˙·٠•● جُـٰـذُوُرُ اٰلـٰـلَّـٰـهَـٰـبّ ●•٠·˙

˙·٠•● جُـٰـذُوُرُ اٰلـٰـلَّـٰـهَـٰـبّ ●•٠·˙

15 0

꧁مقدمة꧂

​أقف حائرة أمام السؤال

هل أنتِ يا جدتي من زرعتِ البذرة الأولى؟

أم أمي من ورثتِ وجعكي وسقته لي؟

أم أنا… أنا التي صنعت من ألمي بطولتي ومن صمتي بداية حكاية؟

لا أدري من أين بدأ النزيف ولا من أول من شق طريق الوجع…

لكني أعلم أن القصة بدأت والآن… حان وقت السرد…

​"في زمن أسود خيم عليه الاستعمار الفرنسي على أرض

الجزائر وُلدت الحكاية"

​لالة فتاة لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة زُفّت إلى سي محمد في زواج تقليدي كان آنذاك معتادًا لكنها لم تُجبر بل اختارته بقلب صغير أُعجب بملامحه ورجولته كان سي محمد قد تزوج سابقًا وله ابنة من زوجته الراحلة لكن علاقته بلالة كانت طيبة ونشأت بينهما أسرة صغيرة تظللها المودة سي محمد كان يتيمًا لا سند له سوى أخيه عبد القادر وكانا يعيشان سويًا في ولاية وهران ومع تصاعد الهجمات الاستعمارية اتخذ قرارًا بالرحيل إلى منطقة تُعرف بالقعدة بين وهران و بلعباس حيث امتلك أرضًا مزرعة ومنزلًا متواضعًا جمع فيه زوجته وأهله وجعل منه مقرًا لمساعدة رجال جبهة التحرير

​وفي ذلك البيت وُلد له طفلان عاشور وبدرة لكن روحه الثائرة لم ترضَ أن تبقى حبيسة خلف الجدران فقرر يومًا أن يلتحق بالمجاهدين في الجبل ودع زوجته وطفليه وخرج دون أن يعلم أن تلك كانت آخر خطواته بينهم وداع بلا عودة بيعه أحدهم اتُّهم بأنه مجاهد وأن عائلته تطعم رجال الفداء فلاحقته القوات الفرنسية لاحظ مطاردتهم فتعمد تغيير الطريق سعيًا لحماية رفاقه وقاومهم بشراسة حتى نفدت ذخيرته أمسك بجنديين فرنسيين واتخذهما درعًا بشريًا أصيبوا جميعًا وسقط هو متدحرجًا من منحدر الجبل

​رآه أحد رجال الفداء فسارع إلى منزل سي محمد ليُخبرهم بالنبأ الفاجع لم تتحمل لالة الصدمة خاصة وهي حامل لكن لم يكن الوقت وقت حزن بل وقت النجاة لم يترك لهم الاحتلال فرصة للوداع بل استهدفهم وأُحرقت منازل حي العرايبة الذي كان يسكنه أهل لالة

​وهكذا هُجرت العائلة من وهران إلى القعدة ومن القعدة إلى سيدي بلعباس منفى يتبعه منفى وخسارات متلاحقة لم تُمهل الطفلة التي أصبحت أمًا أن تلتقط أنفاسها…

​"ومن هنا تبدأ حكاية بطلة هذا الجزء… بدرة"

​لا أعلم تحديدًا ما الذي كان يحدث حينها… كل ما أذكره هو تلك العربة التي يجرّها حماران فوقها بعض الأغطية والفرش المهترئة وبعض الحقائب القديمة وصوت واحد يتكرر "هيا عاشور بدرة أسرعوا" ذاك الصوت ظل يرن في أذني كأنه ندائي الوحيد في عالم بات يضج بالصمت والفوضى ركبنا العربة أنا وأخي وتركنا خلفنا منزل "القعدة" إلى غير رجعة متوجهين صوب مدينة سيدي بلعباس لم تكن بلعباس سيئة بحد ذاتها فوجودنا جميعًا معًا خفف من وطأة الرحيل… كانت القعدة خالية من الناس مهجورة تمامًا كأنها مدينة نسيت الحياة ونحن وحدنا من سكنها أما الآن فنحن ننتقل نبدأ من جديد كنت مع أمي عماتي أختي وأخي عاشور ورغم أني كنت صغيرة حينها لم أسأل عن أبي… ربما لأن غيابه لم يكن جديدًا فقد كنت بالكاد أراه وحتى حين أفتقده لا أملك صورة واضحة له في ذاكرتي…

​"لحظات لا تزال محفورة في ذاكرتي…"

​كنت كأي فتاة صغيرة ألعب في الشارع أركض حافية القدمين بين الحجارة والغبار أضحك ملء قلبي ثم أعود إلى المنزل لأجد أمي تجمع الأثاث المبعثر وتنظف البقوليات القديمة وتعيد ترتيب الركن البسيط الذي نعيش فيه كانت تردّد بصوت متهدج تختلط فيه العزيمة بالبكاء "من جبالنا طلع صوت الأحرار… ينادينا إلى الاستقلال…" كانت تردّدها بحرقة وكأنها تُسلي وجعها أو تُعيد بعث أمل ذابل… كنت أركض نحوها أعانقها بقوة دون أن أدرك المعنى الكامل لما يحدث لكنني كنت أشعر بثقل خفي يتسلل إلى قلبي الصغير الهجمات الاستعمارية لم تتركنا في حالنا… رأيتهم بأم عيني يداهمون بيتنا الجديد يضربون أولاد عمي يعتقلونهم ثم يُطلقون سراحهم بعد أيام من التعذيب كنت شاهدة على قنابل تُرمى في الأحياء على أصوات التفجيرات التي تهز الجدران وتبعثر الأرواح عشت أركض… وأركض… دون توقف وكأن الطفولة في داخلي تحاول الفرار من حرب لا تعرف معنى الرحمة…

"ذهب امي… وملح الحياة"

​في ذاك المنزل الكبير الذي ضاق رغم اتساعه لم تكن لنا سوى غرفة واحدة نقاسمها نحن وأحلامنا الصغيرة كانت بقية الغرف مأهولة بأقارب وأناس غرباء اجتمعنا كلنا تحت سقف واحد لكن كل في عالمه كل في همه ثلاثون عائلة أو أكثر وربما ثلاثون قصة لكن قصتي وحدها كانت صامتة مؤلمة تتسلل بين الزوايا لم يكن الفقر يؤذيني بل تجاهلهم لم يمد أحد لنا صحنا فيه بقايا أمل تركوا أمي تواجه العاصفة وحدها ترعى تطبخ تنقي دموعها عن الطعام كي لا يمل منه الطعم طعامنا لم يكن سوى كسكس بالحليب أو بطاطا مقلية أو سلطو فقير من بصل وثوم وبطاطا مسلوقة وفي أسوأ الأيام كان الخبز وحده يتيما على المائدة وذات يوم حين جاعت بطوننا ولم يكن في البيت سوى صمت الجدران خرجت إلى البائع وطلبت خبزا نظرت إليه وقلت برجاء سجل اسمي أمي ستدفع لاحقا لم يكن في جيبي سوى جوع وفي صوتي سوى رجاء رأيت أمي تبيع ذهبها قطعة قطعة لا لتزهو بل لتطعم باعته لتمنحنا شيئا من الحياة وهي تخبئ حزنها خلف ابتسامة جريحة لم يكن أحد يرى ولا أحد أراد أن يرى كانت تقاتل لتمنحنا يوما آخر بينما العالم من حولها يواصل يومه وكأن لا شيء يحدث…

​"زهرة تحت التراب"

​أتذكر كنا نمرض بصمت ونتألم بصمت ونشفى أو نموت بصمت لم تكن أمي تملك ثمن الدواء ولا حتى أجرة الطبيب كانت تلجأ لما تعرفه أوراق الأعشاب وخلطات الجدات ودعوات خافتة في جوف الليل لم نكن نشفى حقا لكن الأمل كان أقوى من المرض كنا نتمسك بالحياة لا لأننا نعيشها بل لأننا لا نملك سواها زهرتي الصغيرة أختي كانت لا تقف بل تزحف على ركبتيها كأن الأرض وحدها كانت مأواها عندما افتك بها المرض الحصبة رأيت بأم عيني جسدها يذبل يوما بعد يوم تماما كزهرة تاهت في صحراء لا ظل فيها أمي المسكينة حاولت كل شيء لكن الأعشاب لا تسند جسدا صغيرا أنهكه الحمى لا ترد الموت حين يمد يده ماتت أختي بين ذراعي أمي ماتت والدمعة لم تجد وقتا لتنزل حملتها أمي وكأنها لا تزال تأمل أن تستفيق وسحبتنا معها إلى القعدة ذلك المكان المهجور الذي كنا نسميه أصلنا لنودعها كما يليق بوردة ماتت قبل أوانها دفناها هناك في صمت ثم عدنا إلى بلعباس وكل فينا ترك جزءا منه مدفونا معها آه يا قلبي كم من مرة تدفن الأجساد ويظل الحزن حيا فينا لا يموت…

​"راية اثقل من الطاولة"

​مرّت الأيام… وتاهت السنين بين زفرات الوجع وخطوات الحياة وها هو اليوم المنتظر يُعلن عن نفسه أخيرًا… سمعت الخبر لم أصدّق ركضت أتحسّس وجهي جسدي الدموع التي لم أفهم إن كانت من فرح أم من شيء أعمق الاستقلال…! خرجنا كبارًا وصغارًا الشوارع امتلأت بالأهازيج بأقدام تلهث فرحًا بقلوب خفقت للمرة الأولى بحرية أتذكر أن رجلاً لم أعرفه أمسك بيدي دسّ في كفي الصغيرة عَلَمًا أكبر مني وقال "امسكي به جيدًا… أنتِ اليوم ابنة الوطن" تشبّثت بالعلم كان ثقيلاً… لكنه بدا خفيفًا حين رفعته فوق رأسي سرتُ به بفخر كأنّي أحمل أبي فوق كتفي كأنّ صوت الوطن يناديني أنا هتفنا بكل ما نملك "تحيا الجزائر… حرة عربية مستقلة" هتفنا والدمع يسبق الصوت كنت أتمنى لو رأيتَني يا أبي كنت واثقة أنك كنت ستبتسم لي من بعيد أبي ربما لم ترني لكني أحببتك وانتظرتك طويلاً كنت أؤمن أنك ستعود إلينا يوم تتحرر الجزائر…

​"رجعوا إلى القعدة… ونسونا خلف الأبواب"

​بعد الاستقلال وفي صباح بدا عاديًا هز صمت البيت طرق عنيف على الباب فتحنا لنُفاجأ بوجوه غريبة تطلب منّا إخلاء الغرفة لم نكن نعلم أن خلف تلك الوجوه قرارٌ اتُّخذ دون علمنا… غرفتنا مأوانا تُباع كما تُباع الحجارة الباردة… بلا ذكرى ولا ملامح ولا وداع علمنا حينها أن أهل أبي أعمامي وعماتي قد باعوا البيت كله جمعوا أغراضهم في ليلة واحدة… وغادروا نحو "القعدة" نحو بيتنا الحقيقي بيت أبي أرضه التي سقانا من خيرها ودفأنا من حطبها لكن حين وصلوا هناك… لم يفتحوا لنا الباب قالوا "مالكمش بيت هنا بيتكم اتحرق… وإحنا اللي بنيناه من جديد" تناسوا أن تلك الأرض ليست لهم بل لأبي… أبي الذي حمل السلاح ليحميها الذي غاب عنها ليُفتك بها في صمته العظيم تناسوا أختي التي ماتت على حافة الجوع وأمي التي باعت ذهبها لتأوينا ومرة أخرى… وجدت أمي نفسها تحمل العالم وحدها جمعت بقايا الذهب واستأجرت لنا غرفة صغيرة ثم بدأت تعمل في مطعم مدرستي كنت أراها كل صباح بثوبها الملطّخ بالكدّ وكل ما في قلبي فخر… لا خجل لم ألعنهم لم أعاتبهم لأنني ببساطة… عرفت أن البيت ليس سقفًا وجدرانًا بل قلب من لا يطردك حين يشتد البرد…

​"أمّي… حين اختارت الحب على الراحة"

​رأيت أمي ينهشها الألم كما تنهش النار أطراف القش اليابس… كان جسدها لا يقوى على النهوض وملامحها تذوي يومًا بعد يوم نفد ذهبها وانطفأ بريق الصبر في عينيها ولم تعد قادرة على إعالتنا فخرجنا من ذلك المسكن مجبرين لا نملك مالًا للكراء ولا ظهرًا نسنده أو يسندنا لم يكن أمامنا إلا مأوى واحد… بيت مشترك يسمّونه "حوش الشهداء" باب قديم وجدران تتقاسمها أكثر من روح عشنا فيه… أنا وأخي ندرس وأمي تعمل تجمع فتات النهار لتمنحنا وجبة وفتات ليلها لتدفئ قلوبنا المُتعبة لكنها كانت صغيرة… والحياة لا ترحم ولا الجوع ولا الأعوام فقررت أن تتزوج… زواج شرعي فقط بلا عقد قانوني رجل طيب حنون منحها القليل من السكينة وأنجبت منه طفلًا صغيرًا لكنّ قلبها كان هناك… مع أخي عاشور لم يحتمل وجود رجل غريب في حياتنا رفض العيش في بيت واحد معه ضغط عليها بكلامه بمشاعره برفضه وأمي… التي لطالما أحبتنا أكثر من نفسها انكسرت من أجله وطلّقت نفسها من حنان كان ربما هو الفرصة الأخيرة لراحتها فقط… لأنها أحبّت ابنها أكثر من راحتها…

​"خطى في درب بلا ضوء"

​تحوّلت أمي من أرملة تحمل همّ طفلين إلى امرأة مطلّقة تُطوّقها مسؤولية ثلاثة أرواح أتذكّر جيدًا ذاك اليوم حين اتّصلت بها جدّتي وخالاتي طلبن منها أن تعود إلى وهران لتعيش معهن بعد أن استقرّ بهنّ الحال من جديد وافقت أمّي وعادت معهن علّ دفء العائلة يرمّم ما تهدّم في داخلها في تلك الفترة كان أخي قد توقّف عن الدراسة أمّا أنا فكنت لا أزال أتابع تعليمي لكنني حين وصلت إلى وهران صُدمت لم أجد لي مكانًا في أيّ ثانوية قيل إنّ الأقسام مكتظّة عدت أدراجي إلى سيدي بلعباس… وهناك عشت مع أختي المتزوّجة أخت من جهة أبي وإن كانت الأبواب قد فُتحت لي فقد رأيت في عينيها وجعًا آخر… كانت تعاني من ضيق الحال فقررت ألا أزيدها عبئًا فوق عبء وانتقلت للعيش مع صديقة لي لم أكن أفكّر كثيرًا كنت فقط أريد أن أعيش… وإن عشيت فببعض ملاعق من "بركوكس" قُدِّم في قدر واحد للجميع كنت أستحي أن أمد يدي كنت أشعر بأنني دخيلة ظل زائد… لكنني صبرت أنهيت السنة الدراسية وحصلت على شهادة البكالوريا لكنّ روحي كانت قد أنهكتها الدراسة في ظل الفقر فتوقّفت… وعدت إلى وهران من جديد هناك التحقت بتخصّص "الداكتيلو" الإعلام الآلي القديم درست بإصرار وتخرّجت بامتياز أُرسلت للعمل في المحكمة لكنّني رفضت ليس ضعفًا بل خوفًا… ذاك الرجل الذي يعمل على الاستقبال… لم أنسَ نظراته ولا ارتحت لها فخفت… وعدت خطوة إلى الوراء…

​"ظلّي لا يشبههم"

​في تلك الفترة جاءني أخي عاشور يطلب منّي شهادة البكالوريا… لم أتوقّع ما فعله فقد زوّرها وبهذا الزيف التحق بالجامعة تابع دراسته ومرّ الوقت ليُصبح مديرًا بينما أنا… بقيت في مكاني كانت أمّي قد حصلت على منحة "زوجة شهيد" منحة عالية تعينها على الحياة وتقدم له منزلا متواضعا… أما أنا فبدأت رحلتي بحثًا عن حلم صغير أن أتعلم الخياطة لكن لا فائدة… طرقت أبوابًا كثيرة… عُرضت عليّ وظائف في التعليم الصحافة غير أنّ قلبي لم ينبض لأي منها رفضتُ لا تردّدًا… بل لأنني كنت أعرف أن قدري لا يكمن هناك كنت فقط أريد خيطًا وإبرة… شيء من صبر يتجسّد على قماش… لكن حتى هذا لم أُمنحه المراكز مغلقة الطرق موصدة… وكأنّ شيئًا ما يتآمر على حلمي البسيط أمّي كانت خيّاطة ماهرة… آه وكيف أنسى "لالة" تلك الخيّاطة الأصيلة… كانت الإبرة تعرف أصابعها لكنّي لم أجد من يعلّمني ذات المسار وكأنّ ما وُلدت لأجله لا يريد أن يولد فيّ…

​"وابتُليتُ باسم الحب"

​في خضمّ رحلاتي الشاقّة بين الأزقّة والقلوب الموصدة أبحث عن مركز يُعلّمني الخياطة لم أجد ما يُشبع هذا العطش… لكنّني وجدت شيئًا آخر… أو قل أحدهم ظهر فجأة في طريقي لاحقني دون تردّد وذات مرّة انتزع عني "عجّاري" الذي كنت أغطي به وجهي… نظرت إليه بذهول فما كان منه إلا أن ابتسم ثم واصل ملاحقتي كأنّه وجد شيئًا ضاع منه منذ زمن خطبني… فرفضت ثم عاد… ورفضت ثم عاد مرة ثالثة… وهنا لا أعلم ما الذي جعلني ألين… ربما التعب وربما الفراغ أو لعله الأمل الكاذب فوافقت وتزوجته انتقلت إلى بيت العائلة أمه طيبة… أبوه أكثر طيبة… لكن شقيقاته؟ كنّ شيئًا آخر تمامًا كانوا يتسلّلون إلى قلبه يملأونه بالكلمات المسمومة يحكون له عني ويشوّهون صورتي حتى صار يرى انعكاسي كما يروه لا كما أنا لم يكن الأمر مجرد حكي… فقد كنت أجد ملابسي تُسرق أغراضي تختفي… وعلى مرّ الأيام صار التنمّر لغتهم والصمت سلاحي الوحيد…

​"هذيان في حضرة الغيب"

​قالوا لي إنني مزّقت ثيابي من فوقي أمام أعين الجميع وأنني كنت أقفز كمن أصابه مسٌّ من جنون أهاجم من حولي بصرخات حادة ونظرات زائغة كأن شيطانًا اقتحم جسدي وسلب روحي قالوا إن زوجي رضا حملني كجسد هشّ إلى المستشفى وأن نتائج الفحوصات خرجت... طبيعية! طبيعية؟ يا لسخرية الأقدار حين لا يلتقط الطب وجع الأرواح ثم قالوا… علينا أن "نذبح" أن نكفّ هذا البلاء بتقليد عتيق أن نطهو لحم الكبش ونأكل حول نيرانه ونزور الوالي في أعالي الجبل قالوا إنها "زيارة" لكنني كنت أرى فيها شركًا طقسًا غريبًا يتوشّح ثوب الدين… ويخفي وجه الخرافة أمي الطيّبة المنهكة وأخي المحارب في صمت حاولا كل ما بوسعهما لعلاجي لكن أنا؟ أنا لم أعد أذكر شيئًا كأنّ جزءًا من ذاكرتي قد انسلخ عني في تلك اللحظة تركني أركض بلا وعي بين الجموع بلا وِجهة كطيف هائم فوق أرض لا تعترف بالعقل…

​"الصورة المحروقة"

​بعد فترة استعادت روحي شيئًا من توازنها وعاد إليّ الوعي... لكن جسدي كان لا يزال هشًا متعبًا كأن المرض لم يرحل بل اكتفى بأن يختبئ خلف أضلعي في إحدى الليالي جاءتني زوجة أخ زوجي وجلست بقربي بهمّ ظاهر وقالت هامسة "أرجوكِ لا تصرخي... ولا تخبري أحدًا أنني قلت هذا لكن أقسم لكِ أني لم أعد أطيق الصمت رغدة ونهد وعجلاء... سحرنَكِ صورة لكِ محروقة تحت فرن في حوش المنزل وفستانك الأزرق ذاك الذي كنتِ تحبينه أُرسل إلى ساحر في المنطقة الفلانية واستخدموه في إيذائك" تلعثمت الكلمات في فمي لم أصدق ولم أستطع أن أنكر... فكل ما كان يحدث لي بدا فجأة منطقيًّا بشكل مرعب أكملت "السلحفاة التي كنتِ ترينها دومًا؟ رأيت نجلاء تضربها وماتت أمام عينيّ هناك ارتبط السحر بكِ... هناك بدأ كل شيء" ذهبتُ معها تحت جنح الظلام طرقتُ باب الساحر نحمل حجة أننا نريد فك السحر لكن زوجته هي من فتحت نظرت إليّ بعينين جافتين وقالت بلا تردد "أنا أيضًا مشعوذة... لكن سحر زوجي لا أحد يفكّه الا هو و هو مات" عدت من هناك وأنا أرتجف لم أتكلم لم أخبر أحدًا بما قيل لي أخفيت سري كما تخفى الصور تحت الفرن محترقة صامتة... لكنها تواصل تأثيرها…

​"وشاية على مقاعد الثقة"

​بعد تلك الحادثة هدأت العاصفة في حياتي... وعاد الضوء خافتًا يتسلل إلى زوايا أيامي أنجبت أبنائي منال سميرة رضا محمد فيصل رميس... كنت أعيش في ذاك المنزل تحت ظلّ لا يرحم ظلٌّ من الذلّ والأذى لكنني صبرت تعلّقتُ بأطفالي كالغريق بطوق النجاة وذات مساء جلستُ إلى سلفتي الجديدة شعرتُ للمرة الأولى أني لستُ وحدي أن لي أذنًا تصغي وقلبًا يحتوييني كنت أتكلم بلا خوف كأن داخلي انفجر دفعة واحدة حكيت كل شيء... عن الألم عن الظلم عن السحر عن الوحشة وهي... استمعت حتى النهاية ثم مسحت على يدي بكلمات دعم لم أذقها منذ جئت وهران كأن الأخوة بعثت من جديد في قلبي لكن ما لم أعلمه وما لم يكشفه لي الزمن إلا بعد أن غزا الشيب رأسي أن تلك "الأذن المصغية" كانت لسانًا ناقلًا... تنقل همسي على هيئة تهم وتبث كلماتي على شكل خناجر كنت أتساءل طويلاً لماذا يزيد كرههم لي؟ لماذا كلما فتحت قلبي... انغلقوا هم أكثر؟ حتى أدركت... أن الثقة قد تُذبح أحيانًا على مقاعد البوح…

​"الرماد الذي حملته وحدي"

مرّ الزمن بي وأنا غارقة في أمومتي منهمكة في تربية أبنائي أداوي جراحهم وأكتم أنيني لم أكن أعلم... أن زوجي رضا الرجل الذي أحببته بصدق أصبح دمية في أيديهم وأن خيوط خيانته نُسجت بصمت خلف ظهري لم أكن أعلم... أن قلبه قد مال لغيري وأنه خطب فتاةً وسيعقد قرانه قريبًا كانت الصدمة الأولى حين علمت بالأمر من ابنة خالتي صدفة جمعتها بصديقة أخت العروس فأشارت إلى رضا وقالت "هذا خطيب أختي" تجمدت الكلمات في حلقها ثم همست "لكن… هذا زوج ابنة خالتي" هرولت إلى بيت أمي قلبي يركض قبل قدمي قصصت عليها ما حدث دمعتاها كانتا صدى دمعي قالت لي "تعالي... تعالي يا بنيتي البيت بيتك والوجع وجعي" تشاجرت مع رضا صرخ حاول ضربي فتركت أطفالي رمادي حزني وعدت إلى حضن أمي مكسورة لا أعرف لمَ يحدث هذا لي في اليوم التالي جمعت شجاعتي… بل جمعت رمادي وذهبت إلى بيت خطيبته طرقت الباب… ترجّيتها بألم امرأة تخشى على بيتها من الخراب أخبرتها بالحقيقة بصدقٍ أمٍ لا تملك سوى حب أولادها بكت قالت إنها لم تكن تدري أنه متزوج ووعدتني أن تنسحب… رجعت وأنا لا أصدّق أنني أنا التي ترجّيت أنا التي انكسرت وفي اليوم التالي علمت أن والدها وإخوتها ركضوا خلف رضا يحاولون ضربه… لكن ما لم يعرفوه أني أنا التي نزفت من الداخل قبل أن تنزف كرامته أمامهم…

​"حين حملني الحب... مجروحًا"

​مرّت أيام وأنا أرفض أرفض الرجوع أرفض المصالحة أرفض كل محاولة من رضا لإعادتي إليه لم يكن الوجع بسيطًا ولم يكن الجرح قابلاً للالتئام بكلمة اعتذار كنت أراه يأتي كل يوم ينتظر عند عتبة الباب يحمل نظرات الندم وأنا… كنت أطرده كل مرة أغلق الباب بوجهه وأغلق معه ما تبقى من حنيني لكن في إحدى المرات… لم يطرق الباب فقط بل قال بصوت واثق "مرحبا… جِيت نَخُذ زوجتي" قبل أن أفهم ما يحدث كان يحملني بين ذراعيه كأنني لم أكن أثقلته يوماً بدموعي كأنني لا زلت زوجته… أنزلني من البناية وركّبني السيارة وأعادني إلى البيت لن أنكر… فرحت نعم فرحت لأني ما زلت امرأة... قلبها ينبض حتى إن جُرِح لكن رغم فرحتي كان شيء بداخلي قد تغيّر شيء لم يعد كما كان كأنّ القلب عاد إلى بيته… لكنه لم يُرمم بعد…

​꧁الخاتمة꧂

"خاتمة من الرماد"

​أحمل ألمي في عينيّ هو كل ما عشته كل ما تكوّم في صدري من وجع وكل ما سُحق من أحلامي تحت وطأة الخذلان بحثتُ عن سند عن ظلّ أستند إليه فوجدتُه… لكنّه ما إن ابتسم بوجهي حتى طعنني في ظهري لماذا؟ لماذا تجعلونني رمادًا؟ متناثرة في الهواء… كأنني لم أكن يومًا جمرةً تنبض بالحياة…

​"سامحتك... لكنني لم أعد أنا"

​أحببتك أكثر من أي شيء… أكثر مما أحببت نفسي وأكثر مما كنت أعلم أن القلب قادر على الحب ظننت أنّني وجدت فيك الوطن والسكن والطمأنينة مددتُ إليك روحي كصفحة بيضاء… وكتبتُ اسمك في كل سطر منها لكن خيانتك… كسرت شيئًا بداخلي شيئًا لم أستطع إصلاحه ولا حتى بالكبرياء ولا بالدموع ولا بالمسامحة نعم… سامحتك لأن القلب كان أضعف من أن يكرهك لكن لا تطلب أن أكون كما كنت فبعض الكسور لا تُرمم وبعض الصفحات لا تُكتب من جديد…

​"شكّي... من صُنعك"

​لا تسألني لِماذا أشكّ بك ولا تُعاتبني لأنّني أراك في عيون غيري فأنتَ من زرع هذا الشعور داخلي أنت من ولّد هذا الخوف في صدري… حين نظرت لغيري وكأنني لا أُكفي لم أخلق الريبة من فراغ ولا اتّهمتك عبثًا بل خذلانك هو من صاغ كلماتي الجارحة وتصرّفاتك هي من ألبستني ثوب الغيرة والاتّهام الأبشع من كلّ هذا أنني بدأت أرى نفسي ناقصة أقارنني بغيري وأتمنى لو كنتُ مثلها… لا مثلي كسرتني حين جعلتني أتمناها أكثر مني وأراكَ تبتسم لها في خيالي أكثر مما ابتسمتَ لي في الواقع…

​꧁تمهيد للبارت الجاي꧂

​"أنا.... شاهدة الرماد"

​أنا تلك العيون التي رأت أمّها تذبل رأيتها تنهار شيئًا فشيئًا أمامي وانا لا أملك سوى الصمت… كنتُ طفلة صغيرة لا أفهم ما يجري لكنني كنت أخاف… أخاف أن أفقدها أن يخطفها الموت من يدي أو أن يأخذ أحدهم مكانها فجأة أنا التي خبّأت أسرار العائلة كأنّي كنتُ حائطًا أخرس لا يُسمح له بالانهيار دفعتُ ثمن صمتي وثمن كتماني أنا التي احترقت بنار الحياة منذ أولى لحظات مراهقتي… أنا سميرة ولم أعد تلك الطفلة بل شاهدة على الرماد الذي خلفه كل هذا الألم…

꧁روڨين꧂

​أتمنى أن يكون هذا الجزء قد لامس قلوبكم مدركةً تمامًا أن ذائقتكم الأدبية اعتادت على فصول أكثر بريقًا لكن اسمحوا لي اليوم أن أنقل إليكم صدى حكايات واقعية أنينًا صادرًا من أعماق بشر حقيقيين في حضرة أمهات مثقلات بالهموم ومشاعر صادقة لا أملك رفاهية تجميل الألم أو إضافة لمساتي الخاصة لكن ثقوا بي عندما نصل إلى الفصل الأخير سأعود بكم إلى عوالمي الإبداعية التي ألفتموها والآن هل أنتم مستعدون للانطلاق في رحلة جديدة مع قصة سميرة؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

​۝ خُيُوطٌ مِنْ سِيفُونِيَّةِ الرَّمَادِ ۝

المؤلف ⋆。°✩ 𝓡𝓸𝓿𝓲𝓷 ✩°。⋆
2026/04/23 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة