صدى الظلال

صدى الظلال

1 0

سار الثلاثة بلا توقف طوال ما تبقى من تلك الليلة، والأرض الأرجوانية من حولهم تتنفس معهم بكل خطوة - وكأنها تحاسبهم على الوقت.

ومع أول خيطٍ من فجرٍ لم يكن كغيره، وصلوا. لم ينكسر شيء - ليس بعد - لكن الهواء أخبرهم أنهم وصلوا بالكاد في الوقت المناسب.

وهناك، عند حدود مكانٍ لم يعرفوا اسمه، أدركوا حضوره: ثقلٌ في الصدر، كأن النداء لم يصل إلى آذانهم... بل إلى شيءٍ أعمق منهم.

لم يتحركوا فورًا.

بعض النداءات لا تكفّ عن الإلحاح، حتى يستسلم من يقاومها.

منذ تلك الليلة التي رأى فيها الأربعة الحلم نفسه، بدأت النبوءة تتحرك.

لم يعد الصمت كما كان.

فقد وُلدت النبوءة مع الحريق الأول.

لم تكن حبرًا على جدرانٍ منسية،

بل صارت طريقًا يُساق إليه من لا يعرف لماذا اختير.

ومنذ حينها، لم يعد أي منهم قادراً على تجاهل ذلك الإحساس، ولا التظاهر بأن الحلم كان مجرد وهم.

لم يكن الصوت الذي سمعوه في قلوبهم مجرد صدى؛ بل أحاط بهم من كل اتجاه - من الأرض، من السماء، ومن الأعماق التي لم يعرفوا لها اسمًا.

تغيّر الهواء من حولهم، وثقُل، كأنه يحمل رائحة رماد قديم وأثر دماء لم تجف منذ قرون.

تقدمت رُهى بخطوة مترددة، يدها تمسك مقبض خنجرها، بينما عينها اليسرى التي طالما خانت مشاعرها بألوانٍ متغيرة - بدأت تلمع الآن بشيءٍ لم تعرفه من قبل:

ليس غضبًا، ولا حزنًا، بل شيئًا أعمق، كأن القوة نفسها استيقظت خلف نظرتها.

لم تلاحظ التغيّر في عينها، إلا حين لمح إيليان ذلك، لكنه لم يقل شيئًا.

أما نيروفين، فقد كان يحدق في الأفق وكأنه يرى شيئًا لا يراه الآخرون، وجهه شاحب لكن ملامحه مشدودة.

قال إيليان بصوت منخفض، وهو يراقب الظلال التي تتحرك بين الصخور البعيدة:

— هذه الأرض... تعرف أننا هنا قبل أن نصل إليها.

لم يجب نيروفين، لكن قبضته اشتدت حول رمحه.

أما رُهى، فشعرت بوشمها ينبض بشدة أكبر، كأنه يوافق على كلام إيليان دون أن تنطق.

فهم الثلاثة، كل بطريقته، أن شيئاً واحداً جمعهم إلى هنا:

لم يأتوا إلى هذا المكان مصادفة.

لم يتفقوا على القرار بكلمات، لكن الألم وحّدهم صامتاً، والصوت طغى على كل تردد.

حاول كل واحدٍ منهم تجاهله... وفشل.

ووشم رُهى الذي لم يهدأ منذ عبروا الجسر، والألم الذي استيقظ في صدر إيليان كلما اقتربوا من هذه الأرض، والهمس الذي لم يترك نيروفين ينام…

كلها قادتهم إلى هنا.

لم يكن لديهم خيار آخر.

إما أن يتبعوا النداء،

أو يتركوه يتبعهم حتى النهاية.

لم تمر سوى لحظات حتى هبّت ريح باردة مفاجئة، تحمل بين طياتها همسات غير مفهومة.

الكلمات كانت تلتف حول آذانهم وتذوب قبل أن تُفهم، لكن رُهى شعرت أن الحروف تحاول اختراق عقلها، تدعوها لتتبعها.

ابتسم نيروفين ابتسامة خفيفة لم تحمل أي راحة:

— هذا الطريق… أعرفه، رغم أني لم أطأه من قبل.

لم يعترض إيليان، رغم أن عينيه ضاقتا بشكٍّ صامت - لم يكن الوقت مناسبًا للجدال، لا للثقة العمياء. تبعوا نيروفين، كل واحدٍ منهم يخفي شكوكه الخاصة.

سار نيروفين في المقدمة بثقةٍ لم يفهمها حتى هو، وكأن قدميه تتذكران طريقًا لم يسلكاه من قبل.

مشوا ساعاتٍ طويلة، والأرض من تحتهم تتغيّر ببطء - تراجع الصخر الأجرد، وظهرت أطلالٌ سكنها البشر يوماً، ولم تكن صامتة كما بدت؛ كأن حجارتها تحمل ذكرى صراخٍ قديم.

قادهم الطريق بين تلك الأطلال حتى انتهى بهم إلى ممرٍ حجري ضيق، يلتف بين جبال سوداء كأنها شُكّلت من ظلال متجمدة.

كلما توغلوا أكثر، ازدادت حرارة الأرض تحت أقدامهم، وللحظة، شعرت رُهى بأن أحدًا يراقبهم.

ليس كالكائنات، بل كشيء… أقدم.

حين التفتت، لم ترَ سوى ظلٍ أطول من اللازم، ثم اختفى.

وتصاعدت طقطقة الصخور من بعيد، كأن شيئاً ينهض من سباته.

توقفت رُهى فجأة. بدأ قلبها ينبض بسرعة... وصوت النبوءة عاد، لكن هذه المرة كان أوضح:

'حين تلتقي الشرارة بما لا ينكسر… وحين يمدّ الظل يده قبل اكتمال الضوء… تُفتح أبواب لم يُسمح لها بالانفتاح.'

شيءٌ في داخلها ارتجف عند سماع تلك الكلمات - ليس خوفاً، بل شبه تذكّر، كأن جزءاً منها يعرف هذه الجملة رغم أنها تسمعها للمرة الأولى. حاولت أن تمسك بالإحساس قبل أن يفلت، لكنه تلاشى كالدخان.

قالت رُهى وهي تلتفت إليهما:

— سمعتم هذا؟

أومأ إيليان، لكن ملامحه ازدادت صرامة:

— نعم… ويبدو أن هذا المكان يعرفنا قبل أن نعرفه.

لم يكن أمامهم سوى أن يكملوا، حتى وصلوا إلى بوابة حجرية ضخمة، نصفها مغطى بالرموز القديمة، والنصف الآخر محطم كأن قوة هائلة حطمته. فوقها، كان هناك تمثال مكسور، وجهه غامض الملامح، لكنه يحمل في يده سيفًا يشبه سيف إيليان بشكل غريب.

وقبل أن يلمسوا البوابة، اهتزت الأرض بعنف، ومن بين الشقوق خرجت كائنات تشبه البشر، لكن أجسادها مشوهة، وعيونها تحترق بضوء أحمر.

كان عددهم كبيرًا، لكن الغريب أنهم لم يهاجموا فورًا، بل أحاطوا بالمكان وأغلقوا عليهم طريق العودة.

رفع إيليان سيفه، والتفت إلى رُهى ونيروفين:

— يبدو أننا أمام اختبار أول...

ابتسمت رُهى بخفة، وعينها اليسرى تلتمع أكثر :

— إذن لنرَ من سيصمد.

انطلقت المعركة، وصوت الحديد على الحجر ملأ المكان، قاتلت رُهى بخنجرها، بينما كانت النار تتسرب من يدها بلا قصد كلما اقترب منها عدو، كأن جسدها يدافع عن نفسه بطريقة لم تتعلمها بعد. وفي كل مرة اشتعلت فيها، كانت رُهى تخاف من نارها أكثر مما تخاف من الأعداء أنفسهم.

لكن المفاجأة كانت أن بعضهم لم يتأثر بالنيران؛ بل امتصّها، ثم أعاد قذفها نحوها.

قاتل إيليان بسيفه بمهارة من تدرّب سنوات طويلة، حركاته سريعة ودقيقة، دون أن يلجأ إلى قوة الجليد بداخله، محتفظًا بها كسرٍّ لم يُكشف بعد.

أما نيروفين، فقاتل برمحه كسلاحٍ عادي، وحين اقترب الخطر منه أكثر مما ينبغي، سمح لومضاتٍ خافتة من الضوء البنفسجي أن تتسلل من أطراف أصابعه - بالكاد كافية لتشتيت عدو، لا لإسقاطه.

في لحظةٍ واحدة، توقف كل شيء… لم يوقفهم صوتٌ، بل إحساسٌ مفاجئ بأن القتال لم يكن موجهاً لهم أصلاً...

خرجت النار عن إرادة رُهى. لم تعد تسمع الأصوات، لم تعد ترى وجوههم. الوشم اشتعل، والنار لم تعد تميّز بين عدوٍ وصديق.

للحظةٍ مرعبة، خافت أن تحرق كل شيء، حتى نفسها.

في تلك اللحظة، لم تكن النار مجرّد قوة خرجت عن السيطرة،

كانت نداءً.

شيئًا أُطلق دون قصد… لكن سُمِع في أماكن أعمق مما ينبغي.

اهتزّ الهواء من حولهم، لا بفعل الحرارة، بل بثقلٍ خفي - وكأن العالم كله كان ينتظر، حابساً أنفاسه.

شعر إيليان بوخزٍ حاد في صدره، وكأن النار في داخله استجابت لنار رُهى، بينما راحت ألسنة اللهب حولها تزداد اضطراباً.

حاولت ان تتحكم في قوتها، لكن النار استمرت في التمدد حولها، حتى أضطرت إلى إخراج خنجرها وغرزه في الارض، وأمسكت به بكل قوتها، ثم جلست على الأرض كي لا تفقد السيطرة أكثر.

أما نيروفين، فركع دون أن يفهم لماذا، كأن الظل في داخله انحنى لشيءٍ أعلى منه.

عندها فقط، أدركوا أن ما انفجر لم يكن غضب رُهى...

بل حدودًا قديمة تمّ تجاوزها.

جميع الكائنات تجمدت في مكانها، ثم تراجعت ببطء، كأنها تلقت أمرًا.

ثم حدث الصمت - لا صليل سيوف، لا همسات، لا حتى صوت أنفاسهم. حتى الريح توقفت عن الحركة.

شيءٌ ما كان يراقبهم... ولم يكن بحاجة إلى أن يُرى، ليُشعِرهم بوجوده.

لم يكن الصمت طبيعيًا.

حتى الكائنات التي أحاطت بهم بدت كأنها تنتظر شيئًا.

ثم انطفأ آخر صوت في المكان.

عندها، تحرك أحد الظلال.

ظهر رجلٌ طويل القامة، مغطى برداءٍ أسود، لا يظهر منه سوى عينين بلون الذهب.

شدّ إيليان قبضته على السيف دون وعي، بينما شعر نيروفين بأن الظل في داخله ينحني، ونزلت النار في صدر رُهى إلى هدنة غريبة.

صوته كان عميقًا، وكأنه خرج من بئر لا نهاية لها:

— أبناء النبوءة... لم يحن وقتكم بعد.

واختفى كما ظهر، تاركًا خلفه صدى كلماته، وبوابة الحجر بدأت تُفتح ببطء، لتكشف عن ممر ينحدر إلى أعماق الأرض، حيث ضوء أزرق خافت يلمع من بعيد.

لم تفهم رُهى قصده تمامًا - أهو يقصد أنهم وصلوا بالكاد قبل الفجر، أم أن ثمة وقتًا آخر، أعمق، لم يحن بعد؟ لكنها لم تسأل؛ فبعض الإجابات تكشف نفسها حين تكون الروح جاهزة لسماعها.

للحظة، شعر نيروفين أن الظل يثقل عليه اكثر مما ينبغي.

قال إيليان وهو يلتقط أنفاسه:

— أعتقد… أن هذا مجرد بداية.

بينما ردت رُهى بصوت ثابت، وعيناها ما زالتا مشتعلة:

— والأعماق… تخبئ أكثر مما نتصور.

وهكذا خطوا داخل الممر، غير مدركين أن ما ينتظرهم سيغير كل شيء؛ ليس فقط مصيرهم… بل مصير ما وراءهم.

يتبع...

🔥نهاية الفصل السادس

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نبوءة النار والظلال

المؤلف ⋆.˚✮ ELORA✮˚.⋆
2026/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة