المقاومة

المقاومة

21 0

الفصل الثاني

مقاومة أم لا؟

قد يظن البعض أن الأمر قد انتهى، وأن الوطن قد انكسر، وأن الشعب قد أُرهق حتى خارت قواه.

لكن كيف ينتهي الأمر وقد ضاقت بالأمهات حتى أصبحن ثكالى، وبالزوجات حتى أصبحن أرامل، وبالأطفال حتى صاروا يتامى؟

كيف يسكت الأحرار وقد بُعثرت الأحلام، وانطفأت الأفراح، وسُقي التراب بدماء الأبرياء؟

أيليق بأبناء الوطن أن يقفوا متفرجين؟

أيُترك الشرف أسيرًا والكرامة جريحة؟

كلا.

فشرف الوطن أغلى من الأرواح، وكرامته أسمى من المطامع، والأرض التي أنجبتنا لا تستحق منا إلا الوفاء.

هلمّوا يا أهل النخوة والغيرة.

هلمّوا يا من لا تزال في صدوركم جذوةٌ من الكرامة.

هلمّوا لإنقاذ وطنكم قبل أن يبتلعه الظلام.

فالوطن، وإن أثقلتنا جراحه، يبقى أعزَّ ما نملك.

والوطن، وإن قست أيامه، يبقى الملاذ حين تضيق السبل.

أحبوا أوطانكم، فليس لكم بعد الله سقفٌ يؤويكم، ولا أرضٌ تحتضنكم، ولا تاريخٌ يخلّدكم سواه.

في الفرح والترح، في العسر واليسر، في الذل والعزة، يبقى الوطن وطنًا، وتبقى خدمته شرفًا لا يضاهيه شرف.

وهكذا لم تنطفئ شعلة الكرامة في قلوب الرجال، ولم تمت جذوة الحرية في صدور الأبطال. فما إن وطئت أقدام المحتل أرض الجزائر حتى هبّ الشرفاء من كل صوب، يحملون الإيمان في قلوبهم، والعزم في نفوسهم، والسلاح في أيديهم.

أخذوا بالأسباب، وتوكلوا على رب الأرباب، فكان الله لهم معينًا ونصيرًا، يثبت أقدامهم ويقوي عزائمهم في وجه المحن والخطوب.

ومن بين أولئك الرجال برز اسمٌ دوّى صداه في السهول والجبال والوديان، وارتفع نجمٌ أضاء ظلمات تلك الحقبة الحالكة؛ إنه الأمير عبد القادر بن محيي الدين، الرجل الذي جمع بين شرف النسب ونبل الحسب، وبين حكمة العالم وشجاعة المجاهد.

وينتهي نسبه إلى الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

ولم يكن مجده مستمدًا من نسبه فحسب، بل من أفعاله ومواقفه، فقد حمل همَّ وطنه يوم عزّ الرجال، ووقف في وجه إحدى أعظم الإمبراطوريات في عصره، حين خاف كثيرون أو استسلموا.

فمن هو هذا الأمير الذي أقلق مضاجع المحتل، وأشعل في قلوب الجزائريين شعلة الأمل؟

هو قائدُ مقاومةِ الغرب، وموقّعُ معاهدة التافنة، والرجلُ الذي ارتجفت لذكره النفوس، وهابت بأسه القلوب. هو الذي دوّى اسمه في أرجاء الجزائر، فصار رمزًا للعزة والإباء، ومنارةً للمجد والوفاء.

وهو أيضًا جدُّ الأمير خالد، رائدِ الحركة الوطنية وأحد دعاة المساواة والإخاء بين الجزائريين. لقد كان للأمير عبد القادر أثرٌ عظيم في نشر قيم العلم والتسامح، حتى غدت سيرته نورًا يهتدي به الأحرار عبر الأزمان.

أجل، إنه الأمير عبد القادر.

رجلٌ إذا ذُكر المجدُ حضر اسمه، وإذا ذُكر الشرفُ تقدّم ذكره.

غير أن للقدر أحكامًا لا تُرد، وللأيام سننًا لا تتبدل. فبعد سنواتٍ طويلة من الجهاد والكفاح، أُسدل الستار على حياة الأمير، ورحل تاركًا خلفه إرثًا خالدًا لا تمحوه السنون.

ولم تمضِ إلا فترة وجيزة حتى فقدت الجزائر قائدًا آخر من قادتها العظام، هو أحمد باي، بطلُ مقاومة الشرق، الذي ظل متمسكًا براية الحرية حتى آخر أيامه.

لكن الشعب الجزائري لم يكن شعبًا يعرف الاستسلام، ولم يكن أمةً ترضى بالهوان.

فكلما سقط قائد، نهض ألفُ رجل.

وكلما خمدت مقاومة، اشتعلت أخرى.

ولهذا اتجه الجزائريون إلى مقاوماتٍ شعبية غير منظمة، حملت لواء الكفاح في مختلف أنحاء البلاد، فظهرت مقاومة الزعاطشة، ثم مقاومة المقراني وغيرها من الثورات التي أبقت جذوة الحرية مشتعلة في القلوب.

غير أن المحتل أدرك أن السلاح وحده لا يكفي لإخضاع شعبٍ عشق الحرية، فلجأ إلى سلاحٍ آخر أشد خطرًا وأعمق أثرًا.

سلاح السياسة الاستعمارية.

سياسةٌ لم تستهدف الأرض فحسب، بل استهدفت الإنسان والتاريخ والهوية.

سياسةٌ سعت إلى محو اللغة، وتشويه الثقافة، وتفكيك المجتمع، حتى ينسى الجزائري من يكون، ومن كان أجداده.

فما هي هذه السياسة الاستعمارية؟

وكيف حاولت فرنسا من خلالها طمس هوية شعبٍ بأكمله؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين طيات الماضي

المؤلف Lino La
2026/06/02 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة