◦•●◉ قَبلَ أَن تُغلَق الصَّفحَة... فَتحَت قَلبَهَا ◉●•◦

◦•●◉ قَبلَ أَن تُغلَق الصَّفحَة... فَتحَت قَلبَهَا ◉●•◦

16 0

◦•●◉ قَبلَ أَن تُغلَق الصَّفحَة... فَتحَت قَلبَهَا ◉●•◦

بسم الله الرحمن الرحيم

ها أنا أرفع قلمي من جديد لا لأسرد حكاية جديدة بل لأضع النقطة الأخيرة في نهاية سطرٍ طال أكثر مما ظننت.

هذا آخر جزء من الرواية وربما ليس كما تمنّيتُه يوم بدأت لكنه بكل تأكيد كُتب من أعماق الذاكرة من خبايا الصدر من الحبر الذي سال من الجراح.

أفكّر بإضافة جزءٍ آخر لاحقًا

ليس تكميلةً لما فات بل استراحة من اللهب

جزءٌ لا يُروى بالحدث بل تُروى فيه الكاتبة نفسها

كلمات فقط كلمات تحاول أن تُضمّد أن تُبرّر أن تُنقذ.

لكن هنا في هذا الفصل

نعود إلى كلّ ما خفناه إلى كلّ ما هربنا منه

نعود لنضع النقاط على الحروف ونسأل

"لماذا كُنّا كذلك؟"

"كيف أصبحنا هكذا؟"

هنا سنتحدث عن مخاوف لم تُفهم يومًا عن نتائج ماضٍ لم يُغفر بعد...

عن الطفلة التي لم تكبر كما ينبغي

عن الأنثى التي حاولت أن تكون بخير فحاربت العالم وحدها.

ربما لم يكن الجزء كما أردته

ربما لم يُشفِ صدري كما تمنيت

لكن إن لامست كلماتي قلوبكم...

إن شعرتم بشيءٍ مما شعرت

فهذا وحده يكفيني.

والآن...

لننطلق نحو النهاية

نهاية لم تكن عادلة لكنها صادقة

꧁المقدمة꧂

~جدور الرماد~

أنا واثقة... أنّني لم أكن يوماً مَنبع الألم

لكنني على يقينٍ لا يهتزّ... أنني أنا من سقاه

منذ اللحظة الأولى التي تشكّلتُ فيها قطرةً في رحم أمي

منذ ذلك التكوين البعيد... وأنا أُشعل النيران التي لم أطلبها

أوقدتُها دون قصد ثم احترقت بها

وها أنا اليوم... لم أعد سوى رمادٍ يتنفس الوجع.

حدّثتُكم يوماً عن مخاوفي

عن تلك الظلال التي تتبعني كظلّي

لكنني لم أحدثكم عن جذورها... عن سببها

فلتفتحوا مسامع قلوبكم الآن

فقد آن أوان البوح... آن أوان الرجوع إلى النقطة الأولى.

لكن قبل أن أُسلّمكم الأسرار

دعوني أُخبركم عن القوة التي نسجتها من هشاشتي

عن الدروع التي صنعتها من رمادي...

أنا لم أكن ناجية بالمعنى المتعارف عليه

لكني حاولت...

نعم حاولت أن أجعل من هذا الحطام سلاحاً لا يُكسر.

~حصد الخسائر~

كيف تسألونني عن سرعة النسيان؟

عن قدرتي على تجاوز ما لا يُحتمل؟

وكأن الوجع عندي يُقاس بساعاتٍ وأيام...

وكأن الهم لا يطرق بابًا إلا وحده

لكن لا تخدعنّكم العبارات المعلّبة

فأنا…

أنا التي ذاقت طَعم الموت ثم عادت تمشي على قدمين مرتجفتين قبل أن تُكملوا السؤال دعوني أجيبكم:

نعم… أنا التي عشت خيبةً قاسيةً قبل أن تجفّ دموعي على الأولى

أنا التي رأت أحدهم يتخلّى عن حبٍّ أقسم ألا يتركه

ورأت آخر يُنقل أمام عينيها إلى مصحّة لا يعود منها القلب كما كان.

في خمسة أيام…

خسرتُ نصف ما أحب وتغيّر النصف الآخر

وفي المقابل؟

أسّستُ لنفسي حضنًا دافئًا لم أكن أعرفه

بنيتُ أملاً من رماد

وعاهدتُ نفسي

إن غاب الجميع سأكون كفيلة بأن أكون لي وحدي… عائلةً كاملة

لا تسألوني كم بكيت

لأني لن أُرضي فضولكم بالدموع

بكيتُ يومًا لكل واحد منهم… ثم مضيت

لا كرهًا بل لأنني اعتدت…

نعم اعتدتُ الخسارات حتى صار قلبي يتيمًا قبل أوانه

وتجمّدت فيه الأحاسيس قبل أن يتعلّم معنى الدفء الحقيقي وليس هذا فقط…

فالقادم أشدّ والذاكرة لا تزال تُخبّئ ما هو أكثر وجعًا...

~من أجلها وحدها~

قلتُ ذات مساء بصوتٍ لم يسمعه أحد

"سأصبح محامية لأجلها

سأصمّم أثوابًا تُشبه أحلامها الصغيرة

سأرسم لها عالماً تحبه…

لكنّي حزينة

لأن يدي نسيت كيف تمسك قلم الرسم

فعوّضتها بقلمٍ يكتب ولا يرسم

يُنزف ولا يُلون…"

ضحكوا وقالوا

"أيّ طفلة؟ وأنتِ لم تودّعي المراهقة بعد؟"

فابتسمتُ بهدوء… وقلت

"نجوتُ لا لأنني أقوى

بل لأنني تحوّلتُ إلى رمادٍ محترق

رمادٍ لا يُشعل شيئًا…

لكنه يعرف تمامًا كيف يُخفي نارًا داخله لا تنطفئ

أنا اليوم أعيش

فقط لأحقّق أمنيات تلك الطفلة…

التي تذوّقت كأس الألم في عمرٍ كانت فيه تلهو بلعبتها

التي مرّت بالخسارات باكرًا

ولم تسأل لماذا

لم تبكِ بصوتٍ مرتفع

بل واصلت طريقها بصمتٍ محترق

كأن شيئًا لم يكن…

لكنها الآن…

لم تَعُد تجهل

فهمت كل ما كان…

ولو متأخرة

نعم الطريق موحش

والثمن باهظ…

لكنّي سأمشيه

من أجلها وحدها

لأنني _ ذات ألم _ فهمت.

الآن وقد عرفتُ من أجل مَن أعيش… فلن أعود كما كنت.

~

ملاحظة بطلة رواية~

لأنها قصتي… ولأنني بطلتها…

ولأن هذا الألم وُلد فيّ ولم أختَر أن أولد فيه…

فلا حاجة بي لأن أتبّع تسلسل الأحداث كما يريد الآخرون

وليس من واجبي أن أرويها كما اعتادوا سماع الحكايات

أنا هنا الراوية…

وأنا أيضًا تلك الصغيرة التي احترقت في الخفاء

والفتاة التي لملمت رمادها بيديها المرتعشتين

والمرأة التي تعبت من الشرح فقررت أن تكتب

لذا لا تتساءلوا عن البدايات أو النهايات…

فلا توقيت يحكم حزني

ولا ترتيب يُنظّم مأساتي.

لنركّز فقط…

على التفاصيل…

على الندوب المخفيّة بين السطور

على ما لم يُقال لكنه ما زال يُوجع

هنا لن تكونوا مجرد قرّاء…

بل شهودًا على ما خُلّد من وجعي

وما لم أمتلك القدرة على نسيانه.

~بداية كتبت بالنفور~

حين جئتُ إلى هذا العالم

لم أكن كغيري من المواليد

لا نورٌ أحاطني ولا وردٌ زين مهدي

خرجتُ للحياة بعينين رماديتين وشعرٍ أسود طويل وبشرةٍ ناصعة البياض كقطعة ثلج لم تمسسها يد بشر وجسدٍ صغير اكتملت فيه آيات الخلق

لكن صوتي كان نذير شؤم

بكائي لم يكن كأي بكاء

يومي الأول لم يشهد ابتسامة أم

بل كان بداية نبوءةٍ نحسٍ

كُتبت على جبيني

قبل أن أبصر النور.

أمي لم ترَ فيّ روحًا خرجت من أحشائها

رأت شيئًا غريبًا

وبدأت تهذي بأنني لستُ ابنتها

وأن لها مزيودان ليبيا و تونس

لفتني بقطعة قماش بالية

وكأنني مجرد نفايات

وسحبتني على أرضية المشفى

وهي تهمس بحقد

"هذه جرذ... ليست ابنتي"

كنتُ أخطو ساعاتي الأولى في هذا العالم

أبكي بلا توقف

لا أدري إن كان بكائي

من ألمٍ جسدي

أم حزنٍ سابقٍ لأوانه

أم أن قلبي الصغير قد أدرك مبكرًا

أن لا أحد ينتظرني بالحب.

لكن عناية الله كانت حاضرة

انتشلتني امرأة غريبة من أرض الألم

أرضعتني من صدرها بحنان وحملتني

كأنما تحمل ذنوبًا ثقيلة

ثم طلبت من أمي أن تستلقي لترتاح

ومنذ تلك اللحظة لم تعرف روحي الراحة.

في ذلك اليوم وُلدتُ بقصتي الخاصة

لا كطفلةٍ تُبارك بل كخطيئةٍ تُخفى

رزقني الله بأمٍ من الرضاعة وأخت

لكنهما الآن غائبتان عن حياتي

كالكثير ممن أحببت

انقطع التواصل ولم يبقَ سوى الأثر.

~وإن لم تأتِ… كنتُ هنا وحدي~

لم يأتِ ابي تلك الليلة…

غابت خطواته عن الباب

وسكت الهاتف رغم محاولات امي المتكررة

كنت اتساءل بصوت لا يسمعه احد

"ماذا نفعل يا ابي؟"

انت لا تريدني…

لكن الله يريدني

وإن اختار لي الحياة

ساتمسك بها ولو كانت غصة

ساعيش لان الله شاء ان اكون

حتى وإن لم تشأ انت

لكن بالله عليك…

ما ذنبي؟

ما جرمي في ان ارمى كما ترمى القمامة في عتبات العالم؟

ما ذنبي ان يغلق الباب في وجهي

واحرم من حضن دافئ

حتى يضطرني الحزن ان اجد دفئي في ذراعي غريب…

بينما انتم هنا…

تنظرون الي ولا ترونني

ما ذنبي ان اولد منكم…

ولا ارحب كما يرحب بالنور

ان اقابل كما يقابل الخطأ

ان اكون هدية للقدر

لكنكم رأيتم فيّ لعنة؟

انا فقط كنت اريد ان احب…

ان احتضن كغيري

ان تفتح لي الابواب لا ان ادفع خلفها.

~فجرٌ بلا احتفال~

حلّ صباحي الأول وأنا وليدة ليلٍ خجول خُطّ ميلادي في تمام الساعة 00:01 كأنّ الدنيا استعجلتني لأذوق أول تنهيدة من وجعها.

استيقظتُ على وجه أمي الحقيقيّة ويا لفرحتي الصغيرة إذ لم تنفر منّي... بل داعبتني بيدٍ مرتعشة وابتسامةٍ تشبه الحزن وكأنّها تلمس سرابًا لا طفلتها.

لكن الجوع لا يعرف حنانًا وكان صدرها خاليًا من الحليب، فبكيتُ بصمت الرُضّع بكيتُ كأنني أعرف أن هذا النقص لن يكون الأخير.

اقتربت “تامِّي” امرأة غريبة الطيبة مدّت يديها نحوي وقالت برفقٍ يليق بالأمهات

"هاتيها سأرضعها أنا..."

لكن أمي الحقيقية أوقفتها رفضتني كأنها لا تريد أن يمنحني أحد حنانًا لم تُرِد منحه بنفسها.

مرّ الوقت على صرختي بلا رجع وجاء أهل أبي يحملون لإمي بعض العسل ومغليّ الأعشاب… "تيزانه" قالوا إنها مفيدة وأنا ما زلتُ أتلوى جوعًا تحت غطاء الغربة.

شربت أمي وهدأتْ ونمتُ على أمل أن يكون الغد أكثر دفئًا لكن أبي لم يأتِ لم يُبارك أول أنفاسي لم يحتضن أول تنهيداتي.

وفي المساء حضرت جدتي ومعها خاليَ فيصل ومحمد

كان فيصل مستعجلًا تركهم ومضى…

أما هما، فقد ضلّا الطريق داخل أروقة المشفى كأن الغربة طاردتهما حتى هنا

بقيا يتلفتان في صمت يبحثان عن غرفةٍ لم يعرفا لها رقمًا حتى التقوا ببنت عمتي قادتهم إلى حيث كنتُ...

لكن يا لغرابة اللقاء كان الصمت ثالثهم وكانت الغرفة أضيق من أن تحتوي برودهم.

~في مهدي... أولى صفعات الحياة~

رحل الزائرون وحل صباحي الثاني على هذه الدنيا لا يحمل دفئا ولا يزرع في الوجوه ابتسامة فقط سكون مثقل بالكتمان.

جاء ابي اخيرا لا شوقا بي بل كمن جاء ليؤدي فرضا ثقيلا تخلف عنه عمدا.

حملني مع امي من المشفى لا كعائدين من لحظة انتظار جميلة بل كمن يرحلان الى مفرغة من الحنان الى بيت يفترض ان يكون بيت جدتي "بدرة"

وما ان ولجنا العتبة حتى انفجر صوته كسوط يجلد به حضورنا صوت لم يكن يصرخ بقدر ما كان يفضح ما كتم طويلا

"سميرة بالله عليك ستبقين هنا؟

مع هالـ... الساقطة الصغيرة؟

انا ما بقدر اتحمل امراضها ولا دخان محمد اللي رح يخنقها

جهازها التنفسي ضعيف… هي حتى ما كملت يومين

انا مش ناقصني لا مرض ولا زبالة ولا مصاريف حفاضات واكل

قدامي انت وهي وخلي نفاسك بعيد عن بيت اهلك"

لم يرَ في طفلة...

بل خطيئة عبئا ولد من زواج هش سقفه اقرب للانهيار منه للستر

كان مجيئي كان حادثة غير مرغوبة كانني خرجت الى الحياة وسط دهشة الكارهين

وامي...

امي لم تجبه

كانت تحملني بذراعيها لكنها لم تكن تحملني بقلبها

تشبثت بي كما يتشبث الغريق بخشبة لا حبا... بل لان لا خيار اخر

مشت بصمت موجع وكل خطوة تخفي في صدرها تنهيدة لم تسمع لان لا احد كان يصغي

صمتها لم يكن استسلاما بل اقرارا بانني عبء حتى عليها.

مضينا…

الى بيت لا يشبه الدفء بيت رفضني قبل ان اتعلم لفظ اسمي

جدرانه لم تكن ماوى بل شاهدا صامتا على اولى اهاناتي

وهكذا كانت البداية

لا ترحيب

لا حنان

لا حضن ينتظرني

ولا صدر يزهر فرحا بمجيئي

صرخة

وتهمة

وامراة تمشي بي دون رغبة

ورجل يتمنى لو انني لم اولد

كان اول شهقة لي كانت اعتذارا…

كانني ولدت متاخرة عن الحب

مبكرة عن الرحمة.

~

بداية العمر… وعبء الوجود~

مرت الأيام…

صرت أعتاد على حضن أمي أو ما تبقّى منه

رضعت من صدر لا يفيض حنانا بل واجبا

وأمي…

استسلمت لأمر فرضه القدر لا القلب

كانت تراني...

تلك التي سحبتها من حريتها

وأعادتها إلى الجحر الذي حاولت الهروب منه

كانت تنظر إليّ لا كابنتها

بل كخيطٍ من ماض كرهته

كقيود جديدة خنقت محاولاتها في البدء من جديد.

أنا اسفة يا أمي…

أعلم أن اعتذاري لن يخفف وطأة الأمر

لكن شكرا…

لأنك على الأقل كنت ترضعينني

تضمينني حتى ولو على مضض

وشكرا لك يا أبي…

لأنك تشتري لي حفاظات

وتحمّلت وجودي…

ولو كعبئ جديد على فواتيرك

فأنا اسفة

آسفة أنني أرهقتك

أنني زدت من مصاريفك

آسفة لأنني جئت إلى هذا العالم دون إذن…

ولو كان بيدي

لما نزلتُ من رحم الحياة

ولا لوثت هدوءكم

ولا عكّت صفو أيامكم

لكني هنا…

طفلة لا ذنب لها

تحاول فقط… أن تتنفس

أن تفهم

أن تُحِب

وأن تُحَب بالمقابل

~طفلةٌ على حافة الذبح~

كان عمري ستة أشهر

لا أفهم شيئا من هذا العالم

ولا أطلب منه سوى قليل من دفئ

وقليل من حنان

وقطرات دواء تُطفئ ناري الصغيرة

بعد التلقيح ارتفعت حرارتي

اشتعل جسدي كما لو أن روحي تشوى من الداخل

جربوا الدواء… فلم ينفع

سقوني الماء… فلم يطفئ جمري

سهرت أمي لكنها كانت تحترق بصمت

فأنا الطفلة التي تعيدها كل ليلة من شرفة المستقبل إلى جحيمها القديم

عندما زاد ألمي حملاني إلى الطبيب

كان التشخيص مغصا وكانت الوصفة حليبا باهظا ودواء لا يشفي سوى الوقت.

أبي اشتراه وهو يلعنني

وفي الطريق كنت أبكي كمن يقطع من الداخل

لكنه صرخ…

"اسكتي أيتها الساقطة أقسم أنني سأرمي بك من النافذة"

نظرت إليه أمي بغضبٍ مكتوم

"لماذا تزوجتني إن لم تكن تريد أطفالا؟ خذني إلى بيت أهلي… سأربيها وحدي"

صمت أبي… وأكمل القيادة دون أن يرد.

عدنا إلى المنزل

وكنت وحدي معها

كان أبي يعمل وكانت أمي تسهر

لكن السهر يفتك بها كما يفتك بي المرض

كنت أئن وكانت ترى فيني شيئا اخر…

طفلة تتحول إلى جردة

وصوت رجل غريب يحدثها ويأمرها.

كانت تهمس… تضحك… ثم تصرخ

أمسكتني

خنقتني

حاولت ذبحي

"يكفي يا أمي… بطني يؤلمني حمى تحرقني… لماذا تؤذينني أكثر؟"

لكنني لم أكن أتحدث

كنت أبكي فقط وندائي بلغة الرضع لا يسمعه أحد

ثم توقفت

اتصلت بجدتي وهي تلهث

"تعالي بسرعة… خذوا هذه الجردة قبل أن أقتلها!"

ركضت جدتي وخالي محمد

وصلوا بنفسهم لا وقت للانتظار

وجدوني بين ذراعيها على حافة الموت

أخذوني إلى بيت جدتي

وفي تلك الليلة… ظننت أنني نجوت

لكن الوحش لم يكن في بيتنا فقط…

بل تسلل معنا

كانت أمي ترى كل من حولها بأشكال أخرى

خالي صار عمي

وجدتي بدت لها كجدتي الأخرى

وكان هناك… ذاك الصوت ذاك "الشيطان" الذي يهمس لها

"احمي ابنتك من الجميع… اقتليهم لأجلها"

تحولت إلى كتلة جنون

صرخت

ضربت

صالت

وجالت

احتضنتني كما لو أنني كنزها ثم فجأة تحولت يداها إلى مخالب تنهشني

كانت تضرب الجميع خالي القوي لم يقدر عليها

أمسكت بزجاجة مثلجة وضربت بها يد جدتي

فانتفخت وزرقت

أنا…

جسدي الصغير صار مدمى

مخالبها تركت آثارا ستبقى لعمري

وصرخاتي ما زالت تتردد في جدران ذاك السطح.

هربت بي جدتي

ركضت بي بكل ما تبقى من قوة

خوالي ربطوها

نقلوها لمصحة الأمراض العقلية.

وأبي…

أتى بعد أيام

رما ملابسها عند بابنا وقال

"خذوا ملابس ابنتكم المجنونة… أما أنا فقد تطهّرت من قذارتها"

غسلتهم جدتي بيدها المصابة

وربتتني وربّتني…

كانت تطفئ ناري بدموعها لا بماء

وكنت كلما رأيت أمي بعد عودتها من المصحة

أبكي… أخدش وجهها أضربها أهرب منها

كنت رضيعة في عمر الثمانية أشهر

لكنني كرهتها كما يكره القلب سكينا طعنته.

~

الرضيعة التي تعاد تباع~

في غيابها حين أودعت أمي المصحة

كنت أنا... لا أكثر من صرخة ملفوفة بالحفاض

أنينا صغيرًا تبحث له العائلة عن حاضنةلا عن حضن.

في ذلك الشهر

لم أُعامل كطفلة خرجت لتوها من رماد الحريق

بل كجائزة غريبة في مزاد عائلي...

كأنهم يتسابقون لامتلاك قطعة نادرة لا لفهم ما تحتاج.

خال أمي المقيم بألمانيا

رفع صوته بأول عرض

"دعوني أخذها سأمنحها مستقبلا أوروبيا  تربية راقية بعيدًا عن هذا العبث"

وعمي صاحب الولدين الذكور اقترب بخطوة وقال

"بل أنا سأربيها بين أحضاني لطالما حلمت بطفلة تضيء داري"

وخالتي التي تقطن في فرنسا دست اسمها في السباق قائلة

"سآخذها إلى باريس لتنشأ مع أولادي طفلة ستكبر مع النور والفرص"

هكذا كنت...

رضيعة

لم تكمل عاما من عمرها

تتنازع عليها الألسنة والنيات

كأنني قطعة قماش جميلة طرحت على منضدة

كأنني "ملكية" لا كائن حي يبكي وينتظر صدرا واحدًا

لكن وسط هذا الزحام

صوت واحد فقط كسر ذلك المزاد

جدتي بصوتها المبحوح المملوء بالقهر قالت

"أمها ستتعافى وستربي طفلتها بنفسها"

قالتها كأنها تختم على قلب العالم

وكان قرارها هو القرار الأخير…

وانتهى العرض وانطفأت الأبواق.

لكنني في داخلي

كنت أصرخ دون صوت

أنا لا أريد مال ألمانيا

ولا فساتين فرنسا

ولا حنانا مفروضا من عم حالم...

كل ما أريده حضن أمي

حتى لو كان مثقوبا بالألم.

~السبت الأخير~

في عام 2012

كنت في عامي الثاني حين بدات تفاصيل الحكاية تدون بنزف جديد

خالي فيصل...

ذاك الشاب الذي كان يمشي وكان الحياة تصفق له

الجسد الرياضي والبشرة البيضاء

العينان بلون البحر والابتسامة التي تذيب جليد التعب...

كل ذلك الجمال تبدد فجاة تحت وقع التشخيص القاسي

«سرطان الدم»

تخلى عنه جسده

تساقطت صحته كما تتساقط اوراق الخريف

تغير كل شيء

الاسلاك اصبحت بدل ملابسه

الكمامات اخفت وجهه

والزجاج حاجزا يحجبه عنا

لم نعد نلمسه

لم نعد نسمعه

الا كهمسة باهتة خلف الحواجز

لكنه كافح

وكل طبيب مر بغرفته قال ذات الجملة

"ان عاش الى السبت... فقد نجا"

جاء السبت

مر الجمعة بسلام

ضحكت امي مع جدتي وقالتا

"ها قد اجتزنا الجمعة... بقي السبت وسيمر"

لكن الحياة تخفي في زواياها ما لا يقال

وفيما كن يتحدثن مع خالتي من فرنسا عبر الهاتف...

دق الباب

واذا بالخبر يسقط كقذيفة في قلب العائلة

"فيصل... مات"

مات من كانوا يعلقون عليه الامنيات

مات النور في عيون امي

ماتت السكينة في صدر جدتي

ركضتا للمشفى...

لكن الغرفة كانت خالية

السرير خال

النبض متوقف

ثلاث صدمات كهربائية...

واحدة... اثنتان... ثلاث...

والموت لم يمهلنا الرابعة

انهارت امي سقطت جدتي

وسقطت انا دون ان افهم شيئا

لكنني كنت اعرف ان الحزن قد انتقل الينا

اما من تبقى؟

زوجته... لم تبك لم ترتد السواد

اخذت حاجياتها وغادرت كما لو ان القبر لا يعنيها

وخال اخر المدعو برضا

لم يكتف بصمته

بل قضى تلك الايام في احضان خيانة

مع امراة تدعى اروى...

عاهرة لم تعرف من الوفاء الا اسمه

وهكذا...

انتهى السبت

وانتهت معه حياة فيصل

وابتدات سلسلة طويلة من الوجع...

ما زالت حتى الان تكتب بدم لا يجف.

~ما قبل الرحيل... كانت اللعنة تهمس~

قبل ان يسقط اسم فيصل من قائمة الاحياء

قبل ان نغلف صوته بالسواد

وقبل ان تتشح الارواح بالحداد

كان الليل ثقيلا...

وكان الخوف قد تسلل دون ان يطرق الباب

في احدى الليالي...

رن الهاتف

رقم مجهول اتصل بامي...

لكن الصوت لم يكن غريبا

كان يعرفنا...

ويعرفنا جيدا

بدا يهمس على الطرف الاخر كانما يراقبنا من ثقب مفتوح على بعد نفس

وصف ملابسنا بتفاصيلها الصغيرة

قال ما لم نكن نحسب انه يسمع

ذكر اسماءنا كما لو كان يسكن بيننا...

وتحدث عن امور لم يعرفها سوانا

في البداية

ظنناها مزحة ثقيلة من احد الاقارب العابثين

لكن القلب لم يطمئن

النظرات ارتبكت

والهمس تسلل بيننا مثل غاز سام

كنا جميعا هناك...

انا

امي التي بدات تستعيد انفاسها

خالتي واطفالها

خالي محمد

وجدتي التي لم تعد تقوى على القلق اكثر

اما خالي فيصل... فكان في المشفى يصارع الالم

وزوجته في بيتها تبكي ضعفها لا حبها له

لم يمر وقت طويل...

حتى وصلتنا رسالة

من رقم جديد...

لكنها لم تكن مجرد كلمات

بل لعنة نقشت على هواء الهاتف

"لن نستسلم حتى نراكم تموتون... واحدا تلو الاخر

سنسجن احدكم ونقتل احدكم

سنخطف احدا منكم

سنجعل المصحة العقلية وطنا لاحدكم

وسنجعل من بناتكم عاهراتنا...

سنغتصب ونقتل

وسنحيل حياتكم الى جحيم

جربوا العبث معنا مجددا... وسنريكم من نكون"

الصدمة لم تكن صدمة رسالة فقط...

بل صدمة ان كل كلمة فيها بدت حقيقية...

واقعية... ممكنة... قريبة اكثر مما نظن

سرقت الطمانينة

صمت الجميع كان الزمن تجمد

وجلست جدتي على الارض...

خافت

وهمست"ربما كانت العصابة حقيقية..."

خالتي صدقتها

الجميع فعل

ومنذ تلك الليلة...

لم ننظر الى الهاتف كما كنا من قبل

ولا الى الظلال

ولا الى الطرقات

ولا حتى الى بعضنا البعض

كان شيئا مظلما...

بدا يكتب علينا حكاية لم نخترها

وكانت اول سطورها تهديدا...

وثانيها موت.

~ أطفال بلا رحمة... وجسد لم يُغفر له النعاس~

قبل أن يغادر خالي فيصل هذا العالم

وقبل أن نصحو على نبأ موته

انفجر الجنون في بيتنا بصمت خانق

في نفس تلك السنة وبعد أن وصلت تلك الرسالة التي زعزعت القلوب

فقدت خالتي اتزانها تماما…

وغرقت أكثر في أوهامها عن الرجل الغامض والمافيا التي تدّعي أنهم يلاحقونها

كانت تصرخ وتؤمن أن أبي أحد أفراد تلك العصابة

تراه في كل ظل وتسمعه في كل همسة

وحين اشتد بها الهوس…

طلبت من أولادها أن ينتقموا منه... عن طريقي

لم أكن أدري من الذي همس في آذانهم بتلك الفكرة الشيطانية

ولا أعرف إن كانوا يفهمون ما فعلوه حقا

لكنني أعلم أنهم لم يكونوا بريئين

في تلك الليلة...

كنت نائمة بهدوء في مهدي

الصمت يلف البيت والليل يحضن براءتي الصغيرة.

تسللوا إلى غرفتي

فكوا ملابسي

وبدأت أيدٍ صغيرة باردة تعبث بجسدي…

أيدٍ لا تحمل حنانا بل نوايا سوداء.

استيقظت باكية

والألم يسبق الصوت

ركضت أمي وجدتي على صراخي

لكنهم كانوا قد اختبأوا في الصالة

وكأن شيئًا لم يحدث.

جدتي فحصتني…

ورأتها

رأت آثار الخطيئة على طفلة لم تتجاوز عامها الثاني

كل شيء أحمر… مزرق…

كنت أبكي بلا صوت

صرختي كانت وجعًا غير مسموع

وبكائي لم يكن بكاء طفل بل بكاء من اقتلعت منه الطمأنينة.

ومنذ تلك الليلة…

غرس الشك في روحي

كبرت معه…

ومعي كبرت فكرة أن جسدي لم يغفر له أنه نام.

طفلة كنت…

لكن أحدا لم يحم جسدها.

ومن تلك الليلة… لم أعد أنا

~ذنبي أنني أحببتُ أبي~

في تلك السنة خيل لي أن الحياة بدأت تبتسم وأن الغيوم التي ولدت تحتها بدأت تتفكك

عادت امي الى ابي وعاد الدفئ الى البيت أو هكذا ظننت.

كنت صغيرة لا اتجاوز العامين ونصف املك سلة العاب كبيرة اركض بها من زاوية الى اخرى املأ البيت ضحكا وصخبا

طفلة جريئة لا تهاب النزاع ان اشتد الخلاف كنت اختبئ خلف ابي اتشبث بطرف قميصه كأن فيه الخلاص

كان ابي عالمي

يخرجني

يلاعبني

يشتري لي الشوكولا

المكسرات

الحلوى

الايس كريم

الفوشار

كل ما تشتهيه طفلة بشعر منكوش وقلب كبير

كنت اركض اليه كلما دخل اتعلق بعنقه واصرخ بفرح "باباتي"

لكني لم اكن اعرف ان الفرح قد يكون سببا للعقاب

كانت امي تغضب تمسكني من ذراعي الصغير وتبدأ بضربي

ابكي

اتوسل

اصرخ

لكنها لا تتوقف

وهو يقف

ينظر

لا يمنع

بل يزيدني وجعا

كان يقول "تستاهل اضربيها اكثر"

كنت انظر له بذهول هذا ابي مفتاح نجاتي يتحول الى شاهد لا يرحم

كنت ابكي وهو يبتسم

اتالم وهو يتشمت

وجريمتي؟ اني طلبت لعبة...

او اني اشتقت اليه وركضت نحوه

كم مرة ضربتني لانني احببته؟

كم مرة شهقت حتى لم اعد اقدر على تنفس؟

فمي يرتجف

جسدي يرتعد

ونفسي تسأل

" هل حب الاب خطيئة؟"

~مرايا الكذب لا تعكس الوجوه~

في تلك الفترة كنت أراها بأم عيني تمسك الهاتف وتهمس بكلمات ناعمة تبتسم تضحك وتقول لي بثقة باردة

"إنه خالك"

لكنني رغم صغر سني كنت أعلم أن الكذبة لا تلبس ثوب الخجل وأن صوتها حين تتحدث إليه يختلف عن حديثها مع إخوتها.

كنت أراها تذوب في حديثه تتزين لمرآته وتغلق الباب دوني وأنا أراقب كل شيء من فتحة الروح

ذلك "الخال" لم يكن إلا العشيق الذي حدثتكم عنه في الأجزاء السابقة...

الذي علق قلبها على وعد..

الذي أنساها كونها أما فصارت امرأة تبحث عن ظل حب مهزوز.

مرت الأيام كما تمر الغصات

والأسابيع تساقطت كأوراق الخريف

والأشهر مضت كأنها لا تريد أن تنظر خلفها...

ثم جاء ذاك اليوم حين أخبرها أنه غير رقمه

وانتهى كل شيء بصمت

وحين بلغها الخبر بأنه تزوج في فرنسا لم تذرف دمعة واحدة...

لكنني أنا

رأيت في عينيها خيبة تشبه تلك التي زرعتها في قلبي.

~عيد الفقد و الموت~

يا عيد... جئت ولم أكن

طفلة تهدهدها الأغاني

ولا لعبت كالصغيرات الحسان

ولا لبست فستان فرح

ولا شممت عبير أضحى

بل جئتني...

وفي يدي دم و على سجادة العيد التي افرشت عليها حلما انسكب دمي فوقها

وفي عيوني كان طوفان الهوان...

وصار العيد جرحا لا يندمل

يا عيد لا تأت...

فأنا التي ما عادت تحسن انتظارك.

كنت في الثالثة من عمري ولم أبلغ الرابعة بعد الا انني

أملك ذاكرة تشق عباب السنين وتبصم على الوجع كما يبصم الضوء على ظله

أتذكر...

كنت قد نمت بلهفة بفرح طفولي على صدر الرجاء

أضم الدمية إلى صدري وأغمض عيني على حلم اوسع من دُنايا

قلت سأركض...

خلف خرافهم البيضاء التي لا افهم ذبحها

ألعب في البراح

وأملأ الجيب الحلو

وأضحك للصديقات الغرار

لكن صحوت...

فلا صباح جاءني

ولا نداء المؤذن أشعل النور في داري

بل جاءني "عرفة"...

وفي اسمه وقار المناسك

لكن قلبي لم يعرفه

لأنه كان... يوم احتضاري لانه في حياتي كان يوم "الموت"

ذلك اليوم الذي لو نسيته فسينساني اسمي

ذلك اليوم...

الذي لم أفقد فيه عيدا فحسب بل فقدت شيئا من روحي ضاع ولم يعد.

دخلت البيت كمن يدخل جنته بسلة الالعاب لأعدتها الى مكانها مثل الطفلة المهذبة

بكف ما تزال تكتب الطهر على الأبواب

ناديتها ببراءة

"ماما ماذا سنأكل اليوم؟"

فجاءني الجواب كأنه من سقر

و اذا بسكين أكبر من رأسي يوضع على عنقي

وهمس صوت كسهم اخترق قلبي مزق الطفولة في الحنايا

"إن نطقت بحرف سأذبحك."

اردت ان اصرخ

لكن الصوت انكمش في صدري

تاهت الكلمات بين الخوف و دهشة

رغبت بان اصرخ ان اطلب النجدة

لكن لم اجد من استنجد به...

فحامل السكين كانت امي..

كم ناديتك بعيني المرتجفتين

كم قلت لك

"أنا ابنتك... التي كنت تغنين لها قبل المنام"

لكن عينيك كانتا بعيدتين

غريبتين... كأنك شبح في جسد أعرفه

كأنك لست التي ولدتني و نادتني" بروحي"

كأنك... قتلتكِ الأحزان قبلي

فكرت أن أهرب

أن أركض إلى الخارج

لكن الأرض صارت هاوية

رجلاي خانتني

ويداي أقصر من الوصول إلى النجاة

وجسدي الصغير خانه الوقت

كنت سجينة رعب

سجينة لا تملك حتى حق الموت

وصوتك في أذني...

لا يزال كالسيف المشحوذ

يقطع صمتي

اشتدت يدها على السكين

ارتجف صوت الحياة في داخلي

وانكسر كل شيء

اختنقت انفاسي و حبستها

جلست على الأرضِ

كزهرة في أول الربيع...

سقيت سما

أغمضت جفني على موت واستسلمت

انتظرته

كأنني أشتاق إلى راحة

و اقنت نفسي انه أهون من كل هذا الخوف

ظننت ان الموت أقرب من النجاة

لكنه... لم يأت

بل جاء شخص ما

رفعني

حملني بعيدا عن المكان كمن يحمل نعشا صغيرا

يعيدا عن السكين و عن الرعب

كنتُ أرى نعالي مقلوبا

وكنتُ أعرف أن الأسطورة تقول

"من خرج وترك حذاءه مقلوبًا... لن يعود."

وكنتُ أصدقها

لكنّي لم أملك قوةًلأعدّل النعل

ولا لأنطق

ولا لأن أمشي

كل شيء من بعد ذلك غاب

دخلت غيبوبة

كأن العالم أُطفئ فجأة

لا أتذكر كيف نجوت

ولا من حملني

ولا من بكى

لكني أتذكر...

أن العيد لم يأت أبدا

وأن يوم عرفة...

كان موعدي مع الفقد و وقد صدقت تلك الأسطورة...

لأنّي لم أعد

منذ ذاك اليوم

أنا منفى

أنا ذكرى تلبس ثوب الطفولة

لكنها لا تفرح بالعيد

ولا تفرش الحلوى على الطاولة

أنا من وُلدَت في الفقد

وخلفت بلا طفولة

لم أعد كما كنت

ولم أمت

لكني لم أعشْ بعدها حقا

كرهت العيد

وارتجفت من الزينة

وصارت التكبيرات تصيبني بالهلع

يا عيد...

عد وحدك

ولا تناديني

فأنا التي نحرت

دون أن تسفك دماؤها

التي بقيت على قيد الحياة...

لكن طفولتها لم تنج

~صوتي… الذي صادف الأذان~

لم تهدأ الحياة بعد "عرفة"

كأنها أقسمت أن تنتقم... لكن في صمتٍ مروع.

جاء العيد...

بثيابه الباهتة

بأيامه الثلاثة الباردة

لكنه لم يحمل لي زينة ولا ضحكة

بل حمل لحظة...

مسحت كل ما تبقى من طفولتي

ليلةٌ لا تشبه الليل

جلس التلفاز العجوز في الغرفة

يشق الصمتَ بأنغام خبيثة

"أهلا أهلا بالعيد مرحى مرحى بالعيد هي هي هي"...

آهٍ من تلك الأغنية

لم تكن تغني بل كانت ترقص على قبري.

جلست أمي تنظر إلي طويلا..

نظرة لا تشبهها

ثم شدت على خصري شالا أسودا

وقالت

"يلا... ارقصي"

رقصت

رقصتُ كأني لا أعرف الخوف  لكنه كان يرتجف في قلبي.

طفلة بريئة هشة لا تفهم لماذا تؤمر

ولا لماذا ترتجف

بعد الرقصة

وقفت عند باب الممرّ... ذاك الممرّ القصير

الذي كنت أراه طويلا

موحشا رغم نوره

مدت يدها إلي وقالت

"تأتين معي؟"

كدت أمد يدي...

لكن جدتي منعتني بهدوءٍ لا أفهمه.

أمي نظرت إلي

نظرة أعرفها

ثم استدارت...

وغابت.

سمعت خطاها تهرول على الدرج

تركض كأن القيامة تلاحقها

وخالاي "محمد" و"رضا" خلفها لا يستطيعان اللحاق

وصلت السطح

وكنت أركض أنا أيضا

برجليّ الصغيرتين

أصعد الدرج الكبير كأنّي أطير... من الرعب

وجدها خالي محمد هناك

على الحافة

تنادي الله بأسمائه...

تبكيه بحرقة لا تشبه الجنون

كانت تحترق

نعم... أمي كانت تحترق

قيدوها...

قيدوها أمامي

وصوتي...

انفجر من أعماقي

صرخت

صرخت كأنّ قلبي ينشق

كأنّ السماء تسمعني

ويا للمصادفة...

تزامن صوتي مع أذان الفجر.

كأنّ الكون كله بكى معي.

الحي بأكمله سمعني،

لكن أحدًا... لم يسمع قلبي الذي تكسر.

لم أفهم

لماذا يقيدونها؟

هي أمي...

كانت فقط تحترق

لكن لا أحد رها كما رأيتها أنا

تلك الليلة

نمت لا لأنني أردت

بل لأن جسدي انهار

وفي الصباح...

استيقظت على وجه فأر نائم على وسادتي

هو هرب

وأنا لم أصرخ

لم أبك على أمي بعدها

لأن جدتي قالت لي

"هي عند الطبيبة ستشفى و تعود... وأبوك راح يجي."

لكن أبي... لم يأت

ومنذها

بدأت أبكي في الخفاء

ثم شيئًا فشيئا

بدأت... أكرهه

لأنه تركني وحدي.

ومنذ تلك اللحظة صار صوتي مرهونا بالأذان وصار العيد عندي جرحا لا يشفى

~ حين يصبح الذئب راعيًا~

اعرف ان فضولكم يشتعل كيف لرضا ان يعيش معنا؟ نعم لقد انتقل بكل بساطة بكل وقاحة

طلق زوجته ثم طعن في شرفها كعادته

كأن لسانه لا يعرف غير الخنجر كأن الطعن عنده هواية شغف عادة قديمة لا تنكسر.

اهلي... صدقوه كما يفعلون دائمًا يصدقون الذكر فقط لأنه يتكلم بثقة لأن صوته أعلى لأن دموعه لا تسيل

الا انا انا لم اصدقه ولن افعل

لاني اعرفه اعرف ان من تجرأ على اتهام امه في عرضها واخته في شرفها لن يتورع عن رمي زوجته في مستنقع الكلام

من اعتاد تشويه صمعة بيته لن يحفظ شرف امرأة شاركته السرير

الخيانة تسري في دمه تطارد ظله

والكارثةانه هو الخائن...

خانها مع امرأة تافهة لا شكل ولا ملامح مجرد جسد كتلة من الرغبة الشحم لا شيء فيها يليق بالحب او الاحترام

انا لا اتنمر انا فقط غاضبة

غاضبة من رجل نجى بكذبه ومن بيت صدقه ومن امرأة دفعت ثمن جرم لم ترتكبه.

~العزلة التي ربتني~

خلقت كل تلك الصدمات المتلاحقة فجوة داخلي...

لم اعد انا لم اعد افهم من اكون انفصل شيء في اعماقي وكأن عقلي قرر ان يحتمي بنفسه... مني

عيشي في بيت جدتي لم يكن مريحا كما قد يظن البعض جدتي مريضة خالي محمد ايضا مريض وامي كانت تقبع في المصحة العقلية.

كنت طفلة صغيرة...

لكنني كنت اتلقى ضربات لا يقدر على تحملها الكبار

جدتي رغم ما فيه منعتني من اللعب منعتني من الاندماج مع الاطفال من الخروج من تكوين صداقات.

كانت تخشى علي او ربما تخشى مني

فولدت بداخلي عزلة؛ شكلتني على طريقتها...

طفلة لا تعرف العالم تعرف فقط زوايا الغرفة صوت التلفاز حكايات الكرتون وذوق الحلويات

كنت اكل كثيرًا العب لوحدي واصنع لنفسي اصدقاء وهميين...

ابتكرت عالمًا من الخيال وصدقته لان الواقع كان طاردا موجعا مخيفا

في عزلة الطفولة تلك... لم اعد انا فقط بل اصبحت اكثر من شخصية شخصية تضحك وشخصية تبكي وشخصية لا تريد ان تكون موجودة.

~حين عاد الجحيم إلى بيتنا…~

كان عمري يوشك أن يُطفئ شمعته الرابعة

وكانت الطفولة ما تزال على بابي…

تنتظرني لألعب لأضحك لأرتدي فستانا زهريا يشبه قلبي.

لكن الجحيم قرر أن يزورنا.

جاءت الخالة…

جاءت ومعها رباعيها الجهنمي

كأنها أحضرت معها شياطينها الأربعة لا أطفالها.

16، 14، 12، 8 سنوات…

أرقام بريئة؟

كلا…

كانت أعمارا تخفي وجوها لا تعرف الرحمة

وجوها تشبه الجدران حين تغلق عليك ولا مفر.

كانوا يحملونني…

كأنني دمية بلا روح

يأخذونني إلى الصالة…

هناك حيث لا يسمع أحد

حيث يخمد الصوت في صدر الطفلة قبل أن يولد.

يفتحون ساقيّ الصغيرة

ويبدؤون بمحاولات المساس بما لا يملكون حق الاقتراب منه

أصابعهم تتسلل كالأفاعي

تحاول اقتحام أقدس ما أملك…

وأنا لا أفهم ما يفعلونه

لكن قلبي… كان يصرخ

الغريب…

أن جدتي كانت تراني

وخالي كان يقتحم عليهم الغرفة أحيانا

كانوا ينقذونني من قبضاتهم،

لكنهم لم ينقذوا اسمي من الانكسار

لم ينقذوا جسدي من الشعور بالنجاسة

لم ينتفضوا من أجلي

لم يصرخوا

لم يمنعوا الزيارة

لم يصروا على الحقيقة

كانوا يسحبونني من بين أنياب الذئاب…

ثم يعيدونني إلى القطيع ذاته في اليوم التالي

كأن شيئا لم يحدث

لماذا؟

لماذا لم يكن وجودي كافيا لأستحق الغضب؟

لماذا كان الألم يشاهد ثم يترك لي وحدي؟

أنا لا أكتب هذه السطور كي أُبكي أحدا

ولا كي أثير شفقة باردة

أنا فقط…

أُفرغ رأسي من ذاكرة تلسعني

من مشاهد لا تختفي

من جسدي الصغير وهو يساق للصالة كقربان لجنونهم.

أنا فقط…

أحاول أن أصدق أنني نجوت

~الهروب من انياب الصمت~

لا تسألوني…

لا تسألوني عن خوفي من النظرات

ولا عن ارتجافتي حين تلامسني يد

لا تسألوني لماذا أختبئ حتى من النساء

ولا لماذا أكره الأطفال والمراهقين

والشباب والشيوخ على حدّ سواء…

لا تسألني لماذا أرى في وجوه الجميع خطرا

ولا لماذا أستشعر النوايا خلف نظراتهم قبل أن تنطق ألسنتهم

فليس أحد منكم… كان أنا

لستَ أنت من كنتَ طفلا حين تركت وحيدا مع جدتك

حين أُغلق الباب في وجهها…

وهي التي صرخت توسلت بكت

لكنهم لم يرحموا ضعفها ولا حرمة صرختها.

لست أنت من سحب من بين يديها

من حمل كدمية صغيرة إلى الصالة

من وضع بين أنيابهم

ومن بدأت عليه محاولات الاغتصاب المتكررة…

لم أكن أعلم ما يفعلون

لكنني كنت أعرف… أن ما يحدث شرّ لا يوصف

رأيت الموت حينها…

ولوهلة ظننتها النهاية

مر شريط ألمي أمامي

كأن الزمن يعيد بثه في قلبي

لكنّ الله… الله أمدني بقوة لا أدري من أين جاءت

دفعتهم…

تفلت من قبضاتهم كوميض هارب

بجسدي الصغير الذي بالكاد يصل لقبضة الباب

قفزت فتحت الباب

ركضت وقلبي يكاد يمزق ضلوعي

أقدامهم خلفي…

كبيرة شرسة

وأنا أُفكر في الهروب من باب الحوش

لكنني أعلم… هذه المرة لن أصل

أدركت أنني لن أملك الوقت لأفك القفل…

فهرعت للغرفة

محاولة يائسة…

لكن الله أرشد عيني الصغيرة لنافذة مفتوحة تطل على الحوش.

جسدي الصغير… لا يصل بسهولة

لكنني قفزت…

تسلقت الجدار كما لو أن أجنحة نبتت لي

وفي ثوان…

وجدت نفسي بالحوش

رأيت جدتي…

ركضت نحوها كأنني أركض نحو الحياة

ارتميت في حضنها

أخفيت روحي خلفها

بينما أولئك الوحوش… فتحوا باب الحوش

الخوف اجتاحني…

برد غريبٌ جمد أنفاسي

كنت أعلم أنني في لحظة فاصلة…

قد لا تنقذني هذه المرة.

لكن الباب… دقّ فجأة.

كانت خالتي وأمي وخوالي.

كان الله في تلك الطرقة…

كان الخلاص في صوت الخطى القادمة.

انتهت أيام اغتصابي هنا.

وأقسم…

أقسم أنني لن أسمح بتكرارها،

ولو احترقت الأرض تحت قدمي.

«الآن فقط… أشعر أني أقدر أشاركم بعض ما مرّ بي

دون ترتيب زمني

دون التزام بمراحل

بل فقط…

ذكريات نجت»

~دفتر البداية.. وركلاتٌ على الركبتين~

منذ ان بدأت احمل حقيبتي المدرسية على ظهري الصغير كانت الذكريات تصطف كجنود تعبوا من الوقوف… اول يوم دراسي لم يكن مجرد بداية بل امتداد لصدماتٍ لم تشف بعد.

دخلت المدرسة برأس منخفض شخصيتي التي كانت جريئة قوية عنيدة تبخرت… اصبحت هامدة لا تحسن التعبير عن ذاتها لا تعرف شيئًا عن نفسها سوى انها مطالبة بالنجاح.

كان الذكور يضربونني يسخرون مني يتنمرون علي بلا توقف… صمتُ لم اكن اقدر على الدفاع عن نفسي لكنني وجدت فتاة تشبهني ضعيفة لا حول لها… ومن اجلها كنت اتحول الى مقاتلة اظلمني واسمح لكن لا تمسوها.

اذكر ذاك الفتى الحاقد لا ادري لماذا لكن كرهه لي كان واضحا

كانت امي تحضر احيانا تضربه دفاعا عني… لكنه كان ينتقم مني بعد رحيلها وانا اصمت

اخبرت المعلمة… لكن لا آذان صاغية

بل زادت الطين بلة كانت توبخني كأنني المخطئة

وحدث يومها ذاك… ساحة المدرسة صرخات الاطفال وانا…

هو يركلني من خلف ركبتي وانا اتحمل اغمض عيني  اتمسك بالبكاء لكني لا اسقط…

ثم طفح الكيل… استدرت ودفعته دفعتي كانت بقدر الوجع فقط…

لكنه تزامن مع خروج قريبته من صف الامية رأت المشهد مبتورًا هرعت الى المعلمة.

والمعلمة… لم تنتظر تبريري امسكت العصا وضربتني على يديّ…

لم يكن الألم في الضربة… بل في الظلم

ثم انكشفت الحقيقة… حين عرفت لقبي تغير وجهها واعتذرت

"ظنيتكم جدد عالحي… ما كنت اعرف انكم من كلايب".

نظرت اليها… بصمت

لكن داخلي تمنى فقط… لو كان اسمي سببًا كافيًا لأُعامل بعدل لا بنظرة غريبة…

انا تلك الطفلة… التي كانت كل يوم تقاتل لاجل غيرها وتجلد حين تدافع عن نفسها.

~حين تحوّلت أمي إلى رعشةٍ لا تشفى~

كانت أمي تبتلع دواءها بانتظام كأنها تحاول إقناعنا أنها بخير كأن الحبوب الصغيرة تحمل وعدًا بالشفاء

لكن لم يكن ذلك كافيا…

لم يكن الدواء قادرا على إيقاف زحف المرض حين تغير شكله حين صار أكثر وحشية…

لم يعد مجرد اضطراب بل تحول إلى نوبات صرع تجتاحها في جنح الليل كزائر ثقيل لا يرد

كنت أصحو على ارتجافاتها أراها ترتعش وتختنق تزمجر كأن روحها تنتزع من جسدها

تقطع لسانها مرة وتتبوّل على نفسها مرات…

أبكي دون صوت أصرخ داخلي لا أدري أأنقذها أم أهرب منها؟

ثم كما العادة تستفيق… تركض تصرخ تسبّنا تطاردنا كما لو كنا نحن المرض

أنتم لا تعلمون ما معنى أن يعيش طفل كل ليلة على حافة الموت…

أنتم لا تعرفون ما هو الثقل حين تكرر الكوابيس نفسها كل مساء حين لا يأتي النوم إلا متلبسا بالذعر

أنتم لم تصلوا لتلك اللحظة التي يتمنى فيها طفل أن ترحل أمه…

لا ليس كرهًا

بل عجزا

ألمًا

خوفًا

من أن يرى وجهها في لحظة النوبة

كم مرة بكيت بعدها وقلت

"لو أنني أملك طلقة واحدة لرأفت بها قبل نفسي…

أرحتها من العذاب وأرحتني من هذا الجحيم الذي لا ينتهي."

ثم أعود وأبكي ندمي لأني فقط… كنت أريد لأحدنا أن ينجو

~وجهه كما تركته… لكنني لم أعد أنا~

كنت أنتظرها كل ثلاث اشهر…

جدتي تحمل لي نفقتي القليلة وعلبة بسكويت و شكولا أو لعبة بسيطة

لم أكن أشتاق لوجهها كثيرا كنت أشتاق لما كانت تخبئه لي…

يا لي من طفلة طماعة...لكن من يخبر الأطفال أن الطفولة ليست زمن الحاجات الصغيرة؟

ثم ذات مرة لم تأت…

قالوا إن النفقة صارت تعطى لخالي رضا

مرت أيام وأنا أرتدي فستانا أزرق ممزقا ونعالا بلاستيكيا يحدث صوتا غريبا مع الأرض

وفي يوم كنت أمشي مع خالي محمد ذاهبين لشراء التبغ كعادتنا

حين لمحني خالي رضا من بعيد

قطع الطريق نحوي أمسك يدي الصغيرة وقال بابتسامة لم أفهمها

"تعالي أبوك ينتظرك"

قادني إلى المقهى وجلست على الكرسي البلاستيكي البارد شعرت بالأرض تحت رجلي أكثر مما شعرت بالحنان من حولي

كان أبي هناك…

نفس الوجه

نفس العينين

لكن… أين ذهبت لهفتي القديمة؟

أين الطفلة التي كانت تركض إليه باكية فرحة؟

تحدثنا قليلا أعطاني نقودي

لم يكن لقاء طويلا ولا مؤثرا ولا حتى مؤلما كما توقعت…

فقط كان باهتا

نهضت بعدها وعدت للمنزل

كنت سعيدة بالنقود…

لكنني انتظرت أن يفاجئني بحلوى بشيء بسيط يشبه "أنا فكرت بكِ"

لم يشتر لي شيئا

يا لسخافة قلبي…

طفلة لكنها تملك ذاكرة طويلة جدا وندبة صغيرة في قلبها على شكل قطعة شوكولاتة لم تأت أبدا

~بيت على وشك الانفجار ~

لم يكن رضا يومًا أبًا…

ولا حتى ظل رجل

نسي أبنائه طعن زوجته ثم اتكأ على عاهرة بلا عقد بلا أهل بلا ضمير

مرت خمس سنوات ثم في عامي الثامن…

عاد

لكنّه لم يعد وحده بل جاء بزوجته الجديدة تلك التي كانت بالأمس غريبة تباع و تشترى

دون إذن أحد

دون احترام

دون حتى توقيع ورقة

رضا… كما هو.

لا يعرف معنى المسؤولية لا يعرف سوى الهروب…

هرب من النفقات من واجباته من صورته كأب

لكن القضاء أمسكه واطفاله الغائبين أعادوه للحقيقة فباع سيارته ودفع ما عليه…

ثم جاء هو وهي ليسكنا معنا في منزل جدتي

تعاملي معها؟

كنت تعودت على وجوه الشياطين فبدت هي أهدأ

تدخل من عمل دبره لها خالي تسلم علينا تبتسم تدخل الغرفة ترتاح…

كل شيء بدا عاديًّا

حتى ذلك اليوم…

دخلت الغرفة

أغلقت الباب في وجه جدتي من دون كلمة

شعرت جدتي بشيء غريب سألت رضا قلقة

"هل هي بخير؟ هل أزعجناها بشيء؟"

فانفجر

كأن السؤال خنجر

ضرب أمي

صفع جدتي

وأنا هربت

ركضت إلى السطح

والريح تلفني السماء كأنها تبكي معي

نظرت إلى الأسفل وقلت

"لو ماتوا… أموت معهم."

نزلتُ…

فوجدت جحيماً

رضا كان يفتح قارورة الغاز

صوته غاضب متكسّر يريد أن يفجّر البيت أن ينهينا جميعا كأننا أخطأنا في استضافته

خالي محمد تدخل دفعه منعه

صرخ تشاجر كسر الزجاج وتكسر معه هدوء المنزل

وفي النهاية…

عاد ليقول بصوت ميت

"لم أكن في وعيي"

لكننا كنا في وعينا

ونحن من نحمل الرماد إلى اليوم.

~أحب أكثر وأهمل دائمًا~

في تلك الذكرى بالذات تأكد لي أن الحب الذي أقدمه لا يرد وأن اهتمامي لا يُقابل أبدا بنفس الحنان الذي أمنحه

ذلك اليوم… ظننته موعدا جميلا مع أبي أول لقاء نعيد فيه بعضا مما ضاع.

لبست تعطرت حتى خدي حرصتُ أن يكونا مبتسمين

برفقتي خالي محمد سندي شخصي المن الوحيد

ركبنا السيارة…

لف بنا أبي المدينة كأنه يبحث عن طريق لا يعرفه أو كأنه يراوغ قلقا

حتى قال خالي محمد بصوته المعتاد

"ارجعنا للمنزل"

رد أبي بضحكة مخنوقة

"أنا ما آخذكم للمذبح رايحين الملاهي!"

كلماته كانت أغرب من أن تطمئن…

عاد خالي يقول

"ارجعنا… أو أنزلنا هنا."

فقالها أبي… ببرود كأننا لا شيء

"انزل"

فتح الباب قفز خالي…

ركض

ركض كأن قلبه يحترق

ركض وأنا ألحقه بصوتٍ مبحوح

"خالي… خالي!"

لكن قدماي الصغيرتان لم تلحقا…

بكيت توسلت صرخت وقلبي انفطر

أبي أمسك بي رفعني كغنيمة لا تريدها الحرب وضعني في السيارة…

وأدار المحرك

لم يهتم

لم يفهم

كنت أبكي…

لكني لم أكن أبكي خوفا على نفسي.

كنت أبكي على خالي محمد.

كنت أخشى أن يحدث له مكروه… أن يتأذى… أن يتوه

أنا… التي تتمنى دائما سلامة غيرها حتى وهي ترمى في المجهول

اتصل أبي بأمي

أخبرها

أعطاها الهاتف لتطمئنني

قالت لي بصوتٍ حاولت تلميعه

"لا تبكي أنتِ مع أبيكِ استمتعي بيومكِ"

قلت "حسنًا"...

لكن لا أحد سمع صوتي الداخلي يقول

"أنا لا أخاف من أبي…

أنا فقط خائفة أن يحدث لخالي شيء وهو عائد وحده"

أنا…

التي تأخذها الحياة إلى البحر وتدعو الله أن يعيد خالها سالما حتى لو أخذها هي

أنا…

التي تضحي دائما ولا تجد أحدا يفكر للحظة أن يختارها

~أناو الانفصام… والبحر ~

ربما لم تسمعوني منذ زمن...

لكنني هنا أنا صوتها الآخر ظلالها التي تمشي في الضوء دون أن ترى

أنا الجزء الأبشع منها الذي تخفيه تحت ابتسامتها الذي تتمنى ألا تراه في المرآة لكنها تسمعه… في كل لحظة صمت

دعونا نتحدث عن البحر قليلًا

انفصام 1  الغرق الأول:

كنت طفلة...

ضحكاتهم كانت أعلى من صوت مياهه

وصوت أنفاسي الغارقة كان أضعف من أن ينقذني أحد

دفعت...

سقطت في المياه المالحة...

بدأت يداي تبحثان عن شيء أتشبث به

أي يد... أي طوق... أي قلب

لكن لا شيء سوى الماء

غصت…

تخبطت…

استسلمت

أتذكر فقط أنني تمتمت بها

"يا رب أستودعك نفسي… وروحي… وكل ما أملك.

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدك ورسولك."

ثم توقفت

والبحر... رفعني فجأة

وجدت نفسي أتمسك بساق أحدهم

نهضت والماء يقطر من جسدي والدهشة تسكن ملامحي.

أنا ما زلت حيّة

لكنني كرهت البحر لأنه يشعرني دائما أن الموت أقرب إلي من النجاة.

انفصام 2  الغرق الثاني

لكن…

أكره البحر؟ لا لست واثقة

أعشقه…

أعشقه لأنه يشبهني

مليء بالأسرار

يخفي غضبه في الأعماق ويبهر الجميع على السطح

لا عليك أن تتقن السباحة لتنجو…

ولا يلزمك أن تكون غبيا لتغرق

هو يأخذ من يشاء ويرحم من يشاء

لا منطق له… فقط مشيئته

يشبهني…

يراني البعض الخطر وأراني الناجية

هم يظنون أن الخلل منه

لكني أعرف أنني لم أغرق يوما بسببه

في المرة الأولى...

سقطت ولا أحد بحث عني

وفي المرة الثانية…

هم أولئك الأربعة…

حملوني رموني

ضحكوا

صوت ضحكاتهم كان أشد إيلاما من الماء

هل أتوقع من وحوش حاولوا الاعتداء علي أن يمتنعوا عن قتلي؟

سذاجة

الغرق لم يكن في البحر…

الغرق كان في ثقتي…

في جسدي الصغير الذي لم يفهم لماذا يؤذى.

في ضحكاتهم التي كانت سكاكين

أنا...

طفلة البحر والملح والخذلان.

~لعنة البراءة~

لم أكن أعلم أن الشياطين تزور الأطفال بوجوهٍ بشرية ولا أن البراءة قد تكون سلاحا موجها ضد من يحملها

بعد سن التاسعة اختفوا… كأن الحياة قررت أن تمهلني قليلا نسيتهم نسيت كل شيء وكأن ذاكرتي عقدت هدنة مؤقتة مع الماضي ثم في الثانية عشرة… عادوا

زيارة واحدة فقط كانت كافية لتعيد ترتيب الجحيم داخلي زارونا… وكان ابنها الأصغر أكثرهم اقترابا لحظات مرت وكأنها ناعمة لكنها الان حين أعيد قراءتها تتلون بألوان الخوف والغثيان

لم يهمني حينها لكن بعد رحيلهم انفجرت الذكرى كقنبلة صامتة

اندمجت تفاصيل الطفولة التي نسيتها مع مشاهد من رواية قرأتها… رواية عن أجساد تنتهك عن طفولة تذبح بصمت هناك فقط اكتشفت أنهم… حاولوا الاعتداء علي

انكمشت كأن الأرض ضاقت علي

بكيت… لا انهرت كيف لطفلة بريئة أن تلقى بهذا الشكل في ليل مسموم؟ كيف تسرق الطفولة بهذا الكم من الوحشية؟

أكره مصطلح "البراءة"

أكره كل ما يذكرني بأنني كنت ساذجة… كنت طفلة لا أفهم ما حدث تماما… لكن خوفي الآن خوفي الملتف حول فكرة واحدة لا يغادرني

هل أنا عذراء؟

الأسئلة تنهشني

هل نزل دم؟ لا أذكر

هل لدي غشاء مطاطي؟ ربما؟

هل أحد سيصدقني؟ لا… لا أحد!

أكره هذا الصوت داخلي… يصرخ في رأسي بلا توقف…

"اصمتي!"

"كفى!"

"لقد انتهى كل شيء!"

لكنه لا يصمت… لا يهدأ… لا يرحم.

~تعلمت الصمت حين يؤلمني الجسد~

أتذكر جيدا تلك اللحظات التي كان فيها مجرد ألم بسيط يشعرني بالذنب كأنني ارتكبت خطيئة لمجرد أنني مريضة كانت أمي تقولها كثيرا بملامح متعبة ونبرة اختنقت من الهموم

"لا تزيديني هما فوق همي... ما عندي عشان ادفع لطبيب يكفيني اللي فيا"

تلك الكلمات رغم بساطتها لم تكن تمر كغيرها… كانت تُغرز في قلبي كنصل بارد وتترك أثرا لا يندمل

مع الوقت تعلّمت أن أتحمل أن أنتظر أن أشفى وحدي أن أراقب حماي تصعد ولا أشتكي أن أحتضن أوجاعي بصمت لأنني أدركت أنه لا أحد سيفعل عني ذلك

اليوم… أنا بحاجة إلى نظارات أرى الأشياء مشوهة الحروف ترقص أمام عيني لكنني لا أقول ليس لأن أمي قاسية لا فقد تغيّرت… تحبني الآن وتخاف علي ولكنني لا أستطيع إخبارها لا أريد أن أحملها هما جديدا لا أريد أن أراها تتنازل عن شيء تحبه أو تحرم نفسها لأجلي

لقد علمتني الحياة وربما أمي دون أن تقصد أن أكون لنفسي كل شيء أصبحت الفتاة التي لا تشكو لا تطلب لا تنتظر أحدا…

فقط تسند نفسها بنفسها وتخبئ دمعتها خلف ضحكة وتقول

«"أنا بخير" حتى وهي تذبل في صمت...

حتى وهي تتمنى لو أن أحدهم يراها دون أن تشرح.

حتى وهي تنهار كل مساء بصوت مكتوم تحت الغطاء.

حتى حين تشعر أن عينيها تناديان أحدًا لا يسمع.

حتى وهي تتمنى أن تُحضن دون سؤال وتصدّق دون تبرير

حتى وهي تتمنى أن تسمى باسمه الناجية لا الضعيفة»

~حين أكون الجلاد لا الضحية~

لا اندم على شيء في حياتي سوى تلك العلاقات المحرمة التي انزلقت فيها ذات ضعف لم يكن هدفي الحب ولا كنت يوما أبحث عن دفئ يحتويني في الحقيقة كنت أقترب فقط حين أشتم رائحة الخداع حين أرى في أعينهم نوايا التلاعب عندها فقط أخلع عني ملامح الطيبة وأبدأ لعبي الخاص.

أصوغ الأكاذيب ببراعة أمارس دور العاشقة حد الإتقان وأغزل لهم شباكا من كلمات العسل حتى يظنوا أنهم المنتصرون وما إن يقعون حتى أكشف لهم حقيقتي... أهينهم وأرميهم كما رميت سابقا لا شفقة لا تردد فقط عدالة مشوهة صنعتها خيباتي المتكررة

لست فخورة بما أفعل لكنني لست نادمة أيضا أنا فقط أحمي نفسي… على طريقتي

~ صمتي لا يعني الرضا~

انطوائيتي ليست مرضا كما يدعي الأساتذة والزملاء...

ولست خجولة لأن خدي يتورد أو لأنني قليلة الكلام

أنا فقط... أراقب

أراقب تصرفات البشر أُقلب وجوههم في ذهني وأوازن بين الظاهر وما يخفونه

وحين أكتشف في أحدهم ما لا يشبهني

حين أسمع كذبة في صوته أو أرى خيانة في ضحكته

حينها فقط أبتعد.

فلا تتوهّم أنني ضعيفة... بل أنا فقط لا أريد أن ألوث نفسي بالخطأ

وصوتي الذي تسمعونه خافتا ليس خافتا حقا

هو ابن عبارة تكررت كثيرا على مسامعي

"اخفضي صوتك صوتك مرتفع!"

فتعلمت أن أكون هامسة... أن أتحدث مع الغرباء وكأنني أخجل من نفسي

بينما الحقيقة أنني لا  أخجل منكم و لا من أحكامكم بل من تطفلكم...

لكن إن أحببتك؟

سأهديك كل الكلام

سأبوح سأبكي وقد أموت لأجلك

نعم سأفعل... لكن تذكر

«أنا التي ستحرق الأرض إن تألمت

أنا التي لا تزال تركض بأحلام طفلتها نحو حياة تستحقها

أنا التي لم تطفئها الحياة بل جعلت منها شعلة لا تنطفئ»

~عمي في عيونهم~

اتذكر جيدا من ابشع ما مر علي في ايام المدرسة انني جمعت شجاعتي ذات مرة وتحدثت الى احدى المعلمات عن معاناتي مع ضعف نظري رجوتها بهدوء ان يتم تغيير مكاني فانا اجلس في اخر صف واكاد لا ابصر شيئا كانت مستمعة ثم تحدثت مع معلمة الفيزياء التي لم تحتفظ بالامر بل اوصلته الى معلمة الاجتماعيات المسؤولة عن الصف

دخلت الحصة نظرت الي ثم انفجرت بصوت عال امام الجميع قالت

"فلانة بلغني عنك امر هل حقا لا تبصرين الكتابة؟ لماذا كل هذا الطمع؟ الا تخافين الله يا فتاة؟ الا تخشين الموت حين تسألين عن شجعك؟ تحاولين سلب حق زميلاتك بادعائك العمى هاه؟ اجيبي الا تفكرين؟ من اراد النجاح فليجلس حيثما قدر له حتى لو في اخر الصف بل في اخر الدنيا كفى تمثيلا"

لم ابك اكتفيت بالصمت نظرت اليها نظرة فارغة نظرة شخص لا يملك الا ان يحتمل

كنت فقط اريد ان اكتب ان انجو بحرف افرغ فيه وجعي لكن كيف اكتب وانا لا ارى الحروف

شكرا لزميلتي التي كانت تسمح لي بالنسخ من دفترها وشكرا لتلك الشمس حين كانت تلامس السبورة فتسمح لعيني برؤية خافتة بالكاد تمكنني من التعلم

اما انتم ايها المعلمون فشكرا على كل اهانة حطمتني

"انا لست خجولة انا فقط فتاة كسرت من كلماتكم واخشى ان يجرني الدفاع عن نفسي الى عواقب لا طاقة لي بها"

~لاجئة من بلادي و تحول الذاكرة الى زنزانه~

لا أحد يفهم لماذا أرغب في الرحيل عن وطني الأم

لا أحد يرى ما أراه حين أمر من ذات الزوايا

ولا أحد يسمع ما أسمعه كلما نادتني الأرصفة بأسماء لم أخترها

يرونني مجنونة

ابنة المجانين

صدى وصمة علقوها في ظهري وتركوا لي عبئ حملها وحدي

لست أبحث عن مدينة أجمل

ولا عن سماء أوسع

أنا فقط أبحث عن نفسي في مكان لا يعرفني فيه أحد

أريد أن أتحرر من قيودي

من أصواتهم

من أحيائهم

من وجوه الجيران ونظراتهم وكلامهم الذي ينهش أكثر مما يقول

أريد أن أنسى

أن أُطفئ الذاكرة قليلا

أريد وطنًا لا يحاسبني على ماض لم أكتبه

ولا يختصرني في لقب

أريد فقط… حريتي

꧁الخامة꧂

~خاتمة الرماد~

في الرابعة عشرة من عمري كنت قد ذقت من الحياة ما يكفي لامرأة شاخت ألف مرة مرت نوبات الهلع من خلالي حاولت أن تحرقني لكنها لم تنجح… تعلمت كيف أروضها كيف أتنفس ببطء حتى تهدأ العاصفة راودتني أفكار سوداء نعم… لكنني كنت أقوى منها دائما كنت أقوى

الأسوأ قد مضى وما تبقى مجرد بقايا وقت أقطعه بأمل لا ينطفئ اخترت أن أحول رمادي إلى سلاح وأن أخلق من هشاشتي درعا من جرحي بصيرة ومن وحدتي ملاذا آمنا.

لم يعد يهمني مرض خالي ولا كلماته التي سقطت في أذني كحجارة خالتي؟ تلك المرأة التي ادعت الحب ففضحتها أفعالها لم أعد أصدق أكاذيبهم ولا خرافة أنني "كواحدة من أبنائهم"… كبرت على هذه الأكذوبة وكبرت على التصديق

عيني ضعيفة نعم لكن بصيرتي أقوى من أن يطفئها ضباب الحروف لن أخجل من نظري ولن أطلب رحمة من أحد سأخلق عالمي بنفسي… عالما آمنا بعيدا عن صدماتهم لا مكان فيه سوى للسلام الذي أستحقه.

سأظل أجاهد حتى اللحظة الأخيرة من عمري لا أطلب من الله سوى التوفيق… وسرعة مرور هذا الوقت الثقيل

لست بحاجة لأكثر من ذلك…

فأنا بخير لأنني أنا

وما زلت هنا…

أكتب النهاية بيدي

~نقطة آخر السطر~

لطالما ضحيت لأجل من لم ير تضحياتي

مسحت دموعهم بكف مرتجفة ثم عدت ليلا لأُخفي دموعي عن وسادتي…

كنت أواسيهم وأكتم شهقاتي

كنت أربت على أوجاعهم فيما صدري يضج بالأسئلة التي لا يملك أحد شجاعة الإجابة عنها.

لي قلبٌ يسأل

"لماذا؟"

وعقلٌ يصرخ في صمت

"لا تنتظري الجواب فلن يرضيك"

لم أُمسك بيد أب ولا شعرت بدفئ أم

جدة ربتني أحبتني يوما ثم كرهتني حين كبرت لا لذنب اقترفته بل لأنني تغيرت…

لأنني ببساطة لم أعد كما أرادوا.

أنا التي دفعت ثمن أمراضهم النفسية وماض لم أختره…

أنا من حملت الحطام وقررت ألا أورثه لأحد.

سأكون خاتمة سلسلة الأوجاع

آخر من شرب من كأس الألم

وأول من كتبه… لا ليقرأ بل ليُفهم.

أنا بسمة…

آخر كاتبة لفصل "سجينة الماضي"

أكتب النهاية لأمنح من بعدي بداية جديدة…

بداية لا تشبهني لا تحمل ملامح ألمي ولا ظل وحدتي

هنا تنتهي الحكاية…

لكنني ما زلت واقفة

أُكمل الحياة… لا كضحية بل ككاتبة قررت أن تمزق الصفحة الأخيرة وتعيد كتابتها كما تشاء.

﴿📜 رسالة على هامش الرماد﴾

إلى من سيكمل معي هذا الدرب…

لا أطلب الكثير…

لكن إن رأيتني أغرق في رمادي لا تقف بعيدا تنظر

لا تكتف بالصمت ولا تغرقني بكلمات لا تشبهني

اقترب… مد يدك نحوي لا لتنقذني بمعجزة بل بلمسة تشبه الدعاء

بصمت دافئ كأنك تقول

"أنا هنا… ولن أتركك"

إن وجدتني مبعثرة ضمني.

لا بالشفقة بل بالعناق الذي يعيد ترتيب قلبي كما ترتب الأوراق بعد فوضى.

إن رأيت على كتفي آثار غبار قديم انفضه عني بلطف… لا تسألني عنه فقط افهمه

وإن لمحت جراحا على جلدي لا تتهرب

اجلس بقربي لا تداوِها بكلام محفوظ بل افتح لها متسعا من صبرك…

واسقني شيئا نقيا من قلبك.

أنا نجوت، نعم… لكن رائحة الحريق ما زالت عالقة بروحي

لا تزرع على لساني سما جديدا فقد تجرعت ما يكفي من مرارة الأيام

أنا التي عاشت دهورا في لحظة واحدة

التي حملت الرماد في كفها وسارت…

فإن أردت أن تسير معي لا تكن عبئا

كن وطنا صغيرا

أحتمي فيه من ذاكرة موجعة

ومأمنا لا يخذلني إن سقط العالم فوقي.

هذا كل ما أطلبه…

وهذا كل ما أستحقه.

بسمة –

التي كتبت آخر فصل من "سجينة الماضي"

꧁روڨين꧂

أتمنّى أن يكون هذا الجزء قد نال قلوبكم كما نال قلمي

فأنا لم أكتب "سجينة الماضي" لأروي الألم فقط

بل لأُفرغ روحا من الحكايات التي كانت عالقة بين حنجرة و ذاكرة احدهم

لأُخرج تلك الطفلة من ظلال الماضي إلى نور الحكاية… حتى لو كانت الحكاية حزينة

كنت أعلم أن هذه الرواية مختلفة…

أن نهايتها ليست كأي نهاية

ولهذا فكّرت طويلاً تأمّلت في ملامح بطلتن في عينيها حين تصمت وفي شهيقها الذي يسبق البكاء…

وقلت في نفسي' لماذا لا نمنحها صوتًا؟ لماذا لا نطلب منها أن تُشاركنا بعض الذكريات الجميلة

الذكريات التي لم تروها… لأنها كانت تحميها بداخلها ككنزٍ صغير وسط أنقاض عالمها؟"

طلبت منها أن تحكي…

ترددت صمتت طويلا ثم بكت…

وبعد لحظة صمت همست "نعم سأروي لكم شيئًا يسعدني"

وها أنا أعدكم – كما وعدتها – أن أكتب لها نهاية لا تشبه السجن الذي خرجت منه

بل تُشبه الضوء الذي تلمحه من نافذة بعيدة ولا تفقد الأمل في الوصول إليه.

قد تكون ذكرياتها بسيطة…

لحظة ضحك كوب شاي ساخن في شتاء قارس لمسة حنان من يدٍ مجهولة صوت أغنيةٍ كانت تُشعرها بالأمان…

لكنها تعني لها العالم،

وهي وحدها تكفي لتُزهر بها نهاية.

إلى أن نلتقي في الفصل الأخير

ذلك الذي سيُكتب بالدفئ بدلًا من الرماد

والأمل بدلًا من الألم…

أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

وأعدكم أن النهاية القادمة… ستكون وداعا سعيدا

روڨن– كاتبة والشهيدة الوحيدة على أن الرماد قد يُزهر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

​۝ خُيُوطٌ مِنْ سِيفُونِيَّةِ الرَّمَادِ ۝

المؤلف ⋆。°✩ 𝓡𝓸𝓿𝓲𝓷 ✩°。⋆
2026/04/23 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة