الفصل الخامس: الغريب ذو الشعر الأبيض

الفصل الخامس: الغريب ذو الشعر الأبيض

22 0

ساد الصمت.

لم يكن صمتًا عاديًا...

بل ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق اصطدام السيوف.

وقف الشاب ذو الشعر الأبيض بين الأشجار بثبات، وكأنه لم يتفاجأ بوجودهما أصلًا.

أما بارق...

فقد تبدلت ملامحه تمامًا.

اختفى هدوؤه المعتاد، وحلّت مكانه نظرة حادة لم يرها آران طوال العام الذي أمضاه معه.

وفي لحظة...

أمسك مقبض سيفه.

وقال دون أن يحيد ببصره عن الغريب:

«تراجع يا آران.»

لم يسأل آران عن السبب.

كان قد تعلم خلال عامٍ كامل أن بارق لا يرفع سيفه عبثًا.

ابتعد عدة خطوات إلى الخلف.

وفي اللحظة التالية...

اندفع بارق بسرعة خاطفة.

صــــدام!

ارتطم سيفه بسيف الغريب، وتناثرت الشرارات بين الأشجار.

رفع الشاب سيفه في اللحظة الأخيرة، وأوقف الضربة بثبات مدهش.

ثم ابتسم ابتسامة هادئة.

«هجوم جميل.»

لم يجبه بارق.

بل سحب سيفه سريعًا، وأطلق ضربة جانبية أعقبها بطعنة مباشرة نحو صدره.

لكن الشاب مال بجسده بخفة، فمر النصل بمحاذاة ثوبه.

ثم رد بضربة خاطفة.

صــــدام!

تقاطع السيفان من جديد.

وقف آران يراقب القتال وقد انعقد لسانه.

(وش السرعة ذي...؟)

لم يعد يرى سوى ومضات الفولاذ، وصوت اصطدام السيوف يتردد بين الأشجار.

اشتدت المبارزة.

كل هجمةٍ كانت تُقابل بهجمة.

وكل محاولةٍ للمباغتة كانت تُحبط في اللحظة الأخيرة.

شعر آران بقشعريرة تسري في جسده.

(أول مرة أشوف بارق يقاتل بذا الشكل...)

كان يظن أن تدريبات العام الماضي تمثل كامل قوة معلمه.

لكن ما يراه الآن...

كان شيئًا مختلفًا تمامًا.

قفز الشاب الأبيض إلى الخلف.

ثم اختفى فجأة.

اتسعت عينا آران.

(وين راح؟!)

لكن...

بارق لم يتحرك.

أغمض عينيه للحظة.

ثم استدار بسرعة.

صــــدام!

ظهر الشاب خلفه مباشرة.

لكن سيف بارق كان بانتظاره.

ابتسم الشاب بإعجاب.

«أدركت مكاني... رغم أنك لم ترني.»

أجاب بارق بهدوء:

«الخبرة... تُغني أحيانًا عن العين.»

استمرت المبارزة دقائق أخرى.

لم يستطع أحدهما إصابة الآخر.

لكن مع مرور الوقت...

بدأ بارق يفرض إيقاعه.

خفض جسده قليلًا، وأوهم خصمه بأنه يستهدف ساقه.

تحرك الشاب لصد الضربة.

وفي اللحظة نفسها...

غيّر بارق اتجاه سيفه بحركة خاطفة.

ليستقر حد النصل عند عنق خصمه.

ساد الصمت.

ثم ابتسم الشاب.

وأبعد السيف برفق.

«يكفي.»

أعاد سيفه إلى غمده.

ثم انحنى برأسه قليلًا احترامًا.

«يسرني أنني التقيت بمحارب مثلك.»

أعاد بارق سيفه إلى غمده.

وقال بهدوء:

«وأنت أيضًا... لست مقاتلًا عاديًا.»

اقترب آران بحذر.

وما زالت عيناه تتنقلان بين الرجلين.

ابتسم الشاب وقال:

«اسمي رون.»

ثم أضاف:

«ويبدو أنني لم أحسن تقديم نفسي.»

أجاب بارق باقتضاب:

«بارق.»

للحظة...

اختفت ابتسامة رون.

وكأن الاسم أيقظ في ذاكرته شيئًا قديمًا.

لكنه سرعان ما استعاد هدوءه.

ثم التفت إلى آران.

كانت عينه اليمنى الزرقاء تنظر إليه بثبات.

أما عينه اليسرى...

فكانت تعبرها ندبة قديمة، ويلتمع لونها الفضي كلون ضوء القمر.

«وأنت؟»

«آران.»

ابتسم رون.

«تشرفت بمعرفتك يا آران.»

وقبل أن يتحدث آران...

قال بارق بنبرة حاسمة:

«إنه ابني.»

نظر آران إلى بارق باستغراب.

لكنه فهم المقصود.

فاكتفى بالصمت.

نظر رون إليهما للحظات.

ثم سأل:

«ومنذ متى تعيشان قرب الغابة؟»

أجاب بارق بهدوء:

«منذ زمنٍ يكفي لأن أعرف متى أرفع سيفي... ومتى أعيده إلى غمده.»

ابتسم رون ابتسامة صغيرة.

وأدرك أن الرجل أمامه لن يمنحه أي معلومة بسهولة.

فاكتفى بتغيير الموضوع.

«يبدو أننا نسلك الطريق نفسه.»

أجاب بارق:

«الطريق يتسع للجميع.»

ثم بدأ الثلاثة يشقون طريقهم خارج الغابة.

✦ ✦ ✦

مع كل خطوة...

بدأت الأشجار تقل كثافة.

حتى انكشف أمامهم طريق حجري واسع، تعبره العربات التجارية ويزدحم بالمسافرين.

كسر رون الصمت قائلًا:

«أتجه إلى نقابة الصيادين هذا العام.»

نظر إليه بارق.

«هل قطعت كل هذه المسافة وحدك؟»

«نعم.»

صمت قليلًا.

ثم سأله بارق:

«ومن أي أسرة أنت؟»

ابتسم رون بهدوء.

«وهل سيغيّر اسم أسرتي شيئًا؟»

أجابه بارق:

«لا.»

«إذن... دعنا نكتفي بمعرفة الأسماء.»

لم يعلّق بارق.

لكن آران شعر أن كليهما يخفي شيئًا عن الآخر.

وبعد لحظات...

قال رون وهو ينظر إلى سيف آران:

«يبدو أن ابنك لم يمضِ وقتًا طويلًا مع السيف.»

أجاب بارق بثقة:

«ما يزال في بداية طريقه.»

أومأ رون.

«لكن أساسه متين.»

ابتسم آران في داخله.

(الحمد لله... شكله ما شك فينا.)

واصلوا السير.

حتى ظهرت أمامهم أسوار شاهقة تمتد لمسافات بعيدة.

وفي منتصفها...

ارتفعت بوابة حجرية ضخمة، نُقش فوقها شعار فيلق الصيادين.

توقف آران تلقائيًا.

ورفع رأسه ببطء.

امتدت خلف البوابة مبانٍ شاهقة، وساحات تدريب واسعة، تعج بالمقاتلين والمتدربين.

خرجت الكلمات من فمه دون شعور.

«هذا... فيلق الصيادين؟»

ابتسم بارق ابتسامة خفيفة.

«بل هذه مجرد البداية.»

دخل الثلاثة عبر البوابة.

وما إن وقع بصر الحراس على بارق...

حتى اعتدلوا في وقفتهم.

ثم انحنوا احترامًا.

«مرحبًا بك، سيدي بارق.»

ولم يقتصر الأمر على الحراس.

بل تنحّى عدد من المقاتلين عن الطريق تلقائيًا.

كانت هيبة الرجل وحدها كافية.

اتسعت عينا آران.

(وش...؟!)

(واضح بارق ماهو بشخص عادي )

أما رون...

فاكتفى بمراقبة المشهد بصمت.

ولمعت في عينه الزرقاء نظرة اهتمام.

بعد دقائق، وصلوا إلى ساحة التسجيل.

توقف بارق.

ووضع يده على كتف آران.

«من هنا... تبدأ رحلتك الحقيقية.»

ابتسم آران.

ثم تقدم خطوة، وعانق بارق عناقًا قصيرًا.

وقال بصوتٍ امتزج فيه الامتنان بالحماس:

«شكرًا... على كل ما علمتني إياه.»

ربت بارق على ظهره.

وقال:

«لا تُخذل نفسك... ولا تُخذلني.»

ابتسم آران بثقة.

«لن أخذلك.»

أومأ بارق.

ثم استدار، وسار بين مباني النقابة حتى اختفى عن الأنظار.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال رون:

«هل تعرف شيئًا عن نظام نقابة الصيادين؟»

هز آران رأسه.

«ليس كثيرًا.»

ابتسم رون.

«سأذهب أولًا لأعرف موعد بدء التسجيل... انتظرني هنا، ثم سأشرح لك كل ما تحتاج معرفته.»

«حسنًا.»

استدار رون.

واختفى بين الزحام.

أما آران...

فبقي واقفًا وحده وسط ساحةٍ تعج بالمئات من المتقدمين.

نظر حوله بفضول.

ولم يكن يعلم...

أن اللحظات القادمة ستغيّر مسار حياته من جديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أصبحتُ مهمًا بسبب ما أهملت: آران – الدخيل إلى الممالك الثلاث

المؤلف wand wn
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة