سِــيرْكُ المَــوتَى.

سِــيرْكُ المَــوتَى.

9 1

قلب يعصف، بهواكَ متيَّمُ 


والغربة بين كفيك لي ميْتَمُ 


عد إليَّ، وأعود إليك ملجَمُ 


وحتى يحينُ وقتنا، قل لي هل كنتُ لَكَ مريَمُ؟ 

1


----------------------------------------------------------------------- 


 

1


ربما توالت الايام.. ربما الأشهر، وربما السنوات؟ لا الأماكن عرفت مواقعها ولا الزمن يعلم أين يضع أثقاله، على من يقع الخطأ؟ ومن يجد الصواب؟ من يحمل أوزان الماضي؟ من يرمي بسهام الحاضر؟ من يعيث خرابًا في المستقبل؟ من وراء الستارة يعبث بخيوط العقول ويحيك الأفعال؟ من ينسج خيوط المأساة ويحل الفساد بين القلوب؟ من الملام ومن الملوم؟ من ينمو به اللون الأبيض ليحكي قصةً غبارها متكدس؟ هل أثير المكان سلب؟ هل بقي حكم عادل؟ هل عاش الطفل أم سُلبت الأمومة؟ 

2

 

1

على ألسنة من وقفوا في الأرض الغابرة، تتناقل حكاية من عاش ومات وحيدا، من اعتزلهم في أطلالٍ مهجورة يبحث عن إجابات لأسئلته، يبحث عن حلول لمشكلته، يبحث عمن يعيد حبه إلى ذراعيه بعدما سلبت جورًا. بين الاشجار التي نمت على دماءٍ سفكت يقبع بين الظلال، يعيش أسير الظلام أمام من أخذت برحيلها نوره وضياءه، يعد بالمستحيل، بالدم، بالحياة...بالحب؟ 

 

يسير عجوز أمام فتى في مقتبل عمره يرتدي عباءة سوداء بقبعة تغطي وجهه حتى عينيه، بينما يحكي العجوز قصص عن السنين التي توالت... كيف لمن كانوا يحملون السيوف في أوجهه بعضهم البعض الآن يتخذون أزواجًا ويكونون عوائل، ينظر بينهم بعينين جائعتين لخيطٍ مفقود، "هُجناء.. " أنفاسه نطقت بكلمة تحمل نبرة متقززة ومنخفضة  

"اوه؟ هل أنت غاضب؟" صوت ضئيل يخرج من بين أطراف القبعة واقفًا على كتف من خطواته تثاقلت يصنع مسافة آمنة بينه وبين الثرثار أمامه. 

1

"كلا." "بارد كالعادة... هل ستخبرني إلى أين نحن متجهون؟" وقعت نظرات الشاب على الكائن الصغير بجانبه "أحد معارفي." صوت رفرفة أجنحة شفافة، رقيقة، تلمع بخيوط بيضاء يتنقل بين كتفيه العريضين، كلمات ينساب منها العسل ولمسات كخيوط من الحرير، رائحة اللافندر تنتشر في مجال الأنفس وتغري من يتنفسه لعالمٍ مغوٍ يذهب العقل. 

"هلَّا توقفت عن جذب الفرائس نحونا؟" قالها بنبرة تحذيرية عندما تنبه لوجود أجساد تلتف حولهم بلا وجهة أو طريق، "الأمر خارج عن سيطرتي أرواحهم لذيذة" مخالب بحجم الإبرة تشير لمن يتبعونهم بصمت محدق بلا بصيرة أو تفكير، "لولا حجمك لم اخترتك.. تحكم بسحرك قليلا" أمسك الفتى الفَيري الصغير بسبابته وإبهامه من أجنحته يلقي به نحو حقيبته القماشية المتدلية من خاصرته، "أنت!" صرخ بصوت حاد يَصِّرُ بأسنان مدببة، يلقي بنظرات حاقدة تلعنه حتى تعثر الشاب بخطواته، "تستحق." نطق بنبرة شامتة حين أخرج الفَيري جزءه العلوي من فتحة الحقيبة يتكتف بتعالٍ. 


توقف كليهما عن المشي بين البيوت الحجرية، ألقى العجوز بعينيه الغائرتين نحو الشاب الذي بدى وكأنه يتمتم لنفسه ويوبخ ذاته، أراد العجوز أن يلفت انتباهه لكنه فضل أن يدعه ينهي شأنه.. وقف الشاب يتنهد بانزعاج حين لاحظ نظرات المقابل له كأنها تمسحه من أعلى رأسه الى أخمص قدميه ثم وجه له بنبرة آمرة "أعلم من ارسلك لي، لذا أرني الطريق للنقابة" تجعدت ملامح العجوز بخشونة لتكبره، خلال لحظة أخرج العجوز مخلب يخدش به الحائط. صوت طقطقة الحجارة التي تخرج من مكانها تتركب على أشكالٍ في الهواء وتظهر باب خشبي من خلفها فتح بعد نقرتين من مخالب العجوز. 


 

"آليخاندروا! أقسم سأشق حلقك إن أتيت بدو-" توقف القائل عن كلامه عندما قابله فتى بقبعة تغطي وجهه والعجوز آليخاندروا يقف خلفه بملامح متجهمة. "أكمل كلامك أيها الأرعن الوقح!" "لدى هذا الأرعن اسم! لدى حفيدك اسم! وإن لم تعرفه فاسمي ريكارد!" وقف الاثنان يصرخان في وجهي بعضهما في حينن تجاهلهما الواقف ينزل إلى أسفل درج مظلم ويدخل إلى النقابة، رائحة الكحول التي تضرب الأنف لثقلها، أصوات الكؤوس تتضارب والضحكات تتعالى، أعين تراقب كصقر مدرَّب تنتظر إشارة واحدة، وقف الفتى يدفع بقبعته عن وجهه وعينيه تجولان بحثا عن شخص بأوصاف معينة، تراجع خطوة للخلف ينتفض إزاء من قفز أمام وجهه يقول كلامه دفعةً واحدة بابتسامة عريضة ودفتر نادل بين يديه، 


"مرحبا بك سيدي، هل لي أن أعرف سبب قدومك إلى حانتنا؟ كيف عرفت عنها؟ هل من طلب خاص؟ هل لديك مشروب تريده ولم تستطع الحصول عليه؟ ربما سم؟ ربما رأس أحدهم؟ أخبرني!" وقف الشاب بوجه ممتعض ينظر حوله لأحد يبعد هذا المختل عنه حتى أتى أحدهم بزي نادل يشبه المختل أمامه، 


"عذرا سيدي، كيف يمكنني مساعدتك؟" أزال المعني القبعة عن رأسه وأظهر شعره الأحمر، عينيه الحادتين، وملامحه الخشنة.. كأنه شعلة متقدة تلتهم من حولها كي يزداد لهيبها ارتفاعا، خرج الفَيري يلتف حول رأسه، يهبط على كتفه، ويضع قدم على أخرى بتعجرف " سيداتي سادتي لديكم ضيف مميز نَزِق الرِّيح" "أصمت قبل أن اجعل الريح تنخر عظامك" قال ينقل نظره الى الجالس على جانبه، 


"سيدي.. لم نتوقع قدومك الان، هلَّا تبعتني الى الغرفة؟ رئيس النقابة ينتظرك" تبع الضيفين المميزين النادل لأحد الغرف الداخلية، حينها سأل المختل عامل يقف جانبا متكتف اليدين "لنتجنب أسئلتي عن الفَيري وكم أرغب بأخذه لمعملي، من هذا المشتعل؟" 


" هل سمعت عن المنظمة التي عادت خلال السنتين الماضيتين؟" 


"أتعني تلك التي تقف ضد الإتحاد؟" أومأ العامل برأسه ثم أكمل كلامه "يقال أنَّ ذلك الفتى وقف أمام رئيس المنظمة بعد سفكه لنصف الجنود الذين حاولوا إيقاف الرئيس، حينها نال تفضيله وأصبح ظله" أنزل يديه الى جانبه ثم ضيق عينيه "أن يأتِ ظل المنظمة وشعلتها الى النقابة... هذا ليس بجيد" 


عقد المختل حاجبيه يتبع العامل الذي تحرك يعود لمكانه طاولة المشروبات يحمل المنديل ويلمع الكؤوس "ولم ليس بجيد؟ الا يعني هذا أن المنظمة تثق بنا؟"  


"وهنا تكمن المشكلة" توقف قليلا ثم نظر لباب الغرفة الداخلية "إن تسرب أمر بأن المنظمة أتت لنا فنحن هالكين ريفن، المصيبة أن الثرثار آليخاندروا من أحضره" تنهد النادل بثقل يلقي بعض الأوامر للرجال كي يستعدوا في حال حدوث الغير متوقع. 


 


في تلك الأثناء، على طاولة مستديرة تعتليها أكواب ماء باردة وجرة زهور بيضاء لا تناسب المكان التي وضعت به، جلس رئيس المنظمة على الكرسي الخشبي يضع قدم فوق الأخرى أمام ضيفه المميز، ابتسامة خبيثة تعتلي وجهه وعينيه تحدقان فيمن يبدو كالغنيمة حتى وإن حاول إخفاء شكله... هيئته البدنية تميزه عن اي فارس، خصلاته المتعرِّقه تلتصق بوجهه والمجنح الصغير يثرثر بكلام غير مفهوم حوله. "إذا، ما الذي أحضرك الى ملجأي الهادئ؟" 


"ملجأك ليس بالهادئ تماما... أكاد أسمعهم يحطمون الباب فوق رأسي" 


"لهذا هو هادئ" توسعت ابتسامته "ما طلبك لليوم؟ واعلم أنه سيكلفك ضعف ما جئت إليه لأن قدومك الى هنا سيسبب لي المشاكل" أعاد ظهره للخلف ثم أضاف بتهكم "على الأقل ارتدي زي سكير متجول لا بائع فَيري" تجعدت قَطَبة الفَيري والضيف في آن واحد يحدقان به بحقد جعله يرفع يديه باستسلام.

"كونك زميل قديم لي لا يعني أن تتجاوز حدودك"  


"كونك زميل له لا يعني أن تتجاوز حدودك" قال كلاهما معا بصوت حاد جعل الرئيس يهز رأسه يأسًا، "لننتقل الى موضوعنا، هل سمعت عن حادثة النبلاء الشهر الماضي؟" تقلبت ملامح الرئيس الى الجدية يصغي لمن بدأ النقاش "هل تعني نبلاء البلاط الذين اختفوا بلا أثر لتتبعهم؟" طأطأ المقابل رأسه بالموافقة "أريدك أن تبحث وراء حادثة الاختفاء هذه، إن كنت تملك معلوماتٍ حول الفاعل أخبرني" مرر رئيس النقابة اصابعه بين خصلاته يرفعها للأعلى وينظر لزميله القديم بتفكير " أتى زبون إلي قبل أيام يسأل عن الحادثة ذاتها لذا أجرينا بحث مبسط لأنه لم يطلب كم معلومات هائِل" نهض الرئيس يتوجه لأحد الرفوف التي في الغرفة "لكن البحث عن مسبب الحادثة؟ ماذا تريد بهذه المعلومة؟" أحنى زميله بجذعه للأمام يدق بأصابعه على الطاولة، 


"لست أنا من يحتاجها لكن لنقل أنَّ العجوز مستميت ليضم صاحب الحادثة" وقف رئيس النقابة في مكانه قبل أن يمد يده لملف أسود اللون يعيد نظره لزميله "ألن يكف عن ضم مجموعةٍ من ناقصي العقل لمنظمته؟" تنهد الزميل الأصغر يعيد بظهره للخلف ويمسك الجني من أجنحته، 


"قال أنَّ أحد يكرهه بدأ بالتحرك، لكن تحركاته هادئة" قال يشد على جناحي الفَيري الذي يتخبط محاولًا الهرب "المشكلة ليست بضم المسؤول وراء الحادثة، بل بوجود الكثير ممن يكره لذا من الصعب معرفة ما الذي يحتاجه بضم اشخاص جدد" وقف من مكانه يلقي بمن بين رحمته ليطير بمفرده يتجه ناحية الرف بجانب الرئيس، 


وضع الرئيس اصابعه على فكه، عينيه تغرقان بالتفكير قبل أن يلتقط ملف آخر مع الملف الأسود "هذا الشخص الوحيد الذي قد يتحرك في هذه الأثناء، ستجد تفاصيل تخص العائلة المالكة ايضا لذا أعده عندما تنتهي، سأكون في الخارج إن احتجتني " اختفى المقابل له كأن جلده ولحمه تلاشى مع الرماد في حين اومأ الزميل الأصغر قبل رحيله وأخذ يقلب بين صفحات الملف الأسود يقرأ أقوال الشهود 


-سيدتي، هل لاحظتِ أي تحركات مشبوهة قبل الحادثة؟ 

-كلا، لكن سمعت بعض الأصوات... احيانًا ضحك واحيانًا صراخ كأن أحد يمزق أحبالهم الصوتية  


صراخ؟ تمزيق؟ لكن الحادثة وقعت في السيرك وكان المكان ممتلئ بالحرس فكيف لجريمة كهذه الحدوث دون آثار، قالت الشاهدة أن المكان لم يكن به نقطة دماء بعد مرور وقت على المكالمة التي أجرتها لتبلغ عن هذه الأصوات الفظيعة 

-هل سمعت أو رأيت شيء غير معتاد حول السيرك؟ 


-غير معتاد؟ هذا المكان بأكمله ملعون! منذ اللحظة التي اختاروا استخدام اطفال كأدوات للرمي ووقوع إصابات بليغة لهم! هذه عاقبة النبلاء فليحترقوا في الجحيم! 


حمل الزميل الأصغر الملف يتجه به نحو المقعد بينما عينيه تتجولان بين مختلف الأقاويل والشهادات، لا شيء من كلامهم يرتبط أو يؤخذ كدليل عدا شهادة فتى كان يلعب بالرمال بجانب خيمة السيرك 


-انتظري سيدتي! 


-أتتحدث عن سيرك النبلاء عمي؟ 


-ماذا؟ اوه! أجل! هل تعرف شيء ما صغيري؟ 


-حسنا... كنت ألعب قرب الخيمة ببعض الأوراق التي قيل لي أن أحرقها بعيدا، ثم أثناء حرقي لها كانت هنالك بقع تظهر تحت ظلال النيران تقود لمكان ما بين الحدود القديمة وعربات البيع الكبيرة -يتوقف الفتى ثم ينظر للأرض- أردت أن أكمل تتبعها لكن رجل بشعر لونه كلون العملات الذهبية أوقفني وقال ألا أعود لهذا المكان 

1


-ولم طلب منك ذلك؟ 


-قال إنني لا أنتمي لهنا، وشخص ضعيف مثلي لن يشتري شيء من العربات الكبيرة 

أغلق الزميل الملف يزم شفتيه وغيظه يزداد، ليس لأن دليله الوحيد توقف، بل لأن الباعة الآن يتصرفون كلقيطين بألسنة لاذعة 

1


"أنت، أعد الملف لمكانه" أخذ الفَيري الملف من بين يديه بتذمر لأنه يكاد يقسم أنه خادمه لا شخص يساعده على كتم قوته وقتل جميع من هم في المكان، حدق الاخر بالملف الاسود يقلبه لخفته وقلة صفحاته "ايدن، هل تشعر بشيء اتجاه هذا الملف؟" 


"لا" قال ايدن بغير اهتمام يلقي بنظرة حوله لشعوره ببعض رماد الاشتعال، يقال أنَّ الفَيريز يتغذون على النور او لقاح الزهر، هل ينظرون لهم على أنهم نحل يتنقل في البرية لبعض ذرات من زهرة ما؟ خرافة كهذه تضاهي خرافة وجودهم بالأساس، توقف آيدن عن التحديق بالرماد المتناثر حولله لأنه لم يأتِ لوحده، بل من بعض التشققات في الأرض والتي بدت غريبة لعدم وجودها مسبقا؟ 


"أنت، هل تشعر بالغضب؟" ألقى آيدن السؤال على الجالس بهدوء مريب يحدق بصفحات الملف، ازدادت التشققات في الغرفة حولهم، الهالة هذه تنبع من ذات الشخص حتى بالنسبة لبعض الكائنات الاستثنائية كالتنانين، الميدوساز، الحوريات، لكن أجساد من يستخدمون السحر قد تتهاوى إن لم يستطيعوا التحكم بها. 

التنانين على سبيل المثال تمتلك جواهر في رأسها، إن تحطمت فحتى المحيط سيتأثر مهما كانت نوع القوة التي يحملها، لكن الشخص الذي أمام آيدن لا يمتلك جوهرة لتحتمل خروج قوته عن السيطرة حتى أن الجدران بدأت بالتشقق، "أنت! استيقظ!" صرخ آيدن في وجهه لكن الآخر انقبض فكه ينهض من مكانه يلقي بالملف فوق الكرسي، حينها دخل مجموعة نادلين برماح تتجه نحو الواقف يحدق بهم باستغراب، 


في ذلك الوقت كان ريكارد يخاطب جده حول الزائر المفاجئ وأهمية إخفاء هويته، ريفن يتولى أمر الزبائن الجالسين، والرئيس يستند لطاولة المشروبات لكن عينيه كانتا منشغلتين بالنظر الى باب الغرفة المغلق 


"إن كنت قلقا، لم لا تدخل وتتفقد حاله؟" قال ريفن المتجه نحو الرئيس بابتسامةٍ تبدو بظاهرها هادئة لكن الرئيس يعلم أنه يحيك شيئًا في الخفاء، "أنا قلق عليكم، لا عليه" نظر المختل نحو رئيسه باستغراب أيخشى على النادلين لا الزبون؟ "ألم تنفذ ما طلبه؟ خرجت من هناك سريعا" نفى الرئيس برأسه، يديه تشيران للنادل خلفه بإحضار كأس من شرابه المعتاد.. عينيه لم تبتعد عن الباب للحظة كأن عاصفة من النيران ستخرج من أطرافها. 


"المشكلة ليست بكوني نفذت طلبه أم لا، لكنها تكمن بالطلب ذاته" تناول الكوب الذي وضع بجانبه ليرتشف منه "بل بمحتوى الطلب، أنا على معرفة بهذا الزائر منذ زمن طويل، وأعلم بما سيسببه هذا الطلب من مشاكل" 


"إن كنت تعلم، لِمَ لَمْ ترفض؟" حرك الرئيس عينيه ينقلها لمن يرمي بأسئِلَته مباشرة، بلا إجابة، فضل الرئيس إلقاء ستار على الحقيقة وراء عدم رفضه، نميل في الغالب لإخفاء الحقيقة والدوافع وراء أفعالنا لتجنب نتائجها او لأنها مؤلمة أكثر من قدرتنا على احتمالها، لكن الواقع يفرض علينا مواجهة هذه الحقائق في الوقت الذي نكاد نقسم أننا نسيناها فيه. 


وقف الرئيس من مكانه يكمل كلامه مع ريفن حتى لاحظ بعض الفتات الذي يتساقط مثل ندوف الثلج، ظن لوهلة أن بعض العربات الثقيلة التي يتم نقلها عبر قوافل البضائع مرت من فوقهم فحسب، لكن عينيه التقطت بعض الشقوق أسفل طاولة المشروبات تأتي من ناحية الغرفة المغلقة، أشار الرئيس الى النادل ليتفقد مصدر الشقوق وامر ريفن بإحضار قوسه من الغرفة المجاورة، بدأت الشقوق تتحول لتصدعات حول الجالسين، منهم من استقام يبحث حوله ومنهم من انتظر إشارة ما للتحرك، حينها دخل النادل مع ريفن وريكارد برماحهم الى الغرفة عندما لم يجدوا أي مصدر آخر للشقوق. 


وقف الرئيس خلفهم وتنهيدة متعبة خرجت من بين شفتيه عندما لاحظ الملف الملقى على الكرسي، تحرك من بينهم يتجه نحو زميله القديم بحاجبين متجعدين "فسر لي فيرنون" 


"سأذهب، المال لإصلاح الغرفة والمعلومات سيصلك كالعادة" قالها ساحبًا القبعة السوداء على رأسه ووجهه ينطلق مسرعا الى الخارج، حيث رئيسه... حيث منقذه.. او هذا ما كان يظنه 


"فيرنون.." قال آيدن يحاول اللحاق بخطواته المسرعة، كأنه يسابق الزمن، يسابق الأسئلة التي تدور في رأسه، يسابق الماضي الذي يعبر أمام عينيه...قريته التي تحترق...دمية أميرته...بيت أبيه.. لم يكن يسابقهم فحسب، بل يهرب من حقيقته، يهرب من النيران التي تشتعل في عروقه، من الدماء التي تلطخت حتى يوجد. 


تمنى فيرنون أن يمتلك أجنحة ليحلق بها بعيدا، بعيدا عن منزله الخاوي، بعيدا عن زملائه المستغلين، بعيدا عن حقيقة انه مفضل من قبل رئيسهم لأنه مفتاح خطتهم، تمنى أن يمتلك حرية اختيار طريقه، حرية التعبير عما يدور في رأسه، وقف للحظة في مكان مجهول، مكان ممتلئ بالرمال والمدينة خلفه تبعده بأميال "تبًا.." همس يمسك بخصلاته المغطاة أسفل قماش أسود تحجبها والتي تناثرت بين اصابعه، خصلات حمراء.. مشتعلة، علامة على من يكون ولمن ينتمي، علامة عاره وضياعه "تبًا امي.. ما الذي عليَّ فعله الان؟ إن كان هو حقًا.. إن لم يكن غيره.." 


"أنت! لا أملك سوى جناحين لذا خفف من سرعتك! أنظر الى أين ذهبنا؟" قال آيدن بصوت مرهق، بالفعل أين هما؟ أفلت فيرنون رأسه يلقي بعينيه نظرة على المكان يتفحصه، لسبب ما كانت المنطقة مألوفة لمخيلته، تقدم فير بخطواته للأمام، يأخذ منعطف لليمنى احيانا ولليسرى احيانا أخرى حتى وجد ثقب في الرمال.. 


"من المفترض أن تغطي الرمال الثقوب" قال ايدن يرفرف للأسفل ليلقى نظرة أقرب لها، لكن على مسافة ليس ببعيدة لاحظ ثقب آخر "هذه الثقوب حديثة صحيح؟" أضاف ينظر لنمط معين في هذه الحفر "كلا" قطع فير حبل أفكار آيدن بنفيه "ربما السبب أن هذا المكان يوضع به شيء أشبه بعمود، ثم إنَّ الرمال هنا خشنة لذا قد لا تملا ثقوب كهذه حتى وإن كانت صغيرة" نزل آيدن في الثقب اصغير ليلاحظ أن له عمق طويل، وكذلك الثقوب التي حولها. 


رفع فيرنون عينيه للأفق حوله يبحث عن حد معين.. عن إشارة أو أشخاص قد يمرون من هذا الطريق لكن المكان خالً بشكل مريب "آيدن، هل هناك حدود قريبة من هذه البقعة؟" خرج آيدن من أحد الثقوب ينفض الرمال عن نفسه وخصلاته "أجل، لكن قيل أنَّه ما بعد الحدود مدينة ميتة الحركة بالرغم من وجود سكان بها"  


"هل تستطيع تحديد مكانها؟" حرك آيدن رأسه بالنفي.. بالرغم من أنَّ لديه عينيه تريان من مسافة بعيدة، لكن هذه الصحراء تمتد لأميال أبعد من المتوقع "إذا أنا سأفعل" تقدم فيرنون الى مساحة بعيدة عن آيدن يضع سبابته أمام شفتيه ويردد 


أيها الساري في أرض النسيان 


أيا طويل الجسد غائر العينين 


أبعد الظلال، أرشد التائهين 


تباهى بنورك في أحلام النائمين 


وأعد من لم يكونوا من قبل متباعدين 


حينها خرجت شظايا من النور امام وجه فير تحط على كفه، تتمايل بموجات غير منتظمة، تتشكل وتختفي، تتأرجح مع نسمات الهواء وتعود لمكانها تنتظر الأمر الذي استدعيت إليه، جثا فير على ركبة واحدة فوق الرمال يغلق جفنيه، بالرغم من أن باطن الأرض يبدو مظلم.. إلا أن حقيقة وجود أشعة ضوء متسللة لشقوقها وبين ذرات رملها لا تنكر،  


"في ذكراي فتى، في شعوري فراق، في مسافتي ابتعاد، خذي بيدي ليديكِ وأرشديني لغاية الفتى التائه" تشتت شظايا النور تسحب بنفسها الى الرمال وتخلف نقاط ضوء، هذا الضوء الذي يحمل ذكريات كل من مر هنا بدأت موجاته تتشكل وتخرج على هيئة من كانوا يحتفلون هنا مسبقا، لم تكن الأصوات مألوفة لفيرنون.. لا بل لم يعلم معنى أن تكون في وسط الاحتفال، تضحك، تعبث، تلعب، لم يعش ما فتح عينيه عليه. 


الصحراء التي ظن أنها قاحلة كانت ممتلئة بألوانٍ عدة، مصابيح معلقة على أعمدة ذات طول يمتد حتى الخيمة، عربات صغيرة تبيع أطعمة بسيطة لكن دافئة، أطفال بأزياء مبهرجة مع اباءهم، الرياح التي تحرك أشرعة صغيرة تزين الساحة ورمالها، عندها.. تحرك فير من مكانه يكاد يلمس هذا السراب لكن يد ضئيلة منعته، أجل.. هو ليس هنا ليعيد ما فقد من طفولته، تبع بعينيه ظلال الذين تبدوا على وجوههم السعادة يبحث عن طفل، يبحث عن غلام وحيد، تنقل بين أطراف الخيمة حتى وجده، وقف فير أمام من كان يحرق بعض الأوراق ويحدق في الرمال، جلس القرفصاء أمامه ينظر الى الضوء الذي تشكل على هيئة ما رسمه الصغير اثناء ما كان يفعله، ثلاثة أفراد.. امرأة ورجل يتوسطهما من يبدو كابنهما،


دما رفع فير رأسه وجد دموع عالقة في عينيه... 


 


 رمقه بنظراته.. كان يعلم ما شعوره، ربما فقدهم، ربما كان تواجدهم أسوء.. ربما، فقط ربما يكون مثله 


"انظر، هل هذه هي الظلال التي ذكرت في الملف؟" قطع آيدن حبل افكار فيرنون يعيد نظره نحو الظلال التي تشكلت بعد مدة طويلة من حرق الأوراق، ظلال على شكل آثار أقدام باهتة كأن أحدهم يمشي على أطراف أصابعه، نهض الفتى وفير بخطى متَّزِنة يتبعان الظلال عبر الصحراء.. ابتعد كلاهما عن المكان المبهرج بزينته يتجهان الى المجهول بقدمين مرهقتين، هو مرهق من البحث في الماضي ليجد حاضرًا لا يرحب به، هو مرهق من النظر الى طفل يشبهه، مرهق ممَّن يكون.. وممَّن سيكون. 


كان الطريق الطويل يمتد أكثر فأكثر أمامه لكن ظلال البيوت بدأت تظهر أمامهم، ليس ضوء وهمي، بل بيوت حقيقية. وقف الطفل أمام مدخل ما كانت أشبه بالقرية النائية يود الدخول، لكن الضوء تشتت أكثر فأكثر حيث وأمام عيني فيرنون رأى الطفل يحك ساعده بتوتر وعلامات الرفض تظهر على وجهه، حينها نظر فيرنون وآيدن الى الطفل يغادر ونوره يتلاشى بيأس. كان فيرنون ذو قوة غير مسبوقة بين أفراد مجموعته، كان أثيري، لكن حتى الأثيريون لديهم حدود بالرغم من عرقهم المميز. الأثيريون هم سلالة تستطيع التحكم بهالة غير مرئية حولهم، حتى الذكريات والمشاعر تتشكل بين أيديهم إما باستخدام الضوء وموجاته أو باستخدام الظلال المتشكلة من النيران، طاقتهم الدافئة تجذب العديد من الكائنات كالفيريز.  


"هل تريد أن تدخل الان أم نترك علامة هنا لنعود لاحقا؟" قال آيدن يحدق بشرود فيرنون المفاجئ، لوح بيده أمام عينه اليمنى ثم انتقل لليسرى لكنه لم يستجب، "لا أصدقك يا رجل" قالها بنبرة شبه متذمرة ثم رفرف بجناحيه نحو وجه فيرنون يركل انفه بقدمه مما جعل الآخر يتأوه ألما "ما الذي تفعله؟!" قال فيرنون بنبرة تسللها الغضب. 


"قل لنفسك، أنت تقف هنا منذ دقائق" ألقى بنظره نحو مدخل القرية من جديد "أفكر إن كان يجب عليَّ التخلص من ذهبي الرأس أم أتركه يذهب" حينها قررت قدميه أن تدخلا المكان الذي حرم على طفل مشرد، لسبب ما ورغم أن من ينظر لفيرنون بشعره المبعثر وعباءته المهترئة من الرمال سيقول أنَّه من أحد الأحياء الفقيرة، هل من سيوقفه؟ اختبأ آيدن في حقيبته يتَصنَّت على الأصوات من حولهم. عدة دقائق توالت ولم يحدث أي أمر غريب، لم يوقفه أحد، لم يسأله أحد عن سبب تواجده، لم يتعجب أحد من سيره حول المنازل صغيرة الحجم. "معذرةً، هل لك شأن في قريتنا؟" إن كان هنالك أمر مريب في هذا المكان فسيكون ساكنيه، جميعهم حنطيي البشرة، عيون ذهبية، خصلات سوداء، ومن صغيرهم الى كبيرهم يحملون خنجر ملتصق في زنارهم، حتى من وقف بابتسامة على أطراف شفتيه كان يترقب بتحركاته منتظر فرصة للإنقضاض، 


"هل لهذا المكان اسم؟" قال يحاكيه بابتسامة مصطنعة، أجابه بنبرة متشككة وكأنه يرفض الإفصاح عن معلومات كهذه "أنت لست من هنا، صحيح؟" لم يكن سؤالًا.. ولم يكن له إجابة "وأنتم؟ أليست هذه القرية... مجهولة؟" أشار فير بيده نحو الشمال، حيث الطريق المؤدي للقصر الامبراطوري.. حيث سيلستيا، التظاهر بأنك تابع مطيع لقصر الامبراطورية ليس بخطة سيئة إن قام البعض بصم آذانهم عن الحقيقة، أن تكون أعمى لواقع ما لا يعني أنك ترى الصواب به، أليس كذلك؟ كواقع وجود قبيلة من الاقاليم القديمة التي منع بها الانفراد واجبرت على الاختلاط بالبقية، إن وصل نبأ كهذا لمن يجلس على العرش.... تساءل فيرنون، ما الذي سيحدث لهم؟ 


بابتسامة ملتوية واسنان مدببة أخرج الذي بدا وكأنه المسؤول عن القرية هنا خنجره يشير به لعنق فيرنون.. بالتحديد الى وصمة الشعلة على جلده "لسنا الوحيدين الذين لا ننتمي الى هذا المكان، أخبرني بهدفك إن أردت البقاء حيًا" تشتت نظر فير للجموع التي بدأت تحشد ذاتها حولهما، ما الذي يمكن لسكان إقليم منتهِ أن تفعل؟  


"أنت تعلم أكثر من غيرك أمثالي من يكونون صحيح؟ قل لكلابك أن تتراجع قبل أن أقطع السنتهم" عيني الواقفين حدجت به، جميعهم يتوقون للفتك بفيرنون كفريسة مجانية لكن قائدهم رفع يده، حركة واحدة كانت كافية ليتراجعوا الى الخلف خطوتين "ما مطلبك؟" سأل وهو يمد يده كنبيل اعتاد على مدها للآنسات في قاعة رقص، الاختلاف الوحيد هو أن كلاهما يرقص على كفة الدماء. تقدم فير خطوتين يصافح الاخر "هل سمعت عن سيرك الموتى؟" للحظة وقع الكلام كوقع الكارثة على المستمعين، ترددت وجوه واكفهرت أخرى، قبضة فير المُعتَصَرة من قبل من يشد عليها، كأنهم مراقبين... كأن أحدهم حرمهم من نطق هذه الكلمات التي جعلت الصمت يحل عليهم جميعا، هل تم تهديدهم؟


"هل من أحد قال.. سيرك الموتى؟" تنحى الواقفون الى صفين جانبيين حين تقدم ثمانِ رجال من وسطهم.. وعلى عكس المواطنين كانوا بأوصاف مختلفة، ملابس تبدو حديثة لأشخاص يعيشون في مكان كهذا، قميص أبيض وسترة بيضاء بنقوش ذهبية، يعتلي أكتافهم شارة بنقش غريب يتصل بسلسلة ذهبية الى قماش بلون أحمر على شكل زهرة الكاميليا في الجهة اليسرى لسترتهم، لم تكن أجسادهم ذات الشكل المهيب لكن لهم هالة لا تطاق،. حين دخلوا بانتظام وبخطوات متوافقة ظن فير أن بعض الجنود تقفَّوا حركاته، لكن ما أن توقفت عيني فير عن الحركة حين لمح شعر بلون العملات الذهبية تبددت شكوكه.. هؤلاء هم الـ {السيرك}إذا؟ أفلت فير قبضته من تلك المصافحة يتقدم بملامح صامتة وعينين ثاقبتين نحوه.. إن السهام لا تنحني، ما أن توجه لهدف حتى وقعت عليه، لكن هدف فير يرتدي طبقات من الدروع. 

"أتيت بهدف تقديم طلب لكم، من القائد بينكم؟" لم تتحرك مقلتيهم انش عن فير، بل ووجه أحدهم إصبعه نحو حقيبته المعلقة "أخرج حشرتك" قال بنبرة متجمدة جعلت آيدن يرتعش ويخرج، هذا الرجل هو أكثرهم ثقلا، هذه المرة الأولى منذ زمن الذي كاد الاثنين يقسمان بارتعاشهم.


"احذر.." قال آيدن يرفرف بجناحيه الى جانب فيرنون، تقدم الذي طلب من ايدن الخروج نحوهما يمد يده نحو الذي يحاول التحليق عنهم بعيدا ببطء، أمسكه من جناحيه يتحرى بعينيه شكل آيدن وتصرفاته. 


"أرى أن سلالتك انحدرت حتى ترافق ضعيف مثله؟" ألقى بكلماته الجافة نحو من يبدو بحجم حشرة أمامه، كزَّ آيدن على أسنانه يرمق هذا الغريب بوعيد يلاحقه لأجيال، كائنات الفيريز رقيقة عن بعد، لكن عند إغضابها يصبح الامر كوصمة عار تلاحق أجيال الهدف، ابتعد الرجل يلمح فيرنون الهادئ.. أو لنقل الذي يصب جام تركيزه على شخص واحد، تبعه بنظراته التي تكاد تخترق ذهبي الرؤية، ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتيه يتراجع للخلف باستهزاء.


عيني فيرنون التي لم تتزحزح لفترة ألقت بنفسها على آيدن يعطيه إشارة يعرفانها "لدي عرض واحد، إما أن تنضموا إليَّ أو أتخلص من القرية التي تخفيكم بين أفرادها" رفع فيرنون ذراعه جاعلا آيدن يقف على كفه تناثر بعض الضوء المتشتت نحو فيرنون وبدا كأن آيدن يمتص هذه الشظايا، قام بفتح فمه ليصرخ بلا صوت مسببا ترددات غير مسموعة جعلت البعض ينزف من أذنيه والآخر يغلقها خوفا من اصابته بالصمم، بقي ثمانيتهم بملامح ممتعضة ينظرون لمن حولهم ثم للواقفين ينتظران إجابة "ما الذي يجعلك تظن أننا من تبحث عنهم؟" 


قال ذو الشعر الذهبي، الواقع أن خصلاته ليست بهذا اللون لكن أحدهم لا يجب عليه أن يكون هنا.. أحدهم أثيري، كره فير أن عليه الإجابة.. كره أنه هو من سأل، أراد فقط أن ينهيه، شيء ما في عقله أراد أن يقتله لكنه لم يستطع "احدكم هنا من فصيل النبلاء وأعلم من يكـ" لم يكمل فير كلامه حتى وجد ذاته بأنفٍ نازف ووجه يتجه لليسرى، عندما أعاد نظره للذي وقف أمامه بقبضة محمرة كان أحد الثمانية بخصلات فضية، حينها ضحك ساخرا.. بدأ بقهقهة ارتفعت صوتها حتى انفجر ضاحكا، أجل.. هذا ما سمع عنه قبل قدومه الى هذه المهمة، حادثة السيرك المريبة، سيرك الموتى... التي قال البعض أن ثمانية نبلاء خرجوا بجلودهم أحياء عند انتهاء العرض وقبل أن يكمل البقية خروجهم كانوا قد اختفوا! الذين خرجوا كانوا بملامح ومواصفات مميزة لا تكاد تميز بينها وبين النبلاء.


"لا عجب أنكم من وراء حادثة السيرك، هل تتعطشون للمال لدرجة أن لديكم عملة ذهبية وفضية؟ بجدية ظننتكم أفضل من هذا.." قالها يمسح الدماء من انفه ناهضًا "لكنني لست عدوًا.. على الأقل عدا أحدكم، هل سمعتم عن المنظمة التي ولدت حديثا؟" ألقى بنظره على الواقف خلفهم، هم ليسوا بثمانِ أشخاص، بل تسع.. وتاسعهم صافحه قبل قليل، الطريقة التي وجه بها كلامه نحو قائدهم جعله يبتسم ابتسامة صفراء، هو يعلم أن فيرنون وخروجه من هذه البقعة دون اتفاق تعني مشاكل لا طائل لها لذا ببساطة.. قرر الاستماع له.


"لقد جذبتم نظر رئيسها لذا نود عقد صفقة معكم، بهدف واحد.. التخلص من سيلستيا وأعوانها" رمقهم بنظره وعينيه تلمعان بشيء من الاستمتاع، هو ليس غافل عن تحول هالة المكان حولهم.. يحاولون صنع حاجز لكيلا يتمكن من الهروب، وضع فير سبابته أمام شفتيه المبتسمتان يتمتم ببعض الكلمات ثم يوجهه للأعلى، شيء ما في السماء بدا محطم وهو ما جعل أحد الثمانِ بأذنين تشبه أذني الفيريز الممتدة وخصلات الشعر الطويلة يجفل، لم يتوقع أن يلاحظه بل لم يتوقع رؤية أثيري هنا، حقيقة أن الاثيرين ليسوا فقط من البشر تجعل شيء داخل فيرنن يتقلب.. هل كانت امه بشرية حتى؟

تقدم تاسعهم وقائدهم "كيف عرفت بهذا المكان؟ وبنا؟" سأل وهو يعلم أن إجابته تعني ثغرة قد وجدت في تحركاتهم، وإن كان رجال لمنظمة جديدة عرفوها فهذا يعني انكشافهم للمتمرسين.


حلق آيدن حول رأس الذهبي يبتسم بأنياب مدببة ثم قال "حتى أخفت النيران تمتلك ظل يكشفها" ثم نظر للقائد يضيف "أما عنكم، فتمثيلكم بكونكم نبلاء سخيف، على الأقل اتركوا بعض الضحايا تهرب، لا أن تخرجوا خاليين من الدماء من مكان غارق به" 


الحقيقة التي لم تدرج في الملف والمقابلات أن هنالك بعض الضحايا الذين خرجوا بالفعل من بعد العرض بلا خدش الا وهو ما جعل بعض النبلاء يشكون بصحة حقيقة الجريمة، هم لم يختفوا.. الجثث لم تختفِ لكن لنقل أنَّ شيء ما ابتلعها، كالأرض؟ "ثم ألا تلاحظون أمر ما؟ جميعكم من الاقاليم المختفية، حتى ذهبي الرأس لا يمكنه الحفاظ على لون شعره المزيف بشكل صحيح" عدا القائد، الثمانية يبدون بسمات الأقاليم القديمة بوضوح خصيصا فضي الخصلات، تقدم فيرنون من ترابي الملمح، خصلاته البنية وبشرته السمراء.. جارسيا إذا؟ وقف أمامه بفارق طولٍ بسيط يهمس له لفترة قصيرة ثم يبتعد، عينيه الحائرتين وقبضته التي اعتصرها لثوانٍ توقفت على فيرنون الذي بدا وكأنه لم يقل شيئا بل أخبره بأمر طبيعي.. لكنه في الحقيقة أهانه، أهان سلالة جارسيا بأكملها


"إذا.. هل لدينا اتفاق؟" أعاد وقوفه أمامهم ينتظر إجابة تنهي هذا اللقاء الغير مرحب به من الدرجة الأولى،

"ما الذي سنجنيه من اتفاقك؟ كل ما قدمته للان هو الانضمام لك او كشفنا، ألا يبدو هذا كتهديد؟" أضاف أحد الثمانية


"حماية، وتخفِ" أجابه بما كان ينقصهم، الحماية لأفعالهم والتستر عليها.. حينها صافحه قائدهم بلا اضافات


هذه المرة لم تكن مصافحة دماء، بل مصافحة تشترك بمصالحها، عندما أنهى فير إعطاء التعليمات لقائدهم ومغادرته، نظر القائد لكلا الرجلين ذوا الشعر بألوان العملات، ثم ذهب يبحث بين البقية عن ذا شعر ترابي "الان اكتملتم" صدرت قهقهة ممَّن يقفون حولهم، "في المرة القادمة لن أفكر بجعله ذهبي اللون حتى.." قال بانزعاج يسمح لذاته بالانسحاب كما فعل البقية، عدا أحدهم.. 


"هل أنت متأكد من هذا؟" أضاف بصوت منخفض وهادئ.


"كلا، لكن لدي شعور جيد حياله" قام قائدهم بلف ذراعه حول كتف الفضي يسحبه معه بينما يثرثر ويزعج الاخر بأمور لا يود سماعها.


------------------------------------------------------------------------------- 


سيدتي.. عندما احلم بكِ، عندما أتيقن من وجودك بجانبي، عندما أنتشي بعبقك، فقط عندها خذي بغمدك واغرسيه بهذا الفؤاد المحطم.. 


 


سيدتي طال غيابك وبدأت أظن أنك كنت منذ البداية سراب.. 


 


لكن استريحي ولا تقلقي، فقد بدأت خيوط المسرح تكشف عن ستارتها، 


 


إذا.. اي الدمى عليَّ تحريك خيوطها أولا؟ 


---------------------------------------------------------------------------- 


مرحبا جميعا! وقتٌ طويل لم نلتقِ به.. لكنني ارجوا عودة بلا غياب الان 3> 

اخبروني برايكم.. ما توقعاتكم للقادم؟



الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صخب التنين.

المؤلف دُجَـى.
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة