دَوَى رنين المنبّه للمرة الثالثة على التوالي، ممزقًا سكون الغرفة الدافئة.
مدّ راكان يده بثقل وتذمر، وضغط على الزر ليُخرسه، قبل أن يدفن وجهه مجددًا في وسادته مستسلمًا لإغراء النوم.
- "خمس دقايق بس..."
همس بها بصوت مبحوح؛ وهي الجملة نفسها التي اعتاد أن يخدع بها نفسه كل صباح.
لكن قبل أن يغفو مجددًا، سمع طرقًا خفيفًا على الباب، تبعه صوت والدته الدافئ:
- "راكان، قم يمه، بتتأخر على الجامعة."
تنهد باستسلام، وجلس ببطء على طرف السرير. مرر أصابعه بين خصلات شعره الأسود المبعثرة محاولًا طرد بقايا النعاس، ثم نهض متثاقلًا.
بعد دقائق، كان يقف أمام مرآة الحمام يغسل وجهه بالماء البارد.
رفع رأسه ونظر إلى انعكاس صورته لثوانٍ.
لم يكن يرى في نفسه شيئًا مميزًا؛ شاب في مقتبل العمر، طويل القامة ببنية عادية، يمتلك بشرة سمراء فاتحة وعينين عسليتين هادئتين. وتحت عينه اليسرى استقرت تلك الشامة الصغيرة التي رافقته منذ طفولته.
أبعد نظره عن المرآة وتنهد.
في نظره، لم يكن سوى طالب جامعي عادي يقضي أيامه الأولى في السنة التحضيرية دون شغف حقيقي.
خرج من غرفته متوجهًا إلى المطبخ، حيث كانت رائحة الشاي الساخن تملأ المكان.
وقفت والدته عند الموقد تُعد الإفطار، بينما جلست أخته على الطاولة منشغلة بهاتفها.
جلس بصمت وبدأ يتناول طعامه.
راقبته والدته للحظات قبل أن تسأله:
- "صليت؟"
- "إيه يمه، صليت."
هزت رأسها برضا ثم قالت:
- "وأذكارك؟"
أخذ رشفة من الماء وقال متجنبًا النظر إليها:
- "بقراها بالطريق إن شاء الله."
رمقته بنظرة تعرفها الأمهات جيدًا، نظرة تقول إنها تعلم أنه سينسى.
- "الله يهديك ويصلحك."
ابتسم بخفة ونهض ليلتقط مفاتيحه.
لكنها نادته قبل أن يفتح الباب:
- "راكان."
التفت إليها.
قالت بجدية ممزوجة بالحنان:
- "لا تنسى الأذكار هالمرة."
تنهد مبتسمًا:
- "إن شاء الله يمه."
ضيقت عينيها قليلًا.
- "مو كل يوم تقول إن شاء الله وتنسى؟"
ابتسم بحرج.
- "لا تخافين، بقراها بالطريق."
اقتربت منه وربتت على كتفه.
- "يا ولدي، والله ما أوصيك فيها إلا خوفًا عليك."
لانت ملامحه قليلًا.
- "أدري يمه."
ابتسمت وقالت:
- "الله يحفظك."
- "آمين."
اتجه نحو الباب، لكن شيئًا ما شد انتباهه فجأة.
على الخزانة الصغيرة قرب المدخل استقرت صورة عائلية قديمة.
توقف.
كانت صورة التُقطت قبل سنوات؛ يوم كانت الضحكات أسهل، والأيام أكثر دفئًا.
قبل أن يتبعثر كل شيء.
وقبل أن يتحول والده إلى شخص غائب لا يسمع أخباره إلا من الآخرين.
شعر بانقباض خفي في صدره.
فأشاح بنظره سريعًا.
لم يكن يطيق النظر إلى تلك الصورة طويلًا.
- "راكان؟"
أيقظه صوت والدته من شروده.
- "مطول؟ بتتأخر يا ولدي."
تنفس بعمق وضغط على مفاتيحه في يده.
- "طالع يمه... استودعتكم الله."
ركب سيارته وأدار المحرك وانطلق وسط زحام شوارع الرياض المعتاد.
وفي منتصف الطريق، تذكر فجأة وصية والدته.
أذكار الصباح.
فكر أن يفتح هاتفه عند أول إشارة مرورية ويقرأها.
لكن سرعان ما سحبته أفكاره إلى المحاضرات والواجبات وضغوط الدراسة.
وبعد دقائق...
نسي الأمر تمامًا.
كالعادة.
مر اليوم بطيئًا وثقيلًا.
محاضرات طويلة، وقاعات باردة، وملاحظات يكتبها دون تركيز حقيقي.
وحين انتهى الدوام أخيرًا، عاد إلى المنزل منهكًا.
دخل غرفته وألقى حقيبته على الأرض.
لكن شيئًا فوق مكتبه الخشبي جذب انتباهه.
علبة لعبة جديدة ذات غلاف لامع.
اتسعت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
وأخيرًا تذكر.
كان قد اشتراها قبل أيام، لكنه لم يجد فرصة لتجربتها.
التقط العلبة وتأمل الغلاف.
لم يشبه أي لعبة رآها من قبل.
ألوان داكنة ورسومات غامضة.
وفي أسفل الغلاف كُتبت ثلاثة أسماء بخط غريب:
«وند... لنيار... نويس»
عقد حاجبيه باستغراب.
- "وش هالأسماء الغريبة؟"
جلس أمام جهاز البلايستيشن وأدخل القرص.
أضاءت الشاشة وبدأ شريط التحميل يتحرك.
في البداية بدا كل شيء طبيعيًا.
ثم ظهر شعار غريب لم يره من قبل.
وتحته ظهرت الأسماء الثلاثة مجددًا:
«وند... لنيار... نويس»
وقبل أن يستوعب ما يراه، بدأت الشاشة تومض بعنف.
مرة...
مرتين...
ثلاث مرات...
اعتدل في جلسته.
- "وش السالفة؟ وش فيها الشاشة؟"
وفجأة...
انقطع الصوت.
ثم اختفت الصورة.
ثم انطفأ النور.
ولم يكن نور الشاشة وحده من اختفى.
بل بدا وكأن العالم بأسره غرق في ظلام حالك.
تسارعت أنفاسه.
وشعر ببرودة غريبة تجتاح المكان.
حاول الوقوف.
حاول التمسك بالمكتب.
لكن جسده لم يستجب.
ازدادت الدوامة السوداء داخل رأسه.
وبدأت العتمة تبتلع كل شيء حوله.
- "وش قاعد يصير...؟"
كانت تلك آخر فكرة مرت في عقله.
ثم...
ابتلع الظلام كل شيء
حتى وجوده نفسه.
wand wn