مرّت ثلاثة أيام على لقائهم عند أطلال كارنوث.
ثلاثة أيام لم يتكلموا فيها كثيرًا، لكنهم لم يفترقوا أيضًا - كأن جسدًا واحدًا يخشى أن يفقد أحد أطرافه إن ابتعد.
تعلّموا صمت بعضهم قبل أن يتعلّموا أسماءهم الكاملة، وعرفوا نبرة كل واحدٍ منهم في الخوف قبل أن يعرفوا حكاياتهم.
وفي الليلة الثالثة، حين ناموا حول نارٍ لم يوقدها أحد، رأوا الحلم نفسه - لأول مرة منذ أن التقوا، سوياً.
................
لم يكن اللقاء صدفة، كانوا يجهلون أن الحلم الذي رأوه الليلة السابقة لم يكن نبوءة فقط… بل دعوة لا تُرفض.
ولا حتى الخطوة الأولى بدت قراراً كاملاً.
بعض الطرق تُفتح حين لا يعود الرجوع ممكناً، وبعض الوجوه تظهر لأن الزمن قرر ذلك.. لا لأنهم بحثوا عنها.
وما لم يعرفوه بعد، أن هذه الدروب... لا تعيد من يسلكها كما كان.
لم يكن القرار يُقال بصوتٍ عالٍ.
كان نظرةً تبادلوها، وشعورًا تسلّل إلى صدورهم جميعًا:
أن البقاء يعني الاختناق، وأن الرحيل… قد يكون موتاً، لكنه على الأقل باختيارهم.
وشعرت رُهى، من بينهم، بثقل هذا الاختيار قبل أن تفهمه.
حين تكلّم نيروفين عن الطريق الذي لا يعود منه أحد، مرّ في ذهن رُهى وجه فاليس للحظة - صوته وهو يقول 'لا تُفتشِي عني قبل أن تعرفي لماذا خُلقتِ'.
ربما كان هذا هو المكان الذي قصده. لم تعترض.
فقط أومأت.
وكانت تلك الإيماءة،
أول اعترافٍ منها
بأنها مستعدة أن تخسر ما تبقّى… مقابل أن تعرف الحقيقة.
الهواء من حولهم صار أثقل، وكأن الغابة نفسها تحبس أنفاسها انتظاراً لما سيحدث.
كان إيليان واقفًا إلى جانبهم، عيناه تراقبان الضباب الكثيف المتسلل بين الأشجار. لم يقل شيئًا، لكن قبضته على مقبض سيفه اشتدّت أكثر من اللازم - عادة تعلّمها منذ صغره، حين يخاف أن يخونه صوته قبل يده. عرف، دون أن يقولها، أن كل خطوة من الآن فصاعدًا لن تكون مثل سابقتها.
صوتٌ بعيد، يشبه دويّ الطبول، بدأ يتردّد من جهة الشرق. تبادل الثلاثة نظرات صامتة، وكأن كل واحدٍ منهم ينتظر الآخر ليقترح الاتجاه.
فجأة، تحرّكت الأرض أسفل أقدامهم.
شقوق دقيقة ظهرت في التربة، تتسع ببطء، كأن شيئًا في الأعماق يحاول الخروج.
قال نيروفين بصوت خافت:
– هذا ليس طبيعيًا... النبوءة ليست مجرد كلمات، إنها تتحرك فعلاً.
ساد صمتٌ ثقيل.
لم يكن الخوف ما شلّهم، بل الإدراك.
لم يكن ما يهربون منه واضحاً، لكنهم كانوا متأكدين أن ما ينتظرهم... إن بقوا سيكون أسوأ.
تبدّلت ملامح الغابة… الهواء صار أضيق، والأرض تحت أقدامهم لم تعد محايدة.
أحسّت رُهى أن النار في صدرها تدفعها نحو الأمام
وإيليان كان يسمع نبضًا غريبًا في أذنيه، أما نيروفين... فلم يكن هذا الإحساس غريبًا عليه؛ جسده يحمل ندوبًا لا يُذكر مصدرها، وكأنها أثمانٌ دُفعت قبل أن يولد الوعي بها.
اقترب إيليان خطوة، واضعًا يده على سيفه :
– إذًا علينا أن نتحرك... قبل أن يتحرك ما تحتنا.
> لم يسأل أحد: إلى أين؟
بعض الطرق لا تحتاج اسمًا...
يكفي أن تشعُر بأنها تناديك.
خلفهم، كان المكان الذي جمعهم لأول مرة يبتعد بصمت،
وأمامهم… كانت الغابة تفتح فمها ببطء.
بدأوا رحلتهم عبر الغابة.
شعرت رُهى أن كل خطوة تبعدها عن الطفلة التي كانتها، وتقرّبها من شيء لا تعرف اسمه بعد… لكنها لم تعد تخافه.
ومع كل خطوة،
كان الشعور بالوحدة يزداد.
لم يكن هذا المكان وحده من يراقبهم.
في أطراف الطريق، بين الأشجار والضباب، ظهرت عيون… بشر، مسافرون، أو سكان من أماكن عوالم مجهولة.
لم يقترب أحد،
لكن النظرات كانت كافية:
فضول، خوف، وشفقة…
كأنهم ينظرون إلى من يعرفون أن نهايته قريبة.
لم يعرض أحد المساعدة،
ولم يسأل أحد من اين جاؤوا،
كأن السؤال نفسه كان محرماً .
شدّت رُهى عباءتها، تحاول أن تخفي الوشم أكثر مما تخفي نفسها - لم تكن الشفقة ما يؤلمها، بل أن تُرى كشيءٍ يُشفق عليه، لا كإنسانة.
سار إيليان مرفوع الرأس، لكن فكّه المشدود خان ما لم يقله: غضبٌ هادئ من نظراتٍ تحكم عليه قبل أن تعرفه، تمامًا كما فعل أهل واديه طوال حياته.
بينما نيروفين… تعمّد أن لا ينظر إلى الوراء، لأنه اعتاد النظرات منذ الطفولة، واعتاد أيضًا ألا تؤلمه - أو هكذا أقنع نفسه.
استمروا في خطواتهم بين الأشجار المتعرجة التي بدا وكأنها تميل نحوهم، وأغصانها الطويلة تحاول لمسهم.
على طول الطريق، كانت علامات غريبة محفورة في الجذوع:
رموز دائرية، وعيون محفورة بدقة، تراقبهم أينما ساروا.
قبل أن يظهر الجسر،
شعروا به.
كان هناك شخص ما…
يخطو على مسافة قريبة.
لا صوت خطوات،
لا حركة واضحة،
فقط إحساس بثقلٍ خلفهم،
كأن الظل قد أصبح أعمق من المعتاد.
التفتت رُهى فجأة،
لكنها لم ترَ أحدًا.
قال نيروفين بهدوءٍ مريب:
– لسنا وحدنا.
رُهى شعرت بقشعريرة تسري في رقبتها الموشوم - ليست قشعريرة خوف، بل شيء أعمق: كأن النار فيها، التي لا تعرف عنها شيئًا سوى أنها جزء منها، تعرّفت للتو على شيءٍ تتذكره هي، حتى لو لم تتذكره صاحبتها. للحظة، حسدت نارها على ذاكرةٍ لا تملكها.
استمروا بالسير، لكن بخطى أبطأ هذه المرة، وبصمتٍ أثقل من صمتهم المعتاد. كل واحدٍ منهم كان يستمع لا بأذنيه، بل بذلك الشيء الغامض الذي أيقظته النبوءة فيهم - وكلهم، دون أن يقولوا، توصّلوا لنفس اليقين:
أيًا كان ما يتبعهم، فهو لا يريد إيذاءهم... ليس بعد.
شيءٌ يراقب، ينتظر، ولم يكن وجوده جديدًا... و كأن الطريق يفتح له قبل ان يفتح لهم.
رد إيليان دون أن ينظر:
– أعرف.
ولم يسألوا أكثر، بعض الأسئلة…
يكون الجواب عنها أخطر من الجهل بها.
بعد ساعة من السير، اعترض طريقهم جسر حجري مكسور يعلوه الضباب، تحته وادٍ سحيق لا يُرى قاعه.
قالت رُهى، وهي تتفحص الشقوق في الحجر:
– هذا المكان... كأنني رأيته في حلمي.
رد إيليان بسرعة:
– إذا كان في حلمك، فلا...
لكن قبل أن يكمل كلامه، خرج من الضباب مخلوق هائل، له جسد ذئب، وقرون ملتوية مثل قرون الكبش، وعينان متقدتان كجمرتين. زأر بصوت رجّ الوادي بأكمله.
رفع نيروفين رمحه، وقال:
– لا خيار أمامنا إلا المرور من هنا.
المواجهة كانت شرسة، المخلوق يتحرك بسرعة غير متوقعة، وضرباته تكسر الحجر تحت قدميه.
ورُهى كانت تحاول التسلل نحو الطرف الآخر من الجسر لتفتح الطريق، بينما إيليان يشغل الوحش بضربات سريعة، ونيروفين يصد الهجمات الثقيلة.
وأخيرًا، بخطوة جريئة، قفز إيليان فوق ظهر المخلوق، مغرزًا سيفه في رقبته، سقط الكائن العملاق محدثًا صدى عميقًا في الوادي.
لكن الانتصار لم يكن مجانيا... فالجسر بدأ ينهار
وللحظة، وقف الثلاثة بلا حراك - أنفاسهم تتقطع، ويد رُهى ترتجف رغم أنها لم تلمس المخلوق، وإيليان يحدّق بسيفه الملطخ وكأنه يراه لأول مرة.
لم يقل أحد شيئًا؛ فبعض الانتصارات تحتاج صمتًا قبل أن تُصدَّق.
لكن الصمت لم يدم طويلاً - فصوت تصدّع الحجر تحت أقدامهم قطعه فجأة، وأدركوا معًا أن الجسر لم يعد يحتمل وزنهم. قفز الثلاثة في اللحظة الأخيرة، ليلهبهم الغبار والحصى المتساقط.
سقطوا على الأرض الجديدة بقوة، والغبار لا يزال يتطاير حولهم. وحين رفعوا رؤوسهم، تجمّد الثلاثة في أماكنهم دفعة واحدة - فالمشهد أمامهم لم يكن أرضًا يعرفونها بأي شكل.
وقفت رُهى أولاً، فاغرة الفم دون أن تدرك ذلك. إيليان أفلت سيفه للحظة من يده دون قصد. أما نيروفين، فكان الوحيد الذي لم يفاجأ - كأنه يعرف هذا المكان من قبل، رغم أنه لم يطأه أبداً
هنا، لم تكن السماء زرقاء ولا سوداء، بل أرجوانية كدمٍ قديم جفّ منذ زمن.
وتحت أقدامهم، ارتجفت الأرض بإيقاعٍ ثابت، وتسلّل إليهم يقينٌ غريب - ليست زلزالاً، بل تنفسًا.
كأنهم لم يعبروا إلى أرضٍ جديدة، بل إلى داخل جسدٍ حيّ.
لم يخالجهم إحساس النجاة، بل بأن شيئًا ما… سمح لهم بالمرور
وكأن الاختبار لم يكن حماية الجسر، بل اختيار من يستحق أن يُكمل.
قالت رُهى، وهي تحدّق في الأفق:
– أعتقد أننا دخلنا أول حدود النبوءة.
أجاب نيروفين وهو ينظر إلى رموز متوهجة على الأرض:
– وهذه الحدود لا تسمح لأحد بالعودة…
📍ممرات بلا نجوم– ميرا
لم تكن ميرا تسير مع أحد.
الطريق أمامها كان صامتًا،
أبيض أكثر مما يجب،
وكأن الضوء نفسه نُزع منه الدفء.
منذ أن غادرت الدير،
لم تلتفت خلفها.
لأن بعض الأماكن… إن التفتَّ إليها،
تطالبك بالبقاء.
في الطريق، صادفت عربة مكسورة،
ورجلًا مسنًا يجلس إلى جانبها،
عيناه مغمضتان،
لكنه حين مرّت قربه قال بهدوءٍ لم تنسَه:
"النور لا يضيع، يا ابنتي…
لكنه أحيانًا يتأخر عن الوصول."
توقفت ميرا،
كادت تسأله من يكون،
لكن حين التفتت…
لم يكن هناك أحد.
واصلت السير،
وقلبها يثقل أكثر مع كل خطوة.
ما اعتراها الخوف، بل شيءٌ أقسى:
أنها تسير نحو أناسٍ لم تلتقِ بهم بعد، لكنها تعرف أنهم جزءٌ منها.
في تلك الليلة،
حين نامت تحت سماء بلا نجوم،
رأت نفس الحلم.
مدينة تحترق،
وأصوات تناديها،
وصوت واحد،
أقرب من البقية،
يقول:
> "تأخرتِ… لكنك وصلتِ في الوقت الأخير."
تملكها احساسٌ دون ان تفهم كيف ، أن كل خطوة تخطوها .. تقربها من اصوات لم تسمعها بعد.
و في الجهة الاخرى ، خطا الثلاثة اول خطوة لهم... وكان الهواء يهمس بلغات لا يفهمونها، لكن بينها جملة واضحة، بصوت امرأة مجهولة:
– "الوقت يضيق… أبناء النار والحديد والظل، إن لم تصلوا قبل الفجر… سينكسر كل شيء."
تبادلوا نظرة واحدة. و لم يصل احدهم ما فكر به الجميع : أن الفجر...إن جاء فلن ياتي لهم جميعا كما خرجوا .
يتبع....
🔥 نهاية الفصل الخامس