوته من الداخل:
-تفضّلي بالدخول.
دخلت مسرعة.
رفع قسيم بصره إليها.
-ما الأمر؟
أخفت إيزابيلا ما اضطرب في داخلها خلف ملامح هادئة؛ فقد كانت تريد أن تعرف من تكون تلك الفتاة،
ولماذا حظيت باهتمام أخيها، تسلّل إلى ذهنها خوفٌ آخر، أكثر خبثًا؛ خشيت أن يكون أخوها قد تعلّق بها،
وأن تستغل عطفه عليها لصغر سنها، ثم تمتد يدها إلى ما هو أبعد من ذلك، حتى تطمع في ميراثه.
لكنها لم تسمح لشيءٍ من تلك الهواجس أن يظهر على وجهها.
تفوّهت بنبرةٍ ودودة:
-مرحبًا يا أخي، كيف حالك؟
أجابها:
-أهلًا يا أختاه، أنا بخير، وأنتِ؟ لم أركِ منذ فترة.
-أنا بخير، يا أخي. كنت منشغلةً هذه الأيام بأمور البلدة مع نسائها.
أومأ قسيم، ثم أردف:
-أعانكِ الله، يا أختاه. وسوف تنالين جائزةً تقديرًا لعملكِ الحسن؛
فقد بلغني في الآونة الأخيرة ما تبذلينه من جهد.
ابتسمت إيزابيلا، وأجابته:
-أشكرك، يا أخي. فأنا محظوظةٌ بك، وأدامك الله لي.
بادلها ابتسامتها، وقال:
-ولكِ أيضًا، يا أختاه.
بدا حديثهما طبيعيًا، كحديث أخٍ وأخته اعتادا أن يتقاسما الودّ منذ أعوام،
غير أن ما أخفته إيزابيلا خلف ابتسامتها لم يكن يمتّ إلى ذلك الودّ بصلة.
ترددت لحظةً، ثم استفسرت:
-هل لي أن أسألك سؤالًا؟
-تفضّلي، يا أختاه، اسألي ما شئتِ.
ثم ابتسم وأضاف بنبرةٍ مازحة:
-أما يكفي أن أجازيكِ على عملكِ، ثم أحظى بقليلٍ من الراحة بعيدًا عن أسئلتكِ الغريبة ومتطلباتكِ التي لا تنتهي؟
أطلقت إيزابيلا ضحكةً خفيفة، ثم عقّبت:
-كلا... كنت أريد أن أسألك عن الفتاة.
ثم تابعت:
-الفتاة التي أتت قبل قليل، من تكون؟ ولماذا جاءت إليك؟ أراها للمرة الأولى.
أجاب قسيم بهدوء:
-لا أعلم، إنما ساعدتها قبل أيام، فجاءت لتشكرني على إنقاذ حياتها. أفي الأمر بأسٌ إن جاء أحدهم ليشكرني، يا أختاه؟
هزّت إيزابيلا رأسها نفيًا:
-كلا يا أخي، إنما هو سؤالٌ لا أكثر.
ثم أردفت، وقد أضفت على صوتها مسحةً من الاستغراب:
-لكنك منذ سنين لم تسمح لأحدٍ بأن يأتي إليك ليشكرك، بل كنت تنزعج من أمورٍ كهذه. ثم إنك لم تذهب إلى الغابة منذ أعوام.
تغيّرت ملامح قسيم قليلًا، وكأن حديثها أعاده إلى ذكرى بعيدة.
-أجل، إنكِ على حق، يا أختاه، لكن الأمر اضطرني إلى الذهاب إليها؛ فقد أردت أن أتفقد مجرى المياه بنفسي،
بعدما قيل إنها لم تعد تجري على نحوٍ جيد منذ مدة، ولم أجد من رجال البلدة والمسؤولين عنها من يهتم بها كما ينبغي.
ثم استطرد:
-وأنا أتحاشى الدخول معهم في مشكلات، لذلك توليت الأمر بنفسي.
وسكت لحظةً، قبل أن يتابع بنبرةٍ أكثر جدية:
-وأنتِ تعلمين أن لي أعداء في أنحاء البلدة وخارجها، يتربصون بأي زلّة، وإن صغرت، ليتخذوها ذريعةً ضدي،
ثم يعلنوا الحرب وينتزعوا البلاد، وتعرفين أنه إذا اندلعت الحرب، فلن يدفع ثمنها أصحاب المطامع وحدهم،
بل سيهلك بسببها كثيرٌ من الأبرياء.
أنصتت إيزابيلا إليه، ثم تفوّهت بصوتٍ تغلّفه العاطفة:
- هكذا أريدك دائمًا، يا أخي.
وأردفت بابتسامةٍ هادئة:
-لقد كبرت، ولم تعد قادرًا على المحاربة كما كنت من قبل، وكل ما أريده أن تبقى سالمًا لي حتى آخر عمرك،
والآن، سأتركك لتأخذ قسطًا من الراحة.
بدت كلماتها صادقةً إلى حدٍّ يجعل المرء لا يشك فيها.
لكن الحقيقة كانت تقبع في الجهة الأخرى تمامًا.
فما خرج من فمها لم يكن سوى كلامٍ تعرف كيف تصوغه، وكيف تمنحه نبرةً تجعل أخاها يطمئن إليها.
كانت تتمنى موته، وكل ما نطق به فمها من عاطفةٍ لم يكن إلا قناعًا محكمًا تخفي تحته نقيضها.
تَرَقَّبُونِي زَمَانِي 🤎
zamani