"التضحيات في بعض الحيوات كسلالم من ذهب تفرش طريقًا
لمسهب.
والوعي قبل وقوع الكارثة كنزع فتيل قنبلة في حضانة. هذا ما قاله لي الفارس الأسود.
"تركتها في الصندوق هناك... لا أستطيع فتحه" قلت وأنا
أنظر إلى زاوية الغرفة والغبار يتخذ منه مسكنًا.
قبل ستين عامًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
- لم تعرف بعد، صدقيني، لا داعي لكل هذا التذمر.
قال جون رالف وهو يعلق سلة الزهور فوق غصن شجرة الزان، نفض ملابسه وهو يهبط أرضًا قرب بيل.
- أنت تقول إنها لم ترَ أي شيء، وهي بالفعل تعرف كل شيء يا أبي، وعلى أي حال سوف أراقب تعابيرها وأعرف إن كشف الأمر أم لا. تراجعت بيل بضع خطوات للخلف لتتفقد المكان بعين ناقدة.
- أنت فاشل يا أبي.
- لقد أتت والدتك!
ـ هل هذا صحيح ؟
سألت بيل وهي تستدير لتنظر اسفل التل و اذ بها بالفعل روزالي تصعد التل
ـ ماذا تفعلين يا امي ؟ كان عليك مناداتي للمساعدة ليس عليك حمل كل هذه الاشياء وانتي حبلة
ـ انها مجرد سلة طعام يا عزيزتي لا داعي للمبالغة
انحدرت بيل نزولا من التلة واخذت السلة من والدتها
ـ الحذر واجب
علقت وهي تشير لوالدها بالنزول.
استلقت بيل على العشب، وروزالي تنشر الأطباق على البساط ، جون يلقي نظرة لأعلى شجرة الزان.
قفزت بيل من مكانها ودفعته منزعجة، ونظرت لأمها بحيرة محاولة تشتيت انتباهها عن ما فعله جون.
ـ كم سيصبح عمرك اليوم يا أمي؟
ـ عمري؟ أنا؟ لماذا تسألين... مهلاً هل اليوم عيد ميلادي؟
في اللحظة التي كشفت بيل فيها كل شيء، انفجر جون ضاحكًا وهو يجلس أرضًا متكئًا على الشجرة. ضحكت بيل بتردد وحاولت تغيير الموضوع.
ـ أعني عيد الميلاد القادم.
أنسابت ضحكتها كالرنين ملطفة الأجواء وهي تستمع لكلام ابنتها.
ـ أصبحت في الثالثة والأربعين، كبيرةً بما يكفي، أليس كذلك؟
ـ ما زلت شابة عزيزتي.
ابتسم جون وهو يميل برأسه لحجرها ويغمض عينيه.
ـ مرت السنوات وما زلت أشعر أني في حلم.
تنهدت بيل بملل، وهي تُسند وجهها إلى يديها.
ـ هذه حفلة عيد ميلاد وليس ذكرى زواج.
علقت بيل وهي تضحك بسخرية، احمرت وجنتا روزالي أثناء ضحك جون.
ـ وماذا تريد أن نفعل حضرتك؟
ـ أن نأكل ونشرب ونستمتع بالذكرى، هذا كل شيء، هل هذا غير مسموح؟.
ـ قطفتها بعناية.
قال جون وهو يفك سلة الزهور عن غصن الشجرة، نظرت روزالي إليه وتركت تنظيف البساط وابتسمت.
ـ شكرًا لكَ عزيزي، إنها جميلة جدًّا تمامًا كما أحبها.
ـ وهذه مني.
أخرجت بيل من خلفها منحوتة خشبية من صنعها كانت على شكل فيل ذو قرنين.
ـ شكرًا عزيزتي... منذ متى وأنتِ تصنعينها؟
قالت روزالي وهي تأخذ المنحوتة الخشبية
ـ منذ شهر، لقد صنعت اثنتين، لكن الأول حرقه أبي ظنًّا منه أنه حطب.
استمرت النزهة إلى ما يقارب الغروب تقريبًا، وكان جون قد أجل عمل الصباح إلى المساء كي يستمع اليوم بعيد ميلاد زوجته ، وكانت بيل ترى هذا اليوم جميلاً ورائعًا وتمنت أن يدوم، لولا عمل جون الذي دفعه للذهاب وترك بيل وروزالي في المنزل. ولم يكن لديه أي فكرة في اللحظة التي قال فيها "أراكم مساء"، ستكون آخر جميلة تسمعها منه....
- تأخر والدك كثيرًا، أليس كذلك يا بيل؟
- ....
- بيل؟ قالت روزالي وهي تتوقف عن الحياكة وتنظر إلى بيل التي كانت تحدق بصورة برنارد على المنضدة.
- تفكرين به؟
- هل سيعود؟
- ولم لا؟ هو نشأ هنا وحياته كلها هنا، كونه ابتعد بضع سنوات لا يعني أنه نَسِيَنا.
- أنا لا أقول أنه نسينا أو شيء من هذا القبيل، أنا أعني فقط أنه ربما وجد حياة أفضل.
تنهدت روزالي وهي تقف وتسير نحو المطبخ وتفتح رف الأعشاب.
- ما رأيك أن نشرب الشاي ريث عودة والدك؟
- فكرة جيدة.
باشرت روزالي في إعداد الشاي حتى أدركت أن النعناع قد نفد بالفعل منذ يومين.
- لا يوجد نعناع.
- هل أذهب لأحضر؟
- الوقت متأخر، سوف أذهب أنا.
- هل آتي معك؟
- الوقت متأخر، سوف أذهب أنا وأعود سريعًا، أحضري البسكويت ريث عودتي.
سارت روزالي في شوارع القرية مترددة لأن الوقت قد تأخر،
راودها شعور سيئ بشأن الخروج في هذا الوقت لكنها تجاهلت الأمر وشقت طريقها إلى منزل السيدة شيريل.
هبت رياح جافة محركة كل أوراق الأشجار ،
كانت السماء صافية.
ترجل رجل من العربة يرتدي رداءً أسود يخفي ملامحه، همس بشيء ما للسائق ثم انطلقت العربة مسرعة بعيدًا عن المكان. ألقت روزالي نظرة ثم استمرت بالسير قبل أن تلتف يد قوية كالقبضة الحديدية حول معصمها. سحبها الرجل نحوه بقوة كبيرة وبيده الأخرى كتم أي صوت قد يخرج منها. هبت الرياح أقوى مما هي عليه لتزيل غطاء الرأس الذي يخفي ملامحه والقمر يتوهج كشاهد على الحدث.
ـ لم نلتقِ منذ زمن بعيد، روزالي.
توسعت حدقتا عيني روزالي وهي تنظر إليه، تكاد لا تصدق عينيها وكأنها ترى شبحًا. تحركت في قبضته محاولة الابتعاد أو طلب النجدة، لكن الوقت قد تأخر بالفعل. شحب وجهها وهي تدرك مصيرها، وسرعان ما طوقت رحمها بكلتا يديها. تناول خنجرًا من معطفه وغرزه ببطء شديد في بطنها كما لو كان يزين كعكة. انهارت ساقاها وهي تلهث من الألم.
ـ لم أرد هذا، أقسم لك.
قال بهدوء وهو يعانقها وهي بالكاد تتنفس.
ـ اشتقت لك كثيرًا أكثر مما تتخيلين.
شق الخنجر طريقه على طول صدرها وصولا لرقبتها، لم يكن هناك نفس، فقط دماء تطلخ المكان. سحبها معه نحو فسحة عشبية تلفها الأشجار، وضع الجثة على الأرض بسلام ومسح شعرها.
ـ كنت أعرف أني لو لم آتِ، كنت سوف تكونين بخير، لكن هو أخبرني وشجعني وما كنت أرفض.
نظر لوجهها الساكن بهدوء والدموع بعينيه.
ـ أتمنى لو عشت معك ما كان عليك الذهاب مع آرثر. تركتني مع ماري وهي ضحت من أجلك. الكل يضحي من أجلك يا روزالي، حتى إيميلي. الجميع أحبك وأنا ... قتلتك.
استلقى قربها على العشب يحدق بالسماء حتى بزغ الفجر وزقزقة العصافير قد بدأت. لم يشعر بالوقت، مر بسرعة. نظر لها، كانت شاحبة حقًا بشدة، والدماء جافة وملامحها مطفأة.
ـ تبدين مرعبة.
علق وهو يمسح شعرها، ابتسم بهدوء.
ـ خطاياي كثيرة، لذا أنا لا أطمح إلى الجنة. لقد أذيت شخصًا كثيرًا ولم أشعر بذرة ذنب، لكن شعوري أني أخطأت بحقه يعني أني ما زلت أملك روحًا، صحيح؟
حدق بجثة روزالي التي لا تستجيب.
ـ ما أسرع أن تنتهي الأشياء بسرعة بعد أن ظننا أنها قد تدوم.