الحركة الوطنية

الحركة الوطنية

16 0

ملحمة الحركة الوطنية: من ليل السياسة إلى فجر الثورة

شرقت شمس القرن العشرين على أرض الجزائر الأبية، بعدما خمدت فيها لغة البارود والقعقعة، لتبتدئ ملحمة المقاومة السياسية المشرعة. فتأسست على عهد الوعي أحزابٌ وجمعياتٌ، وصدحت في المنابر صحفٌ وأدبياتٌ، تموج بخمسة اتجاهاتٍ، كلٌّ يسير لغايتِهِ ويرنو لرايتِهِ.

فكان اتجاه المساواة مع الأمير خالدٍ يطلب الحقَّ والتمثيلَ، ويرجو المكانةَ والنظيرَ، فتأسس حزب الإخاءِ ليكون للعدلِ نعم الكفيلُ.

ثم انبلج الاتجاه الثوري الاستقلالي بقيادة رائده الحاجّ مصالي؛ لا يرضى بغير الجلاءِ الجليِّ، ولا يقبل بدون الاستقلالِ الكليِّ. فقاد سفينة نجم شمال إفريقيا يتلوه حزب الشعب المقدامُ، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية رافعةَ الأعلامِ.

وفي المقابل، مال فرحات عباس لـالاتجاه الليبرالي الإدماجي، يداوي الجرحَ بالمزجِ العلاجيِّ. بينما أقبل الإمام عبد الحميد بن باديس بـاتجاه إصلاحيٍّ، يحيي الدينَ واللغةَ بعزمٍ فلاحيٍّ.

أما النشاز في لحن الأمة، فكان الاتجاه الشيوعي العالمي لعمار أوزقان، الذي استخذى للجنسية الفرنسية وأنكر أرومته، ورفض نخوة الوطنِ وحرمتَهُ؛ فأمسى في سجل التاريخ عند الشرفاءِ مذموماً، وعن الوطنية الحقة مقصياً محروماً.

---

بيان الشعب وخيبة الحلفاء

وحين دارت رحى الحرب العالمية الثانية بين الشدةِ والرخاءِ، والتقى في ميادينها الأعداءُ والحلفاءُ، انبرى فرحات عباس برفقة رجالٍ من الحزب الأبيِّ، فصاغوا بيان الشعب الجزائري في العاشر من فبراير لعام ثلاثةٍ وأربعين بعد الألفِ.

قدموه للحلفاءِ رجاء الإنصافِ والعدلِ المبين، فما كان ردّ النصارى إلا الصدودَ والتمكينَ! قالوا: "هذه شأنٌ لفرنسا داخليٌّ، لا فيها لأجنبيٍّ رأيٌ أو عملٌ فعليٌّ".

أما فرنسا، فقد جاءت بإصلاحاتٍ تبيح فيها تملك الأراضي لتذرّ الرمادَ في العيونِ، فأباها فرحات المغبونُ، وأنشأ حينئذٍ تكتل أحباب البيان والحريات ليكون للحقِّ عماداً في الملماتِ.

---

بين الإغراء والقمع: قصة المظاهرات الخالدة

لقد واجه الاستعمار الغاشم هذه الحركة بوجهين متناقضين: وجهٌ طليقٌ يخفي المكرَ، ووجهٌ عبوسٌ يعلن القهرَ!

فتارةً يلجأ إلى الموقف الإغرائي بمودةٍ مكذوبةٍ، كإصلاحات عام تسعة عشر، ومشروع بلوم فيوليت المرفوضِ، ثم إصدار القانون الخاص (دستور الجزائر) الذي لم يكن إلا عهوداً منقوضةً.

وتارةً يثور بـالموقف القمعي فيبيد ويُبيدْ؛ فحلّ الأحزاب السياسيةَ، وجمّد أنشطة جمعية العلماء الأبيةِ، وأودع مصالي الحاجّ ظلماتِ السجونِ، وقمع المسيراتِ بكل حقدٍ دفينٍ.

في غمرة هذا الصراع بين الحقِّ الجليِّ والباطلِ الخفيِّ، بين أمل الشعب المظلومِ وبطش المستعمر الظالمِ، انفجرت مظاهرات الثامن من ماي 1945.

فيا ترى، ما هذه المظاهرات التي ارتوت أرض الجزائر فيها بالدماءِ الزكيةِ؟ وكيف تحوّل فيها عيد النصر العالمي إلى مأتمٍ ومجزرةٍ بشريةٍ؟ إنها الصرخة التي زلزلت كيان الغاصبِ، ومهّدت لكفاحٍ بالسلاحِ ثاقبٍ!

-----------------------------

شرح معاني بعض الكلمات الصعبة

______________________

المشرعة: الظاهرة أو المفتوحة.

يرنو: يتطلع أو ينظر بأمل.

انبلج: ظهر أو بزغ.

الأرومة: الأصل أو النسب.

استخذى: خضع أو استسلم.

مقصيًا: مبعدًا أو مستبعدًا.

المبين: الواضح الظاهر.

عمادًا: سندًا أو دعامةً.

الملمات: الشدائد والصعوبات.

القعقعة: صوت اصطدام السلاح أو الأشياء الصلبة.

الجلاء: الرحيل والخروج.

المغبون: المظلوم أو الذي لحقه غبن.

دفين: مخفي أو مكبوت.

انبرى: تقدم وتصدى للأمر.

رحى الحرب: شدة الحرب ودوران أحداثها.

التمكين: إعطاء القوة أو السيطرة.

طليق (في "وجه طليق"): بشوش أو مبتسم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين طيات الماضي

المؤلف Lino La
2026/06/02 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة