ماقبل العاصفة

ماقبل العاصفة

29 0

بعبارات حزن ودموع حفرت خنادق على وجوههن، ودعت عبير صديقتها في الجامعة بكآبة خيمت عليهن جميعهن. يا كم يعز عليها مفارقتهن أو مفارقة إربد، كانت إربد لها بمثابة الأم والأخت والأهل، فقد ولدت فيها وترعرعت بين أشجارها. كانت تحس بانتماء قوي للأردن، وكانت تفتخر بجنسيتها الأردنية لدرجة أن فئة قليلة من الناس كانت تعلم أنها وعائلتها من الإمارات.

عادت إلى البيت مثقلة بالهموم، وجدت إخوتها كلٌّ في زاوية غارقون في أحزانهم وتفكيرهم. بحثت عن والدتها فوجدتها في الغرفة تعد حقيبتها للمغادرة، نادتها قائلة:

- أمي، ألا تزالين مع هذه الحقائب؟ منذ الأمس وأنت تطوين وتطوين.

أجابت سهر ابنتها قائلة:

- شدد والدك على سرعة مغادرتنا يا عبير، يريد العودة في أقرب طائرة.

جلست عبير بجنب والدتها، والأخيرة منهمكة في إعداد حقيبتها. تنهدت الفتاة تنهدة طويلة، ثم أردفت:

- منذ صغري وأنا أسمع أبي يشيد بحكمة سلطان ورزانته وشجاعته عند قيام المشاكل بين العشائر، فما الذي دفعه اليوم ليقرر عودته ومساعدته؟ هو كفؤ بمسؤوليته ويستطيع تحملها.

تأملت سهر ابنتها مليًّا، كم كبرت عبير وأصبحت تناقشها في أمور العشيرة. استرسلت هذه الأم قائلة:

- منذ تولى عمك الشيخ راشد المشيخة خلفًا لجدك الراحل أمير، رحمه الله، ومسؤولية القبيلة عليه بجميع عشائرها، لم يعترض على رغبة والديك في مغادرة البلد، بل شجعه في كل خطوة خطاها. قدمنا إلى هنا، ونسي والدك أن له مسؤولية في العشيرة، وأنه من المفترض أن يكون الذراع الأيمن لأخيه. واليوم قد مرض وتعب وأهلكته الهموم، ومن واجب والدك أن يعود ويسنده.

وأجابة على سؤالك، لم يكن من المفترض أن يكون سلطان وسط العشيرة يسندها في وقت غياب والدك، مكانه في الجامعة، فقد كان حلمه إكمال الدكتوراه يا عزيزتي، لكن شاءت الأقدار أن يغادر مقاعد الطلاب ويتقلد أعباء والده.

لم تكن عبير راضية عن كلام أمها، لكن في قرارة نفسها تعترف أنه واجب عليهم العودة، فقد كان تصرف والدها أنانيًا نوعًا ما، حتى ولو وافق عمها راشد عليه ولم يعترض، لكن... ما ذنبها هي وإخوتها حتى يجبروا على المغادرة؟!!

قبلت أمها واتجهت إلى غرفتها حتى تجهز حقائبها للسفر، وهي تتساءل في نفسها: ماذا سيحدث عندما نغادر؟ هل الحياة هناك صعبة أم سهلة؟

كانت قرية آل سويدي مدينة أكثر مما هي قرية، فقد كانت مؤهلة بجميع ما هو ضروري للحياة، زيادةً على المستشفيات والمحلات والفنادق. بيوتها جميلة ومتقنة الصنع، لكن ما يحسسك أنك في قرية هي الطرق الرملية وسيارات الدفع الرباعي المنتشرة في كل حدب وصوب.

كان بيت الشيخ راشد بن أمير السويدي أكبر بيوت القرية، وعشيرتهم أكبر العشائر المتواجدة، إذ سميت باسمهم قرية آل سويدي. طبعًا لم تكن باقي العشائر راضية على هذه التسمية، فهي تنفي وجودهم كعشائر آل المنصوري والقحطان وآل نصيري، وحده الشيخ راشد خلف والده وعاشوا بسلام طيلة السنوات الماضية.

في بيت الشيخ راشد:

راقد في سريره وعائلته حوله، فقد أصابته جلطة قلبية مرة أخرى. مرر الشيخ راشد عينيه عليهم واحدًا واحدًا، من أخته ريم التي ترملت في سن صغيرة وحملت على عاتقها مسؤولية ابنتيها وقار ونجد.

كانت وقار نسخة عن والدتها ذات شكلًا وملامح لطيفة، حنطية البشرة، وزادها حجابها الأسود جمالًا. ثم نظر إلى نجد، مثال المرأة البدوية البحتة، طويلة القامة بملامحها الخليجية البرية وسمارها الخفيف، كانت ذات هيبة وحضور أينما حلت، عكس أختها، وقال هادئة ومنطوية.

حدق في زوجته هدى، من تحملت معه جميع أعبائه من يوم تقليده للمشيخة. كانت مثالًا للأم الحنونة على الجميع، عرفت بطيبتها وكثرة صدقتها دائمًا، لكنها كبرت كما كبر زوجها، وظهرت تجاعيد على وجهها وخطت شعوب سوداء ظلالها.

رنا، صغيرته المدللة، طبق الأصل منه حتى في الطباع. تألم قلبه لمنظر دموعها، فهي أعز إنسان إلى قلبه في هذه الحياة.

العنود، من سماها على اسم أمه، بدوية حرة أبية.

تذكر صغرها عندما كان يحملها دائمًا ويغني لها الأغنية الكويتية المشهورة "ارفقي بي يا بدوية" للمغني حمد بن حمود.

ذياب، ولده الشقي الذي لطالما قسى عليه، لكن لمصلحته.

ومسك الختام، بكره، هو سنده وعزوته في الدنيا، فخره ومحط آماله، ابنه سلطان. وقد كان اسمًا على مسمى، سلطانًا في هيئته وشخصيته، كان حكيمًا بالفطرة، عفوًا رحيمًا، شجاعًا صبورًا عند الشدائد، دعم والده وسنده منذ الصبا.

تكلم الشيخ راشد مخاطبًا إياهم:

- ما بكم وكأنها النهاية؟ إن مت فهي سنة الحياة، والاعتراض على قضاء الله وقدره...

- لاااااااااا...

تحبه جدًا، لم يبخل عليها هي وإخوتها بأي شيء رغم انشغاله.

قالت نجد وقد غرقت عيناها بالدموع:

- لا اعتراض على قدر الله، لكن يصعب علينا فراقك يا شيخ الشيوخ.

ابتسم سلطان، هكذا اعتادت نجد أن تنادي خالها منذ صغرها.

تكلم سلطان مخاطبًا أمه وأخوته:

- ألم نتفق على إخراج الطعام صدقة على عودة الشيخ سالمًا؟ ما لي أرى كلنا هنا تبكين بدلًا من أن تساعدننا في المطبخ؟ لا أحب فعل الشؤم هذا، هيا، كل واحدة إلى عملها، وأنت يا ذياب، لنذهب إلى السوق وندع الشيخ ليرتاح.

استجاب الجميع لكلامه، وخرجوا جميعًا بعد أن ودعوا كبيرهم، ودعوا أن يشفى في القريب العاجل، وأن تعود المياه إلى مجاريها من جديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مجلس الشيوخ

المؤلف رغد العيش
2026/06/06 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة