الفصل الخامس ( أشياء غريبة )

الفصل الخامس ( أشياء غريبة )

3 0

تسير بيل خلف مربية المنزل ليفيت حتى وصلتا إلى بوابة المنزل، فتحتها ليفيت ودخلت أولًا ثم تحركت جانبًا لعبور بيل. فور أن وطأت قدماها بلاط المنزل كانت في حالة إعجاب كبير بهذا البزخ، الثرية معلّقة بإتقان وبطريقة تجعل الناظر لا يشيح النظر. السلالم على الجانبين، أسفلها أرائك مصطفة، ووسطها طاولة بيضاء تتوسطها قاعدة شطرنج زجاجية بأحجار فضية وأخرى ذهبية.

كانت الأرائك من الدانتيل الأخضر وشرشف الطاولة من اللون السكري، خلف المجلس مباشرة نافذة طويلة من زجاج الفسيفساء الملون، ستائر الستان العنابية مفتوحة قرب كل نافذة، كان السقف أشبه بلوحةٍ منسية من عصر ما، حيث تداخل فيه الذهب المدخن مع زرقة الليل الباهتة، لم تكن مجرد زينة، بل كدروعٍ ملكية مصطفة تحرس المكان، تتقاطع زواياها بنقوش نباتية دقيقة تلتف بنعومة كأنها حكايات قديمة نُقشت بأيدي النحاتين. عندما كانت تقع عليه أشعة الشمس الهاربة من النافذة، كان يبرق ببريقٍ عتيق، أخرجها صوت دقات الساعة العالية من سرحانها، أشاحت بنظرها من السقف إلى الساعة، كانت ساعة حائط ضخمة مصنوعة من خشب السنديان يصل طولها إلى ما يقارب الثلاثة أمتار.

ـ آنستي، أنا أكلمك.

أيّقظ صوت ليڤيث بيل من تحديقها الطويل الذي عزلها عن الواقع.

ـ آه نعم، أسمعك.

ـ من هنا، آنستي.

أخذت ليڤيث السلالم التي على اليمين وتبعتها بيل وهي تتحسّس المحجر الذهبي للسلالم، وقبل عبور نصف الدرج دوى صوت ذو نبرة عالية بصدى:

ـ منذ تبديل الطاقم كله، لا شيء كما كان سابقًا، هل تريدين أن تفصلي؟

كانت امرأة كبيرة السن بملامح صلبة تحمل في طياتها قسوة لا لبس فيها، بشعر يكسوه الرمادي مع خصلات سوداء، كانت عيناها كحلية اللوم تمامًا كقاع البحر، ترتدي فستانًا أرستقراطيًا كان أزرق سماوي بياقة علوية محيطة بعنقها الشاحب من الدانتيل الأبيض بأكمام ضيقة وأكتاف منفوخة، كانت الأزرار الأمامية من الدانتيل الأبيض، يلف فستانها من الخصر حزام عريض مدمج يحدد الخصر بشكل ضيق ومرفوع.

ـ ليڤيت اطرديها.

قالت إليانور وهي تنظر نحو ليڤيت ثم لبيل، أطالت النظر لبيل وملامح وجهها تتغير مع مرور الثانية تارة بشك وتارة بتعرف، ثم رمقتها بنظرة اشمئزاز وعدم رضا.

ـ ابنة روزالي، أنتِ صحيح؟

نظرت لها من أخمص قدميها وحتى رأسها، تفاجأت بيل للحظة من كلامها لكنها تعافت من الصدمة سريعًا.

ـ ولماذا تقولين هذا وكأنك مشمئزة؟

تجعدت ملامحها بقرف أكبر وصرخت:

ـ وقحة!

توسعت عينا بيل وهي تنظر لها، ثم نظرت لليڤيت التي بقيت صامتة كالتمثال، طال الصمت وكل في موقفه.

ـ جدتي، أنا سأخرج

قال شاب أشقر الشعر بملامح هادئة، بصوته الذي فيه بحة خفيفة، كان يرتدي بدلة خضراء اللون رسمية واسعة. سترة البدلة بأكتاف عريضة، تحتها قميص أبيض وربطة عنق مخططة بشكل أنيق، مع منديل أبيض صغير في الجيب العلوي. ينسدل بنطاله الطويل والواسع بنعومة حتى يصل إلى حذائه الأسود اللامع. وعلى رأسه، يضع قبعة كلاسيكية يميل ظلها قليلاً فوق عينيه الخضرين. كان يبدو هادئًا ومهمومًا.

ـ رافقتك السلامة،

قالت دون أن تبعد نظرها عن بيل، ثم تابعت:

ـ لا تتأخر، لدينا ضيوف غير مرحب بهم هنا.

انعقد حاجبا بيل بانزعاج وغضب واضحين.

تعجب الشاب من كلام جدته، لكنه غادر المكان إذ أغلقت الخادمة الباب خلفه لتعيد التوتر القائم بين بيل وجدتها.

ـ سأذهب إلى غرفتي،

قالت بيل وهي تشيح بنظرها من جدتها إلى ليڤيث، ثم تابعت:

ـ دليني عليها من فضلك يا ليڤيث

ضحكت الجدة وقالت:

ـ تتصرفين كنبيلة بالفعل!

أومأت ليفيت برأسها ثم أشارت برأسها لأحد الخادمات لتدل بيل على غرفتها، وبالفعل أرشدت الخادمة في الممر.

ـ لا تقولي إن تلك جدتي!

قالت بيل وهي تسير خلف الخادمة بالممر.

ـ آسفة يا آنستي، هذه هي السيدة إليانور.

ـ لا تعجبني بالمرة.

قالت بيل، وفور وصولها إلى غرفتها أغلقت الباب خلفها واتكأت عليه وهي تنظر إلى حذائها وتشعر بالدموع تلسع عينيها، ابتلعت ريقها بشدة وهي تتذكر نبرة جدتها أثناء ذكر اسم أمها كأنها امرأة سيئة، شعرت بغصة بحجم قبضتها تتشكل في حلقها. بقيت على حالها لبضع دقائق، ثم مسحت دموعها وسارت نحو السرير واستلقت هناك وأغمضت عينيها

ـ سرير مريح

قالت وهي تتأمل الغرفة من حولها، كان الجدار أفقياً إلى جزأين متناسقين يفصل بينهما إطار خشبي بارز، القسم العلوي كان ورق حائط يتميز بنقوش نباتية مع ألوان ترابية دافئة بتداخل متناسق بين درجات الأخضر والزيتوني، وبالأعلى كورنيش خشبي عريض، أما النافذة فقد كانت طويلة بستائر أنيقة بلون قرمزي هادئ، طاولة دائرية، رف كتب، خزانة كبيرة ومكتب، أطالت بيل في تأملها في كل شيء حتى غلبها النعاس ونامت....

ـ بهذه السرعة يا عزيزتي؟

فتحت بيل عينيها لتجد نفسها في بركة مياه كبيرة لا ترى فيها سوى السحب الماطرة والمياه.

ـ أين أنا؟

نادت بيل وهي تنظر حولها وتشعر ببرد قارس ينهش جسدها.

ـ أمي، ما الأمر؟

نادت بيل وهي تتعجب من كلمات أمها.

ـ بهذه السرعة يا عزيزتي؟

ـ ماذا؟ ماذا فعلت؟

ـ بهذه السرعة يا عزيزتي؟

ـ أوه أمي كفى! ما الأمر؟

غطّت بيل أذنيها بكلتا يديها برعب، وصوت والدتها يتكرر في مسمعها مكرراً الكلمات ذاتها.

ـ بهذه السرعة.

أنزلت بيل جسدها في بركة المياه وهي لا تسمع أي صوت، ثم يسحبها إعصار إلى القاع. فتحت بيل عينيها وهي تخرج من كابوسها برعب تام، تلهث بشدة وقلبها يقرع كالجرس. نظرت حولها لترى الغرفة، كانت متعجبة لكنها تذكرت أين هي. طرق باب الغرفة.

- آنستي

- ادخلي

فتحت الخادمة الباب ومعها إبريق ماء ومنشفة، وضعتهما على الطاولة ونظرت إلى بيل وابتسمت وقالت:

- آنستي، هل لي أن أسألك شيئًا؟

- بالطبع.

أجابتها بيل وتملكها الفضول، ترددت الخادمة مجددًا ثم سألت:

- أنتِ قادمة من بيكويل، صحيح؟ أعني هذا ما سمعته.

- أجل.

- هل تعرفين رجلًا يدعى مارك؟

- أجل، إنه جارنا.

- حقًا!

أومأت بيل برأسها، هتفت الخادمة فرحًا ثم قالت:

- ابنه يعمل بستاني هنا وسيتزوجني بعد أن ننهي سنوات خدمتنا هنا، أنا متحمسة جدًا يا آنستي!

حدقت بها بيل بهدوء ثم ضحكت وقالت:

- تهانينا.

وقفت بيل عن السرير وسألت:

- أين الحمام؟

حدقت الخادمة ببيل بخجل وسألت:

- لماذا تريدين الحمام؟

- لأغسل وجهي.

ضحكت الخادمة ثم غطت فمها بكلتا يديها، شعرت بيل بالحماقة قليلاً فقالت وخديها يتصبغان بحمرة الخجل:

- ماذا! هل قلت شيئًا مضحكًا؟

- آسفة يا آنستي، آسفة.

قالت الخادمة بعجل وخوف وهي تدرك أنها تجاوزت الحدود بحديثها:

- أنتِ الآن تعيشين مع عائلة نبيلة، لذا اغسلي وجهك هنا في الوعاء.

أشارت الخادمة إلى وعاء الماء والمنشفة على الطاولة.

- الآن فهمت، شكرًا لك.

غسلت وجهها بالوعاء وأخذت المنشفة.

- ما اسمك؟

- سمانثا.

- اسم جميل، ما معناه؟

- معناه الفتاة المطيعة المحبة للآلهة.

قطع حديث بيل وسمانثا طرق على باب غرفة بيل ثم فتح، كانت خادمة أخرى نحيلة تحمل عينين غليظتين.

- ماذا تفعلين هنا! ليفبت تبحث عنا!

أمسكت الخادمة يد سمانثا وسحبتها معها، تعثرت سمانثا بالبداية ثم نظرت إلى بيل ولوحت لها بيدها وقالت بعجلة بينما الخادمة تحاول سحبها:

- العشاء سيكون جاهزًا في تمام الساعة التاسعة مساءً، لا تتأخري آنستي!

أومأت بيل برأسها وهي تنظر بتعجب إلى سمانثا.

ـ وشيء آخر، بدلي ثيابك، السيدة إليانور تحب المثالية.

ـ قلت لكِ هيا!

شدتها هذه المرة الخادمة بقوة أكبر، ثم نظرت إلى بيل وانحنت وقالت قبل أن تغلق الباب:

ـ نعتذر عن الإزعاج آنستي.

عمَّ الهدوء في الغرفة، ضحكت بيل ساخرة وهي تنظر من خلال النافذة إلى حديقة المنزل.

ـ لديها روح نشطة.

استمرت بالنظر من خلال النافذة، ثم تساءلت عن الساعة، نظرت حولها لتجد ساعة الحائط في غرفتها تشير إلى الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة، تجمدت في مكانها من الصدمة.

ـ يا إلهي لقد نمت كثيرًا، لو كانت أمي هنا لووبختني.

سكن الحزن روحها وهي تغلق النافذة والستائر، توجهت إلى الخزانة وفتحتها، كانت مليئة بكل أنواع الفساتين والألوان، وفي الأسفل صف أحذية منوعة.

ـ حسنًا، أرى أنهم خمّنوا مقاسي.

سحبت فستان اخضر داكن اللون ، ارتدته بصعوبة فهي معتادة على الملابس الواسعة و الأكثر راحة وبساطة، كان فستان اخضر زيتي بمقيص ابيض مع قطعة من الشريط تُربط على شكل فراشة مرتبة بياقة قصيرة وأكمام ضيقة مرفوعة و ازرار ناعمة و تفاصيل من الدانتيل الرقيق و كان القماش من الاسفل و الجوانب مسحوب للأعلى لخلق ثنيات وطبقات متموجة وفي نهاية الفستان و من الاسفل حافة عريضة مكشمشة بالكامل

ارتدت حذاءً بنيًا ذا كعب أنيق ونزلت السلالم اليمنى. كان على المائدة أربعة أشخاص فقط: إليانور، الشاب الذي رأته بيل سابقًا، ورجل أشقر بملامح هادئة يجلس مقابل إليانور يحتسي الشاي، وفتاة بدت أكبر من بيل ببضع سنوات تتحدث مع الشاب الذي بدا غير مركز معها.

ـ حضوركم يشرفني يا مارتن، وسأكون سعيدة بحضور روبرت وليلي.

ـ شكرًا على ترحيبك سيدة إليانور، إلا ويُسرني الحضور. قبلهم لأحظى بشرف مقابلتك.

كان صوت الرجل صوتًا هادئًا من النوع اللافت، صوتًا نقيًا بلا صدى.

ـ ستأتي غدًا، لقد وعدتني يا آرثر.

قالت الفتاة وهي تبدو يائسة. شد الشاب قبضته على شوكته ورد:

ـ قلت لك سوف أفكر بالأمر.

ـ لكنك وعدتني!

صاحت الفتاة بصوت باكي واقفة عن كرسيها. ضرب الشاب قبضته على الطاولة وهم بالمغادرة، فتبعته الفتاة.

ـ سوزي اتركيه.

قالت إليانور وهي تبتسم ثم تابعت:

ـ هو يحتاج لأن يكون وحيدًا.

عادت سوزي وجلست، نظر لها مارتن وقال:

ـ أنتِ خطيبته؟

أومأت، وقفت بيل أمام المائدة وقالت:

ـ مساء الخير جميعًا.

اتخذت مقعدًا بهدوء، نظرت لها إليانور بعدم رضا وتركَت طعامها وأشارت للخادمة بأن تسكب لها الشاي.

ـ سدت شهيتي.

علقت وهي تعدل جلستها، باشرت بيل في تناول عشاءها، واجهت مشكلة في التحكم بالسكين مع الشوكة لكنها اعتادت سريعًا، كان مارتن وسوزي يحدقان بها بتعجب حتى علقت سوزي دون تردد وخجل:

ـ ما هذا؟

ـ إنها سوقية اعتبري وجودها من عدمه واحد ولأني لم أرغب يومًا في وجودها بهذا المنزل.

صاحت آخر ثلاثة كلمات وصوتها يثور ويعلو من الغضب والكراهية. الصدمة تسكن سوزي التي ابتعدت عن بيل وقالت:

- ماذا هذا القرف؟ لماذا تجلس هنا وتلبس مثل ملابسنا؟

توقفت بيل عن الأكل ووقفت ثم أشارت لنفسها وهي تضع يدها على صدرها بتعريف:

- أليس والداي من النبلاء؟ أبي من عائلة نبيلة وأمي كذلك. كوني نشأت في الريف لا يعني انعدام النبل مني يا جدتي، وإن كنتِ لا تحبين مكوثي هنا فلا تراجعيني بل راجعي جدي الذي دعاني للمكوث هنا. والآن عن إذنكم.

أمسكت المنديل ومسحت فمها ثم غادرت المائدة عائدة إلى غرفتها. حدقت إليانور بالمكان الفارغ الذي تركته بيل ثم ملأت تجاعيد الكره وجهها وهي تغمض عينيها وأعصابها قد تلفت بالقعل.

- إنها تشبه أمها كثيرًا يا لها من كارثة!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Family secrets اسرار العائلة

المؤلف راوية
2026/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة