مرّ عامٌ كامل بدا لراكان وكأنه دهرٌ من المشقة والأمل.
عامٌ مضى منذ تلك الليلة التي استيقظ فيها في عالم الممالك الثلاث، حاملاً اسمًا جديدًا فرضته عليه الأقدار: آران.
لم تكن الأيام سهلة قط.
فبين تدريبات بارق القاسية التي لا تعرف الرحمة، وحنينه المستمر إلى الرياض ووالدته وأخته، وجد نفسه يُعاد تشكيله يومًا بعد يوم.
خلال ذلك العام، تبدل كثيرًا.
اختفت بنيته العادية، وحل محلها جسد قوي صقلته التدريبات المتواصلة.
وتعلم لغة الممالك حتى أصبح يتحدث بها بطلاقة، كما تعرّف إلى أسرار هذا العالم شيئًا فشيئًا.
علم أن الأرض تنقسم إلى ثلاث ممالك عظيمة: وند، ولنيار، ونويس.
وتفصل بينها جميعًا غابة هائلة تُعرف باسم "الغابة الفاصلة"، وهي أكثر بقاع العالم خطرًا ورهبة.
لكن التغيير الأكبر لم يكن في قوته أو لغته.
بل في جيبه الخالي.
فبعد أشهر من وصوله، اكتشف أن الانضمام إلى فيلق الصيادين يحتاج إلى رسوم باهظة من الذهب.
وبينما كان يفكر في طريقة لجمع المال، لمح يومًا أوراق العنب التي أنقذته من الجوع في أيامه الأولى.
عندها لمعت الفكرة في رأسه.
بدأ بتجارب بدائية داخل كوخ بارق.
في المحاولة الأولى احترق الطعام بالكامل.
وفي الثانية كان الأرز قاسيًا كالحصى.
أما الثالثة فخرجت بحموضة لا تطاق.
لكن راكان لم يستسلم.
ومع مرور الوقت، نجح أخيرًا في إعداد أول طبق ورق عنب حقيقي في تاريخ الممالك الثلاث.
وحين تذوقه بارق، اتسعت عيناه بدهشة واضحة.
وأخذ يأكل بنهم وهو يهتف:
- «ما هذا الطعام العجيب يا آران؟! لم أتذوق شيئًا كهذا في حياتي!»
ومن تلك اللحظة، بدأت رحلة نجاح لم يتوقعها أحد.
شيّدا معًا عربة خشبية صغيرة لبيع الطعام على الطرق التجارية.
وسرعان ما ذاع صيت الطبق الجديد بين التجار والمسافرين.
وخلال أشهر قليلة فقط، تحولت العربة إلى مطعم صغير على أطراف مملكة وند.
تولى بارق إدارته بنفسه، بينما ادخر راكان ما يكفي من المال لتحقيق هدفه الأكبر :
الانضمام إلى فيلق الصيادين.
❖━━━━━━༻⚜༺━━━━━━❖
في صباحٍ مشرق، دخل بارق إلى المطعم حاملاً سيفًا جديدًا.
وضعه على الطاولة أمام راكان وقال بنبرة يملؤها الفخر:
- «لقد مر عام كامل يا آران. اشتد ساعدك، وأصبحت رسوم الفيلق بين يديك. اليوم سنذهب إلى الغابة الفاصلة. هناك سيبدأ اختبارك الحقيقي.»
ارتسمت الحماسة على وجه راكان.
تناول السيف الجديد وأحكم تثبيته عند خصره.
ثم دس ساعته الرقمية داخل كمه الطويل كعادته.
كانت الساعة ما تزال تعمل رغم مرور عام كامل.
وما زالت تذكره كل يوم بالبيت الذي فقده.
خرج الاثنان إلى الساحة الخلفية للمطعم.
وهناك تجمد راكان في مكانه.
أمامه وقف جوادان ضخمان من الخيل الأصيلة.
كانا يضربان الأرض بحوافرهما في قوة وهيبة.
امتطى بارق جواده بسهولة، ثم التفت إليه وقال:
- «هيا يا آران.. اركب. »
ابتلع راكان ريقه.
وفي داخله بدأت الأفكار تتصادم بجنون.
(أنا في الرياض كان أكبر إنجاز لي أسوق كابرس... والحين يبيني أركب حصان؟!)
اقترب من الجواد بحذر.
وضع قدمه في الركاب.
ثم حاول الصعود كما يفعل الفرسان.
لكن رداءه الطويل تعثر تحت قدميه.
وفي اللحظة التالية...
سقط على ظهره أمام الجميع.
أطلق الحصان صهيلاً مرتفعًا.
وبدا لراكان وكأنه يضحك عليه.
أما بارق فحدق فيه بذهول.
- «آران؟! لا تقل إنك نسيت ركوب الخيل أيضًا!»
نهض راكان بسرعة وهو ينفض الغبار عن ثيابه.
ثم حك مؤخرة رأسه مبتسمًا بإحراج.
- «لا ... ولكن الحصان هذا ينظر لي بنظرة فيها مشكلة شخصية.»
تنهد بارق طويلًا.
ثم نزل عن جواده وأخذ يعلمه طريقة الركوب خطوة خطوة.
وبعد محاولات عديدة...
نجح آران أخيرًا في البقاء فوق الحصان دون أن يسقط.
☾────────────☽
بعد ساعات من السير، وصلا إلى أطراف الغابة الفاصلة.
كانت الأشجار العملاقة تحجب معظم الضوء.
والرطوبة الثقيلة تخنق الأنفاس.
ترجل الاثنان من جواديهما.
وسحب كل منهما سيفه.
ساد صمت غريب.
صمت يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
وفجأة...
انكسر صمت الغابة على وقع تحطّم الأغصان بعنف.
وخرج من بين الضباب مخلوق ضخم مشوه الهيئة.
كان يشبه ذئبًا هائلًا، لكن جسده مغطى بحراشف سوداء، وعيناه الحمراوان تتوهجان بحقد مخيف.
أطلق الوحش زئيرًا هز أرجاء الغابة.
ثم اندفع مباشرة نحو بارق.
تفادى بارق الهجوم بخبرة كبيرة.
وسدد ضربة قوية بسيفه.
لكن النصل ارتد عن جلد الوحش كأنه اصطدم بصخرة.
تراجع بارق للخلف متألمًا.
وفي اللحظة التالية...
التفت الوحش نحو آران.
وانقض عليه بسرعة مرعبة.
تجمد آران لجزء من الثانية.
ثم رفع سيفه غريزيًا.
ومع اقتراب الوحش منه، عادت إلى ذهنه ذكريات الليلة الأولى.
ليلة النجاة.
ليلة الكلمة.
أغمض عينيه وصرخ بكل ما يملك من قوة:
- «بسم الله!»
وفي اللحظة نفسها...
حدث أمر لا يصدق.
توقف الوحش فجأة.
وتصلب جسده في مكانه.
ثم أطلق عواءً مليئًا بالرعب.
وبدأت قوته تتلاشى بصورة واضحة.
هوى إلى الأرض مرتجفًا وضعيفًا.
وكأن شيئًا ما انتزع منه مصدر قوته بالكامل.
فتح آران عينيه بصدمة.
لكنه لم يتردد.
اندفع للأمام.
وهوى بسيفه على عنق الوحش.
فما إن لامس النصل جسده حتى تحول الكائن كله إلى رماد أسود تذروه الرياح.
تمامًا كما حدث في تلك الليلة قبل عام.
وقف آران يلهث.
وعيناه معلقتان بالرماد المتطاير.
لم تعد المسألة مجرد مصادفة.
في المرتين كان ذكر اسم الله هو السبب.
وفي المرتين انتهى الأمر بالطريقة نفسها.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
وهمس لنفسه:
- «هذولي مو وحوش عادية...»
ابتلع ريقه.
- «هذولي شياطين...»
أما بارق، فكان قد أُلقي بعيدًا اثر ارتداد ضربته، فلم تبلغ مسامعه صرخة آران حين صاح: «بسم الله».
اقترب منه آران، فوجده يحدق في الرماد بالصدمة نفسها.
لكن قبل أن يتحدث أحدهما...
صدر صوت خلفهما.
صوت هادئ وواثق.
- «يا لها من طريقة مثيرة للاهتمام في القتال.»
استدار الاثنان فورًا.
وارتفعت حدة الحذر في عيني آران.
خرج شاب من بين الأشجار بخطوات هادئة.
كان طويل القامة، يرتدي ملابس فاخرة خاصة بصيادي النخبة.
وعلى شفتيه استقرت ابتسامة غامضة يصعب فهمها.
امتلك شعرًا أبيض طويلًا ينسدل على كتفيه.
أما وجهه فكان يحمل ندبة واضحة تمر فوق عينه اليمنى المصابة.
بينما تألقت عينه اليسرى بلون أزرق سماوي لافت.
ورغم مظهره الهادئ...
شعر آران أن هذا الرجل ليس شخصًا عاديًا.
أبدًا.
وتجمدت نظراته عليه، محاولًا معرفة هوية هذا الغريب الذي ظهر فجأة في أخطر مكان بالممالك الثلاث.
wand wn