لقاء الأخوين والسعادة المزيفة
كان لقاء يصعب وصفه بحق، تداخلت فيه المشاعر: فرح، حزن، عتاب، وقد كانت دموع سيدة الموقف فقد سيطرت على الجميع بلا استثناء.
"مرحبا يا عمي، أنا عبير".
قالت وهي خجلة من عمها جدًا، أول مرة تراه.
أجابها عمها قائلًا: "أهلًا بك يا ابنتي، ما شاء الله، ما شاء الله، لم أتوقع أن تكوني بهذا الجمال، حفظك الله ورعاك."
ابتسمت عبير لإطراء عمها، وجلسوا معًا في المجلس، وطفق الآباء يحكون عن طفولتهم كيف عاشوها عن شغبهم ومرحهم، إلى أن حلّ الليل وانصرف كلٌّ إلى غرفته، وقد تحسنت حالة الشيخ راشد برؤيته لأخيه وعائلته.
في غرفة الاختين:
ارتدت العنود جلباب أمها لكي تصلي، ففاجأتها رنا من ورائها قائلة باستهزاء: "ههه أرملة."
صُعقت العنود من كلام أختها، وأجابتها مستغربة: "ماذا؟"
فردّت عليها الأخرى بتحدٍّ وسخرية: "نعم، أرملة، تبدين كأرملة توفي عليها زوجها وتركها وحيدة حزينة مكسورة."
استعجبت العنود من كلام أختها، هكذا كانت رنا لطيفة مع الكل إلا مع العنود، كانت تغار منها جدًا. هذا غريب، أليس كذلك؟ عادةً نرى الكبيرة تغار من الصغيرة، لكن هنا العكس صحيح. كل الدلال والانفتاح كان لرنا، لكنه لم يُسكِت غيرتها من أختها، فكانت دائمًا وراءها بالكلمات الجارحة ومصدر استفزاز لها.
وفي صغرهما كانت رنا تحرض أمها على أختها، كانت تحرمها من فرحتها، فتسرق لها أغراضها، وتتعمّد إزعاجها في وقت راحتها، وتتدخل بينها وبين الناس. ولم تكن العنود تخاف منها أبدًا، لكنها اعتادت على جملة "أنتِ الكبيرة وهي الصغيرة" من الجميع بلا استثناء.
كبرت والهموم تحيطها من كل الجوانب، كبرت والغصّة في حلقها من أختها، لكن الوضع أصبح لا يُحتمل. تركت العنود كل شيء وقالت بصوت عالٍ:
"ألن تتركيني بحالي أبدًا؟ افرنقعي عني."
"سأبقى لكِ ضرة، وأينما تذهبين سأكون لكِ ضرة."
هكذا كان رد رنا على العنود، أما الأخيرة فدارت بها الدنيا كليًا، ومر شريط حياتها أمام عينيها...
كلامها صحيح، كانت لها ضرة في البيت وعند أقاربهما، وفي أي مكان تذهبان إليه. أحست بضيق أكبر حلّ على صدرها، استعاذت من الشيطان الرجيم، وبدأت في صلاتها، والأخرى انزعجت من تجاهل العنود لها، فأخذت تغني بصوت عالٍ لاستفزازها، لكن العنود أكملت صلاتها وهي صامتة تمامًا، ثم أطفأت الأنوار وهربت إلى سريرها، وانفجرت عيناها بدموع القهر. بكت حتى جفت مآقيها، بكت غيرة أختها منها وكلماتها الجارحة بلا سبب، بكت أنصاف أهلها لابنتهم في كل شيء.
كانت العنود أفضل من رنا في الدراسة والمكانة الاجتماعية والجمال، وهذا ما أثار حنق الأخرى منها. هجرها النوم تلك الليلة، إلى أن أذن الفجر، فقامت تتوضأ وتستعد ليوم جديد.
رغد العيش