الفصل الأول
— حفيدتي... هذا الكتاب... كح... كح...
— جدتي، أرجوكِ، لا تتحدثي... أريحي نفسكِ.
رفعت الجدة يدًا مرتجفة، وكأنها تخشى أن يسبقها الصمت إلى الأبد.
— خذيه... واحفظيه كما تحفظين قلبكِ. ففيه وطنٌ بكى كثيرًا، ووطنٌ ضحّى كثيرًا، ووطنٌ ما زال ينتظر من يروي حكايته.
انسابت دمعةٌ دافئة على خدها المجعّد، ثم تابعت بصوتٍ خافت:
— لا تنسي... أن حب الوطن إيمان... وأن من نسي تاريخه ضاع مستقبله...
ثم سكتت.
سكتت الشفاه التي طالما رددت الدعاء، وخمد الصوت الذي طالما ملأ البيت دفئًا وحنانًا.
— جدتي...؟
لم تجب.
— جدتي!
لكن الموت لا يرد على النداءات.
في تلك اللحظة، أغمضت الجدة عينيها للمرة الأخيرة، ورحلت بهدوءٍ يشبه هدوء الغروب حين يودع الشمس، تاركةً خلفها قلبًا مكسورًا وبيتًا موحشًا وذكرى لا تموت.
ولم تكن آخر وصاياها عن مالٍ يُجمع، ولا عن كنوزٍ تُدفن، ولا عن دنيا تُشترى وتُباع.
كانت وصيتها عن الوطن.
عن الأرض التي احتضنت عظام الأجداد.
عن التراب الذي امتزج بدماء الشهداء.
عن الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن فلم يعودوا.
وعن الأطفال الذين كبروا يتامى لأن الحرية كانت أغلى من الحياة.
لم تترك الجدة لحفيدتها سوى كتابٍ قديم يحمل عنوان «بين طيّات الماضي»، وبضع أوراق نقدية بالكاد تكفي لأيامٍ معدودة.
لكن ذلك الكتاب كان أثمن من الذهب، وأغلى من الجواهر، لأنه كان يحمل أرواح أمةٍ كاملة بين صفحاته.
ومرّ عام.
عامٌ طويل كأنه دهر.
عامٌ كانت فيه الذكريات أقسى من الجراح، وكانت فيه الوحدة أثقل من الجبال.
وفي ليلةٍ باردة، جلست رحاب قرب نافذتها.
كان المطر يطرق الزجاج برفق، وكأن السماء تبكي معها.
أخرجت الكتاب من صندوقٍ خشبي قديم، ومسحت عنه غبار الزمن، ثم ضمّته إلى صدرها للحظات، كأنها تعانق جدتها من جديد.
وما إن فتحت الصفحة الأولى حتى شعرت أن الكلمات لم تكن حبرًا...
بل دمًا.
ولم تكن سطورًا...
بل صرخات.
ولم تكن صفحات...
بل قبورًا تتحدث.
فقرأت:
«دخلت فرنسا أرض الجزائر وهي تحمل في قلبها الطمع، وفي يدها السلاح، وفي عينيها حلم السيطرة والاستعمار.
جاءت بعدما ذاقت مرارة الهزيمة، فأرادت أن تغسل عارها بدماء شعبٍ لم يؤذها يومًا.
واتخذت من حادثة المروحة ذريعةً تخفي بها أطماعها، ثم فرضت حصارًا طويلًا على الجزائر، حتى ضاقت السبل بالناس، وجفّت الموانئ، واشتد البلاء.
وفي سنة 1830 أبحرت سفن الغزو من ميناء طولون، تحمل الجنود والمدافع، وتحمل معها ليلًا طويلًا من المعاناة.
سقطت المدن...
واشتعلت القرى...
وبكت الأمهات...
وترمّلت الزوجات...
وتيتم الأطفال...
لكن الجزائر لم تركع.
فكل قطرة دمٍ سقطت من شهيد، أنبتت ألف مقاوم.
وكل أمٍ ودّعت ابنها إلى المعركة، كانت تلد في قلبها وطنًا جديدًا.
ظن المحتل أن البلاد قد صمتت...
لكن الجبال كانت تخبئ زئيرها.
وظن أن الشعب قد استسلم...
لكن الأرواح كانت تستعد للثورة.
فمن هم أولئك الذين رفضوا الذل واختاروا الموت واقفين؟
ومن هم الرجال والنساء الذين كتبوا أسماءهم بدمائهم على صفحات الخلود؟
هيا... اقلب الصفحة التالية، فهناك تبدأ الحكاية.»