همس الظلام ↜ حيث تتكلم المخاوف ↝
بسم الله الرحمن الرحيم
مرحبا بكم من جديد في فصل آخر من روايتنا
قبل أن نواصل الحكاية دعونا لا نسرع الخطى
فمن نكتب عنها… ليست بطلة خارقة ولا صوتا مرتفعا في زحام الحياة
إنها تلك الفتاة التي تمشي بين الناس بهدوء وتخفي تحت ملامحها الحزينة عالما لم يقترب منه أحد
خلف ابتسامتها… خوف لا يقال وفي عينيها… طفلة ما زالت تنتظر حضنا لم يأت
هي ليست شخصية من حبر بل قلب ينبض بالتعب ونبضه شهادة بكمية ما تحمل من صمت
في هذا الجزء…
لن تراها كما يراها الجميع بل كما ترى هي نفسها
سنغوص في زاوية مهملة من روحها
نسمع حواراتها مع ألمها
نرى كيف يصبح الصبر عبئا وكيف يتشكل الأمل من رماد
سنتلمس ضعفها لا لنحكم عليه بل لنفهمه
فأحيانا… أعظم الشجاعة لا تكون في المواجهة
بل في البقاء حيا رغم كل ما انكسر فيك
مرحبا بكم في فصل الألم الهامس…
في دهاليز الذاكرة التي لا تموت
مرحبا بكم في عمقها الحقيقي
مرحبا بكم في قلب سجينة الماضي
موقف صغير… لا يبدو أنه يملك تلك القوة
لكنه كان كفيلا بمسح ذاكرتي كما يمسح بخار عن مرآة
لحظة واحدة… جعلت مني فتاة بلا ماض
فتاة تنظر إلى جدران تعرفها ولا تعرفها
تتنفس شيئا من الأمان… في منزل لا تدري لمن يكون
لكن أين منزلنا الحقيقي؟
أين أمي؟ أين أبي؟
ترى… لماذا لا أشتاق لهما؟
لماذا لا أشعر بحنين يربطني بهما كما تفعل الفتيات عادة؟
لماذا حين أسمع صوت أمي يرتجف قلبي… لا من الحب بل من خوف لا ملامح له؟
لماذا أكره أبي… دون أن أملك سببا واضحا؟
لماذا بداخلي كل هذه المخاوف التي لا أعرف من أين جاءت؟
كل هذه الأسئلة… ولم يكن هناك أي إجابة سوى عبارة واحدة: انا بلا ذكريات
جملة… أربكتني أكثر مما أرضتني
دفعتني لحفر سرفرات ذاكرتي
بحثت عن لحظات قديمة خبأها عقلي خلف غبار ثقيل
نبشت الصور القديمة
تتبعت الأصوات المكسورة
تسللت إلى غرف مغلقة في ذهني
وما وجدت… كان أشبه بمصيدة
أدركت بعدها أن العقل لم يرد أن ينسيني
بل أراد أن يحميني
لم تكن الديناميكية آلية نسيان
بل استراتيجية نجاة
صنع لي ذاكرة بيضاء
لكي لا ألطخ حاضري بدماء الأمس
لكي أعيش… دون أن أنزف
لكني… أفسدت كل شيء
فضولي انتصر على خوفي
فتحت الأبواب المغلقة
وعدت سجينة… لماض كنت أظنه مدفونا
فيا لعقلي… كم أحببتك لأنك حميتني
ويا لقلبي… كم كرهتك لأنك أردت أن تتذكر
المخاوف؟
أليس مصطلحا سخيفا بعض الشيء؟
نحن بشر… نعيش مرة واحدة
ونموت مرة واحدة
فلماذا نحشو بين الحياة والموت
كل هذا الجبن؟
كل هذا الارتعاش من أشياء لا نعرف لها اسما ولا وجها؟
يضحكون حين نقول إننا نخاف
يسألونك ساخرين: مم تخاف؟ لا شيء هناك
لكنهم لا يعلمون…
أن اللاشيء قد يكون أعظم كوابيسك
أن الظل الذي لا اسم له
هو نفسه الذي كان يسكن تحت سريرك في الطفولة
الذي كبرت وهو يكبر فيك
الذي لم يكن له شكل… لكنه عرف تماما كيف يطاردك
الخوف؟
أحيانا لا تراه
لكنه يتنفس داخلك
يرتجف في صوتك
يسكن عينيك حين تحدق في اللاشيء
هم يظنونه بلا معنى
لكننا نعلم
أن لكل خوف منبعا
لكل ارتجافة قصة
ولكل صمت طويل… لحظة صرخة تم دفنها حية
نحن لا نخاف عبثا
نحن فقط نرتجف من الأشباح التي صنعها غيرنا
من خيبات لم نخترها
من جراح لم نملك حق الهرب منها
ومن ماض… لم يستأذن حين قرر أن يترك بصمته في أعماقنا
نحن لا نعيش بخوف
نحن فقط نحاول النجاة…
بما تبقى فينا من نبض
مخاوف 1:
الأصوات العالية…
ضجيج الأماكن المكتظة صخب الموسيقى المتراقصة في زوايا اللهو والمرح
حين يبدأ الجميع بالتمايل بالضحك بالصراخ…
أنا لا أتمايل لا أضحك لا أصرخ
أنا… أرتجف
قلبي يخبط في صدري كطائر مذعور في قفص
أنفاسي تضيق كأن الهواء نفسه يهرب من حولي
وأجد نفسي غريبة… بين مئات الوجوه
أشعر وكأن شيئا يسحبني بعيدا…
إلى مكان آخر لا يسمع فيه أحد صوتي
غابة موحشة
أو زنزانة مظلمة تفتقر حتى للظل
لا أمل هناك
ولا أحد ينتظر عودتي
الشيء الوحيد الذي يعانقني هناك…
هو الذعر
الأسى
وجع لا أعرف له اسما لكنه يعرف جيدا كيف يقطن قلبي
فهمت يومها…
أن ليس كل من يكره الضوضاء شخص هادئ
أحيانا… هو فقط شخص خائف من أن ينكسر أمام العلن
ولا ننسى تلك الصرخات…
مجرد واحدة منها كانت كفيلة بأن تعيد ارتجاف الروح من أعماقها
أن تطفئ في القدرة على الوقوف
أن ترغمني على البقاء في السرير لأيام
ليس لأنني ضعيفة…
بل لأنني خائفة من ذاكرة لا أملكها
كل صرخة…
كانت تشبه ارتطام ماض لم أتذكره يوما
لكن جسدي يعرفه
يرتجف منه كما لو أنه عاشه آلاف المرات
قلبي…
كنت أشعر أنه سيتوقف
أن أنفاسي ستتلاشى مع كل صدى يرتفع في المكان
وأن شيئا داخلي سيصرخ بدلا مني:
لا لا لا! توقفوا… أرجوكم اصمتوا!
أنا لا أتحمل الأصوات العالية
لأنني أسمع خلفها صرخات لم أعد أميز هل كانت من الماضي… أم من داخلي
أما تلك الممتدة…
ذات اليد الخشبية أو البلاستيكية
التي تلمع بنهاية حادة مقوسة
سواء كانت صغيرة أو كبيرة…
فجميعها ترعبني
قد تبدو لي مجرد أداة في مطبخ
وقد تبدو لك نكتة سخيفة حين أصرخ
أو أرجوك أن تتركها من يدك
حتى وإن كان هدفك…
مجرد تقشير حبة بطاطا
لكنني لا أراها كذلك
أنا أراها تقترب من جلدي
تغوص في لحمي
تلطخها دمائي
كأنني أنا تلك الحبة التي يقشرها النصل ببطء
لا تسألني لماذا أغمي علي
لماذا بكيت فجأة
لماذا ضربت رأسي أو صرخت أو تهجمت عليك
أنا فقط…
حميت نفسي من لقطة لم تكن من وحي خيالي
بل من وحي ذاكرة لا أتذكرها…
لكنها ما زالت تسكنني
ذلك السكين…
أنا لا أراه في يدك
بل أراه على جسدي
ولا ننسى ذلك السائل…
ذلك الذي يتلون بلون قان كالعتمة
أحمر لكنه ليس كأي أحمر
يبث في جسدي رعشة لا تفسير لها
يجعل عيني تدمع
وصوتي يختنق برغبة في الصراخ
وخطواتي تتخبط في فراغ مجنون
أقفز كمن تشتعل الأرض تحت قدميها…
كلما رأيته
يبدو لي أن هذا الخوف…
ليس وليد اللحظة
بل امتداد لوجع قديم دفنته ذاكرتي
ونبض في أعماقي دون إذن
لكن…
ها أنا أعود
أنا… انفصامها
هل اشتقتم لي؟
لست مثلها
لست جبانة
أنا لا أرتعب من الدماء…
بل أعشقها
أشتهي رؤيتها
أرتوي من منظرها
أتغذى على صوت السكاكين وهي تقطرها
على أنينهم وهو يسكب من أجوافهم كالموسيقى
أأنا خائفة؟
بل أنا أسبقها إلى ذلك المشهد
أعيشه ألف مرة قبل أن يحدث
أتلذذ به
أتنفسه
وأبتسم حين تبكي هي
أنا الظل الذي يحب ما تخشاه
الذي يرقص فوق سكونها
وأوشك على السيطرة…
فقط انتظروا…
ولم أخاف الصراخ؟
لماذا لا أستبدله بضحكاتي العالية الصاخبة المجنونة؟
ضحكات تشق سكون العالم وتعبث بجدران هذا الرأس المنهك…
لا يهمني شيء
بل هذا ما أحبه في نفسي… أنني انعكاسها نعم تلك الضعيفة
جانبها الآخر القوي الذي تهابه…
لكنها تلجأ إليه خلسة في نوبات انهيارها حين يعجز لطفها عن النجاة
ومن مخاوفي؟
صوت هذا المتحدث داخلي…
هل سمعتموه؟
هل شممتم رائحة أفكاره؟
الشنيعة؟
سترون أسوأ صدقوني… فقط انتظروا
أنتم لا تعرفون بعد ماذا يعني أن تعيش بشيطان في داخلك
شيطان إن غفلت عنه لحظة…
يقيدك
يدفعك نحو حافة الجنون
ويجعلك تنهارين في سجن من صنعه
انفصام؟
نعم قوليها كما تشائين…
لكن الحقيقة يا عزيزتي…
أنك أنت السجينة
سجينة لمخاوفك التي لم تعرفي لها أصلا
فقررت أنا تحطيمها
كسرها
واقتلاعها من جذورها…
يا لسخريتي حين ترتجفين مني
حين ترينني كابوسك…
وأنا كنت دائما
مجرد وجه آخر من وجوهك
من مخاوفي… الحديث مع البشر
ليس لأنني لا أجيد الكلام
ولا لأنني أفتقر إلى الكلمات…
بل لأن صوتي في أذني صار تهمة
أول ما أتذكره؟
كلمات أهلي…
اخفضي صوتك أنت فتاة
حديثك مرتفع مزعج غير لائق
وهكذا مع كل مرة أسكت فيها
كنت أطفئ في داخلي رغبة البوح…
وتبرمجت… نعم تبرمجت ألا أتكلم
لكنني واثقة…
أن هناك سببا أعمق
خلف هذا الصمت الممتد في حنجرتي
خلف هذا الخوف الذي يسبق كل كلمة أنطق بها…
ربما شيء دفنته ذاكرتي
ربما لحظة واحدة سلبتني الثقة
ربما صوتي نفسه في ماض ما
كان شاهدا على وجع لم أتحمله
لست متأكدة…
لكنني أعلم أن خوفي ليس من الناس فقط
بل من أن أكون أنا… أمامهم
ومن أعمق مخاوفي… البقاء مع الرجال
أخافهم…
لدرجة تعجز الكلمات عن وصفها
نظراتهم تربكني
همساتهم ترعبني
وحتى الهواء الذي يمر بينهم… يجعلني أختنق
حين أكون محورا لنظراتهم
تنتفض روحي
أشعر بذعر داخلي
بألم مبهم لا أعرف له اسما…
كل ما أريده حينها: أن أركض
أن أصرخ
أن أهرب من كل شيء… من العالم ومن نفسي
أكرههم…
لا لأنني ولدت أكرههم
بل لأنني أراهم ككابوس متكرر…
كغرفة مغلقة
وجسد مكشوف
وأيد كثيرة… كثيرة جدا
رجال ونساء
سود وبيض
صغار وكبار…
كلهم يلمسون جسدا صغيرا…
هو جسدي نعم لكنه كان صغيرا… هشا… خائفا
أنا الآن بالغة
لكن شيئا في داخلي يصرخ:
ما حدث لم يكن خيالا
ما رأيته ليس سرابا
إنه الخوف الذي لا ينسى
الذي لا يشبه أي كابوس…
لأنه ربما لم يكن كابوسا
بحثت… ونقبت في أرشيف ذاكرتي
ظننت أنني سأعثر على النور
لكنني لم أكن أعلم أن الحفر في الماضي
يأخذك إلى طرف هاوية
حيث الأرض مظلمة والنور… ليس سوى لهب يتربص بك من كل صوب
ركضت
هربت
دون وجهة…
إلا أنني وجدت نفسي فجأة في ظلام دامس
فستاني مغطى بالدماء
رماد على وجهي
وأنفاسي متقطعة من الرعب
سقطت…
وانفجرت بالبكاء
ذلك الظلام…
تنهشني فيه أصوات الذكريات
وغراب ينعب كأنه يخبرهم بمكاني
لم أجد ملجأ
نبشت الأرض بيدي بحثا عن أي أمل…
حتى وجدت شمعة
وولاعة…
أشعلتها
كان الضوء ضئيلا لكنه كاف لأبصر
ذئاب تقترب من جهة
وفي الجهة الأخرى وهج نيران يقترب مجددا
فستاني الملطخ حملته بيد
والشمعة باليد الأخرى…
ورميت الولاعة
ركضت
وصوت الذئاب يزداد قربا
والنار تكاد تبتلعني
وجسدي بدأ يتلاشى
كأنني أبعث من جديد في هيئة طفلة صغيرة
أسيرة في غابة لا تنتهي
لماذا جسدي في الحاضر
وروحي حبيسة غابة موحشة؟
لماذا لا زلت هناك
أسيرة أطياف لا ترحل
وذكريات كالشياطين…
شدت رزحي لتبقى للأبد؟
وفي ختام هذا الجزء…
أقولها بصدق:
العيب ليس أن تكون سجينا للماضي
ولا أن تظل مكبلا بقيوده…
العيب الحقيقي أن لا تحاول
أن لا تبحث عن المفاتيح
ولا تكافح للهروب
فلا تلوموني…
أنا أحاول
أهرب في كل مرة
أرقص على خشبة الحياة
بين شظايا مخاوفي
وحين تلامسها أناملي
أعود…
أعود إلى زنزانتي
لكنني سأحاول مجددا
لأن المحاولة
هي شكل آخر من أشكال النجاة
في ختام هذا الجزء
شكرا لأنك أنصت لمخاوفي
لأنك لم تستهزئ برجفتي
ولأنك فهمت مشاعري حين عجزت عن شرحها
انتظروني في الجزء القادم
فهناك… سنبدأ الحكاية حقا
وسنخطو أولى خطواتنا في درب طويل
من المواجهة… والبوح… وربما الخلاص
لا تنسوا دعمكم
فكلمة منكم تعليق بسيط أو تصويت صغير
كفيل بأن يمنحني دفعة أكمل بها المسير
شكرا لقلمي…
الذي احتضنته بيد مرتجفة
ورسم من حبره حروفا خرساء أرغمت طويلا على الصمت
وشكرا لبطلتنا…
التي تجردت من خوفها
وقررت أن تشاركنا بعضا من وجعها
وأن تمنحنني شرف رواية قصتها
قصة… ليست من نسج الخيال
تذكير:
هذه الرواية مستوحاة من واقع حقيقي
من أنين أرواح ما زالت تعيش تحت وطأة الظلم
بقلم: الكاتبة روفين
لنكمل معا… ما بدأناه
⋆。°✩ 𝓡𝓸𝓿𝓲𝓷 ✩°。⋆