الفصل الثاني ( انقلاب)

الفصل الثاني ( انقلاب)

4 0

فتحت بيل عينيها لتجد نفسها في غرفة المعيشة، رمشت ببطء مدركةً أنها لم تنم في غرفتها بل هنا. نظرت إلى ساعة الحائط، فوجدتها تشير إلى الثامنة صباحًا. صعدت إلى الطابق العلوي محاولةً استئناف نومها، لكنها توقفت في منتصف الدرج، تستعيد في ذهنها ما جرى الليلة الماضية؛ إذ خرجت والدتها لتحضر النعناع ولم تعد.

صاحت

ـ امي !

لم تلقَ أي رد. نظرت حولها في المنزل، فلاحظت باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه وكيس تفاح ملقى على الأرض.

تساءلت بقلق: ـ هل عاد أبي؟

فتشت المنزل بأكمله فلم تجد أحدًا، فانتابها الرعب. خرجت مسرعةً تبحث عنهما، تجري وتلهث وتطرق أبواب الجيران. فتحت السيدة شيريل الباب وقالت:

ـ ما الأمر يا بيل؟ منذ الصباح الباكر وأنت تطرقين الباب.

ـ هل رأيت أمي... أبي أي أحد؟

ـ ماذا تعنين؟

سألت السيدة شيريل بحيرة وقلق.

ـ استيقظت من النوم ولم أجدهم.

قالت بيل بعصبية وهي متوترة جدًا، ضحكت السيدة شيريل.

ـ خرجا من دونك كما كانوا يفعلون وأنت صغيرة، كانوا يتركونك عندي وكنتِ

ـ باب المنزل كان مفتوحًا، أي هراء تتحدثين أنت!

صرخت بها بيل، تجمدت السيدة شيريل في مكانها، ثم نادت على زوجها السيد شيريل بقلق.

غادرت بيل المكان مسرعة وهي تفتش القرية، ثم دوى صوت إطلاق نار من مكان ما.

ـ ما هذا الصوت؟

سألت بيل وهي تحاول تحديد مصدر الصوت، لكنها كانت متوترة للغاية، حواسها كلها مشتتة. حاولت الإصغاء، لكن صوت نبضات قلبها كان مثل قرع الطبول في وسط سيريك. استمرت بالبحث في كل مكان حتى انقادت إلى وسط الغابة. لمحت حركة قرب شجرة، وسرعان ما استدارت لتلقي نظرة، لكنها لم ترَ أحدًا. راودها شعور أنها تتوهم، لكن تكرر ما رأته مرتين، وكانت موقنة أنها سوف تلمح الحركة لولا وصول السيد شيريل.

- بيل، ماذا تفعلين هنا وحدك! المكان خطير.

قال السيد شيريل وهو يرفع بندقيته:

- سيد شيريل!! والداي مفقودان ولدي شعور أن...

- عودي إلى المنزل

قال السيد شيريل وعرق التوتر يملأ جبهته المجعدة. دوى صوت إطلاق النار ثانية، وكان الصوت أقرب بكثير من المرة الأولى. فزعت بيل من مدى قرب الصوت، بدا كأنه يسكن أذنيها. دفعها السيد شيريل بعيدًا.

ـ قلت لكِ عودي!

نظرت بيل حولها بفزع، ثم انطلق الرصاص مرة أخرى. انهارت بيل على ركبتيها، تضم رأسها بين يديها. انطلق السيد شيريل الذي تمكن من تحديد مصدر الصوت ليرى المشهد المروع أمامه. جون يقف وبيده سيفه الغارق بالدماء، وأمامه رجل يوجه نحوه سلاح الطاحونة. كان الإثنان في حالة يرثى لها، وكبرياء كليهما ترفض الانهيار أرضًا.

ـ واحدة لك وواحدة لي، هذا هو العدل

قال الرجل وهو يحدق بجون الذي بدا أنه بالكاد يبصر.

- هل تعلم كم الحقد الذي أحمله تجاهك، ريتشارد، أكثر مما تتخيل بكثير

- يسرني سماع هذا، إن لم تعثر على السعادة فعكر سعادة الآخرين.

- هل أنت سعيد بما فعلت؟ هل تعلم أني لم أعد أشعر بشيء؟ مجرد رؤيتي لزوجتي هناك ملقاة بلا حياة تفقدني رغبتي في الحياة... أنت محق، رصاصة لي ورصاصة لك.

- أخبرتك لكنك تحب إطالة الحديث.

وصلت بيل لترى المشهد أمامها، وكل شيء فوضوي. نظر لها السيد شيريل، للأسف لم يلحظ لحظة حضورها فقد فات الأوان. أطلق ريتشارد رصاصة على قلب جون مباشرة. حاولت بيل التحرك لكنها شعرت أن قدميها قد تجذرتا بالأرض، هي لم تقوَ على الحركة حتى. وجه ريتشارد المسدس على رأسه وضغط على الزناد ليستلقي جثة هامدة قرب جون وجثة روزالي كانت تبعد عن الاثنين كبعد الشمس عن القمر وكبعد القلب عن العقل....

السيد شيريل ينظر إلى بيل التي عانقها هدوء، وانهار الجسر بين عقلها وشفتيها تاركًا إياها في عالم من الصمت المطبق الرنان.

بعد لحظات سارت بيل نحو والدها وجثت قربه وهي تبدأ بالبكاء بصوت منخفض يعلو ببطء ليتحول إلى نشيج عالي تقشعر له الأبدان. كان أهل القرية قد تجمعوا بالفعل، والقرية في حالة فوضى. لم تقوَ بيل على النظر إلى جثة والدتها رغم أنها واثقة كونها لمحتها سابقًا وتريد تجاهل الأمر...

فتحت بيل عينيها ببطء لتجد نفسها في سقف غير سقف منزلها، كان منزل السيد شيريل. ألقت نظرة على النافذة، كانت الشمس قد باشرت بالفعل بالغروب، والوهج البرتقالي يملأ الغرفة كلها. رمشت وهي تفرك عينيها وتنظر حولها. كانت على أريكة ،

السيدة شيريل تعد الحساء، جيني تقوم بحياكة ثوب بيل الممزق. نظرت لنفسها، كانت ترتدي ملابس جيني. اتكأت برأسها على الحائط وهي تراقب جيني.

ـ صحوتي؟

سألت جيني بقلق وهي تنظر إلى بيل. توقفت السيدة شيريل عن تحريك الحساء وألقت نظرة على بيل. وضعت بيل وجهها بين يديها بهدوء، ثم وقفت عن الأريكة وأخذت الثوب من يدي جيني بحركة سريعة.

ـ شكرًا لك.

قالت باقتضاب ، تبادلت جيني والسيدة شيريل النظرات، نظرات مترددة وحزينة.

ـ متى الدفن؟

سألت بيل وهي تنظر إلى السيدة شيريل التي لم تجب في البداية، ثم قالت:

ـ صباح الغد

لمحت السيدة شيريل حركة قرب النافذة، لكنها تجاهلت الأمر.

تشكلت الدموع في عيون بيل مثل حبات اللؤلؤ، وقالت وهي تبكي

ـ هل هذا حقيقي؟ الأمر مثل... لا أعرف، مثل شيء خطأ.

ـ بيل.

قالت جيني وصوتها يهدد بالبكاء. جلست بيل على الأريكة وأغمضت عينيها.

ـ سوف أنام وحين أصحو سيكون كل شيء عاد طبيعيًا...

استمرت بيل بالتحديق في النافذة لساعات، والرمش يأتي بين حين وآخر كتذكير بالواقع. رأت رجلًا أشقر أمام النافذة.

ـ والدي.

قالت بهدوء، ابتسم الرجل بهدوء ورحل.

مراسم الدفن

حلَّ الصباحُ باكرًا جدًّا أبكر من المعتاد، نظرت بيل إلى قبر والديها في لحظة، وفي اللحظة التي تليها كانا أسفل التراب.

- لا تكن عجولًا معها يا مفتش، الفتاة لا تزال في صدمة.

قال السيد مارك وهو يقف في وجه المفتش:

- اعذرنا يا سيد، نحن نقدر الظروف ولدينا أعمالنا.

تنحى السيد مارك جانبًا فاسحًا المجال لمرور المفتش، وقف قرب بيل وسعل بخفة.

- أقدم لك أصدق التعازي يا ابنتي.

- شكرًا لك.

قالت بيل وهي تركع وتتحسس تراب قبر والدتها.

- كم عمرك إذا كان بإمكاني أن أسأل؟

- عمري ستة عشر عامًا.

- هل تعرفين ما صلة القرابة بين القاتل ووالديك؟

سأل المفتش بيل وهو يراقب ردود فعلها، أطالت النظر لشاهد القبر ثم نظرت للمفتش.

- لا أعرف شيئًا لكن...

- لكن ماذا؟

- والداي من عائلتين أرستقراطيتين.

- وما الذي دفعكم للقدوم هنا؟

- لا أعرف، لم أكن مولودة.

بعد تسعة أيام

ـ اتركيها اترك دميتي!

صرخ توني وهو يسحب اللعبة من بيل وهي تضحك وتدفعها بعيدًا عنه.

ـ لن تحصل عليها، حاول مرة أخرى لاحقًا.

قالت بيل وهي تضحك وترفع دمية توني بعيدًا عن متناوله، ضحكت السيدة بلانتش وهي تحتسي الشاي مع السيدة شيريل.

ـ بيل تحسنت بسرعة، لأكون صريحة هذه القتاة تفاجئني حقًا.

ـ أحسن السيد جون والسيدة روزالي تربيتها، إنها صلبة كالصخر.

قالت السيدة شيريل وهي تضع طبقًا من البسكويت أمام السيدة بلانتش، استسلمت بيل وأعطت الدمية لتوني وألقت بنفسها على الأرضية، اندفعت السيدة والتر وصرخت:

ـ سوف توسخين ملابسك!! قفي حالًا.

سارعت بيل بالوقوف وهي تنفض ملابسها وقالت

ـ على رسلك، لم يحدث شيء

ـ لم يحدث شيء! وملابسك! أنا من أغسلها وأقوم بطيها و...

تنهدت بيل بانزعاج وهي تستمع لمحاضرة السيدة والتر.

ـ بيل أنا جاهزة.

قالت جيني وهي تدور لتبرز فستانها لترى رد فعل بيل.

ـ إنه يليق بك كثيرًا.

علقت بيل وهي تتأمل فستان جيني.

ـ لنذهب.

في متجر القماش:

ـ تفضل يا سيدي

ـ شكرًا يا آنسة

قال البائع وهو يناول جيني رزمة من القماش ويأخذ العملات باليد الاخرى

ـ أنتِ مبذرة

قالت بيل وهي تنظر لكمية القماش بين يدي جيني

ـ أيتها اللئيمة! هل تظنين أنَّ كلَّه لي؟ أحضرت نصفه من أجلك.

ضحكت بيل على رد فعل جيني وقالت وهي تشير لها بهدوء

ـ حسنًا، اهدئي، لم أقل شيئًا... شكرًا على أي حال.

بدأت بيل وجيني تسيران في طريق العودة إلى القرية، وجيني تنظر إلى العربات.

ـ تخيلي لو أني وُلدت في عائلة نبيلة يلفها الغنى والمال، كنت سوف ألبس كل يوم فستانًا مميزًا، وسوف أحضر مصمم أزياء خصيصًا لي في منزلي... أعني قصري.

ـ وهل تظنين حياة النبلاء بتلك الروعة؟ معظمها مبنية على الجشع والمصالح.

ـ لماذا تقولين هذا؟ هل عشتِ معهم؟

تهجمت جيني على بيل، أخذت بيل رزمة القماش من بين ذراعي جيني وقالت وهي تسير أمامها مسرعة

ـ سمعت ما يكفي لعدم الرغبة في العيش معهم.

في المساء

- بيل عزيزتي، غدًا سوف نعود لمنزلك لتنظيف الغرف، لا بد أنها امتلأت بالغبار.

قالت السيدة شيريل بينما بيل تقرص خدي توني الذي يكبح بكائه بشق الأنفس كي يستعيد الدمية من بيل.

- حسنًا كما تشائين غدًا.

قالت بيل وهي لا تبدو مهتمة بما قالته السيدة شيريل بتاتًا، صعدت بيل إلى غرفة جيني تاركة توني يبحث عن الدمية.

- إنها تحاول جاهدة الابتعاد عن المنزل.

قالت السيدة شيريل بحزن.

- وهذا هو القرار الصحيح.

قال السيد شيريل وهو يفحص بندقيته ثم أضاف:

- لو بقيت هناك لكان أصابها مكروه لا سمح الله.

- ربما تكون على حق.

طرق على الباب، توجّه السيد شيريل لفتح الباب؛ كان المفتش.

ـ حضرة المفتش.

قال السيد شيريل بينما المفتش يخلع قبعته.

ـ طاب مساؤك سيد شيريل.

استضاف السيد شيريل المتفش بمنزله، والذي بدوره طلب رؤية بيل.

ـ بيل تعالي هنا.

نادت السيدة شيريل ...

وقفت بيل والرسالة بين يديها بغلاف أبيض وختم نادر وخط يد أنيق موقع في الأسفل باسم "رالف فالتون".

ـ إنه جدي.

قالت بيل وهي تفتح الرسالة وتضع الغلاف على الطاولة واتخذت مقعدًا.

﴿ أقدِّمُ صادقَ تَعازِيَّ لكَ ولي على وَفاةِ ابني، وأقدِّرُ أَلَمَكَ وحُزْنَكَ على فِراقِهِ هو وزوجتِهِ السَّيِّدةِ روزالي. كانت وَفاتهُما صدمةً لنا جميعًا، ووُصولُ الخَبَرِ متأخِّرًا أكثر ألمًا. ولا يَسعَنِي سوى احتوائِكَ وضَمِّكَ لنا عند عائلتِكَ، عند أقربِ الأشخاصِ لكَ بعد والديكَ، عند من سوف يقفُ في ظَهْرِكَ عند الشِّدَّةِ وأمامَكَ عند الخطأ. أرحِّبُ بكَ في منزلي لتعيشي معنا بكلِّ حبِّكَ ورغبةِ جدِّكَ الحبيبِ رالف فالتون. ﴾

أنهت بيل قراءة الرسالة بصوت مسموع ثم وضعتها على الطاولة وقالت

- كم هي جافة هذه الدعوة

- ماذا تقولين يا بيل؟ ألا تنوين الذهاب؟

قالت السيدة شيريل وهي تنظر إلى بيل بحيرة

- يؤسفني أن القرار لا يعود لك، لم تبلغي سن الرشد، ومسألة الوصاية عليك أمر حتمي لا مفر منه، وبالطبع لن تبقي مع عائلة السيد شيريل.

- ما هذا الكلام أيها المفتش؟ إنها مثل ابنتي، لن أدعها.

قالت السيدة شيريل بتجهم

- القانون قانون.

رد المفتش

ثبتت أنظار الجميع على بيل بانتظار قرارها....

- إذا سوف أذهب وأعود إلى هنا بعد عامين، الأمر لن يطول.

قالت بيل وهي تسير نحو الدرج لتصعده، ثم نظرت للسيدة شيريل وقالت:

- هل يمكنك كتابة رسالة لجدي، سيدة شيريل؟

أومأت السيدة شيريل بحيرة و تردد ، استدار السيد شيريل وهو ينظر للمفتش وسأل:

- هل أغلقت القضية تمامًا، حضرة المفتش؟ بقي تعبير المفتش هادئًا تمامًا، ثم همس بشيء في أذن السيد شيريل، مما جعل كيانه كله يتجمد

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Family secrets اسرار العائلة

المؤلف راوية
2026/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة