لم يكن الصراخ آدميًا.
في أعماق الأرض، حيث لا يصل الضوء، صدر من الحجر انينٌ خافت، كأن العالم تلقّى طعنة غير مرئية.
تشقّقت الجدران، واهتزّ ما كان مدفونًا منذ زمنٍ بلا اسم.
في قلب الدائرة، تململ الظل لأول مرة منذ قرون.
لم يكن جسدًا… بل فكرة.
ذكرى مؤلمة تحاول أن تُولد من جديد.
استيقظت الرموز القديمة واحدةً تلو الأخرى،
واشتعلت الأرض بلهيبٍ لا يحرق الأجساد... بل يوقظ الذاكرة.
ومن العتمة خرج همسٌ واهن… لكنه حيّ:
"أربعة…
أربعة مفاتيح…
وأخطاء لن يُسمح بتكرارها."
وفي لحظة، انطفأت الرموز.
ساد الصمت، وقبل أن تنبض أول قطرة دمٍ في هذا الزمن، كان هناك مكان... لم تطأه عين، ولم يخلُ منه شيء.
مكانٌ لم تصغه النار ولا الماء، بل ما نسيه العالم
اسمه: إيلسيرا—العالم الأول.
في فجرٍ رماديّ، وقبل انشقاق القمر بسبعة عشر عامًا… وُلدت رُهى.
"حين تولد من لهب النسيان، ستُعاد كتابة العروش، ويُبعث الذي طُمِس."
كانت صرختها الأولى كأنها مزّقت الصمت نصفين، وصوتها، وإن كان صوت طفل، حمل داخله صدىً خفيًا شعرت به السماء ذاتها.
ارتجفت النار المرسومة على الجدران للحظة، كأنها سمعت تلك الصرخة.
شدها فاليس دارون إلى صدره حتى اختفى وجهها بين ذراعيه، كأنه يخشى أن تخطفها عين لا يراها، لا كأبٍ فحسب، وإنما كحارسٍ يعرف أكثر مما ينبغي.
كان يدرك أن هذه الولادة لم تُنهِ شيئًا... بل بدأت حسابًا قديماً.
................»
وفي العام الثامن عشر قبل انشقاق القمر، فتحت ميرا لينارو عينيها لأول مرة.
في دير أونثارا القديم، ذلك المكان الذي لا تُدقّ أجراسه إلا إذا تغيّر قدرٌ في العالم.
وُلدت صامتة، لم تبكِ، بل فتحت عينيها الواسعتين كأنها تُصغي.
قالت العرّافات يومها إن الطفلة التي لا تبكي عند ولادتها إما أن تحمل نعمة… أو تحمل نبوءة تُمحى بسببها أمم كاملة.
ولم يعرف أحد أيّهما كانت ميرا.
أما في العام التاسع عشر، فقد شهد وادي اركاليس الأزرق قدوم طفلٍ لم يشبه غيره... إيليان فالور.
ذاك المكان الذي يتردّد فيه الزمن بين نبضة وأخرى، فيظلّ الضوء معلّقًا كأن العالم يحبس أنفاسه.
لم يشهد ولادته سوى والدته — المرأة التي اختفت بعد لحظات — إذ كانت الريح وحدها شاهدة على الطفل الذي فتح عينيه قبل أن يُرفع من الأرض، كأنّ النظر كان شيئًا يتذكّره لا يتعلّمه.
عينا إيليان الزرقاوان لمعَتا ببرودة كأنها ليست من هذا العصر… وكأن الزمن داخله قد عاش من قبل.
وجاء العام العشرين حاملاً معه الطفل الأخير... نيروفين أسترال.
وُلد في غابة "أليثيرا" المحرّمة، وسط عاصفة غبار نجمي، أمّه كاهنة اختفت بعدها سنين قليلة، وأبوه لم يُعرف قط.
ظهر الطفل بين الأشجار، محاطًا بدائرةٍ من ضوءٍ بنفسجي نابض، كأن الغابة نفسها رسمتها حوله.
كان مُغطى بندوبٍ ليست له، على جسده الرضيع، كأن أحدًا خاض معاركه قبله.
وكان ذلك اليوم، يوم الولادات الأربع.
وكانت تلك السنوات تُسمّى في المخطوطات القديمة بسنوات ما قبل الانشقاق… حين كان العالم يتهيأ لولادة اللعنة.
ويومها، اهتزّ العرش الحجري في "قلب كالار"، وفتح لأول مرة منذ آلاف الأعوام…
بوابة مظلمة في أعماق الأرض، حيث حُبس "الصوت الذي لا يُنسى".
وفي ذلك العمق السحيق، استيقظ شيءٌ بلا وجه، بلا جسد، لكن له اسم نُسي نطقه…
وهمس:
"بدأت اللعبة…"
وفي الليلة من الليالي المظلمة، في أعلى قمم "سفح العتمة"، وقف كائن طويل يلفّه رداء كالدخان، ظهره منحني كأنه يحمل دهورًا.
اسمه لم يكن يُقال، لكننا سنعرفه لاحقًا باسم: لوسيفار كراكس.
رفع يده، وفتح كفه أمام الريح، وتكوّنت فيها صورة نارية لأربع وجوه:
رُهى – ميرا – إيليان – نيروفين.
استقرت على شفتيه ابتسامة لم يعرفها البشر.
وقال:
"سيأتون… وسيفهمون متأخرين."
وهكذا بدأ كل شيء.
لم تبدأ الحكاية بأميرة تنتظر منقذًا، ولا بفارسٍ يبحث عن مجد.
بالأربع أطفال، وُلِدوا وكل واحد منهم في عروقه نارٌ مختلفة:
نار النسيان،
نار البصيرة،
نار الجليد،
نار الليل.
لكنهم لم يعرفوا بعد… أن كل ولادة تُشعل لعنة.
وأن الظل… كان يراهم منذ اللحظة الأولى.
يتبع...
🔥 نهاية الفصل الأول