_فضول_

_فضول_

25 1

   ||A Demon IN AN ANGEL'S MASK||

   "شيطان بقناع ملاك"

الفصل الثاني:

                             "فضول"

"نحن لا ننجذب لمن يشبهنا، بل لمن يكشف الجانب الذي نهرب منه داخل أنفسنا؛ لذلك يبدو التناقض أحيانًا كأنه قدر، لا اختيار."

                                                             ||كلير||

الفضول لم يكن يومًا شعورًا بريئًا كما يظنه البعض ،بل هو احساس سلسل يمر عبر الشقوق النفسية للانسان، فيتخلل اوساطه ويتربع بها لينهش الهيكلة النفسية ويعيد تشكيلها ،

هذا الشعور الذي يجلب كثيرين للهاوية، بالضبط اصحاب الروتين و الحياة المثالية المتكررة، أولئك الذين عاشوا داخل نظام محكم، حياة مصقولة بدقة، كل يوم يشبه الآخر حدّ التطابق، كأن الزمن يدور في حلقة مغلقة لا تسمح بشيء غير التكرار. يظنون أن هذا الثبات نوع من السيطرة، نوع من النجاة.

و عندما يدخل عليهم عنصر جديد أو هيئة مختلفة لم يعتاذو مقابلتها يبدا ذلك الاحساس بالتسرب خلال شقوق رتابة الحياة كخيوط دقيقة تنسج نفسها حول الإدراك، تتشابك ببطء، دون استعجال، حتى تجرهم هذه النشوة نحو حتفهم وتجدبهم كما تنجدب اقطاب المغناطيس ،

وفي هذه الاثناء بدأت تلك البوادر تستقر في اعمق جزء من عقل رومان أو بالضبط في اللاشعور الخاص به ،

ساعة.....ساعتان.... بل أكثر من ذالك ،

ظل جالسا بهدوء في مكانه، بثباتٍ ظهره مستقيم، وكتفاه مسترخيتان ببرود . إحدى ساقيه متقدمة قليلًا، ويده تستقر على ركبته، بينما الأخرى متدلية بجانبه، أصابعه ساكنة، ترتسم على محياه تلك الملامح الباردة كالعادة.

عيناه ،تلك العينان الباردتان اللتان اعتادتا قراءة الناس كما تُقرأ الكتب المفتوحة،كانتا الآن مثبتتين عليها بالكامل، ترتكزان عليها تماما ،

مستلقية بقربه بلا أي حذر، جسدها مائل نحوه بشكل عفوي، كما لو أن وجوده لا يشكل تهديدًا في قاموسها البسيط. إحدى ذراعيها منثنية تحت رأسها، والأخرى ملقاة بإهمال فوق الوسادة،

بينما شعرها كان فوضويًا بشكل لافت، خصلاته متناثرة على الوسادة، بعضها عالق عند وجنتها، وبعضها الآخر ينساب فوق جبينها، يتراقص بخفة كلما تسلل نسيم خفيف من النافذة.

يراقب باهتمام هذا المتغير الجديد ،لاول مرة في حياته يرى انسان لا يستطيع فهمه ،و لا يستطيع تصنيف ما يراه.

اهي فتاة سادجة وحسب؟

ربما.

لكن إلى هذا الحد؟

يستغرب لاي درجة من الاهمال وصلت أن تُدخل رجلًا غريبًا إلى منزلها. رجلًا مصابًا، مظهره وحده كفيل بأن يثير الشك بل وانه مصاب اصابات تنذر بكونه شخصا خطيرا ،

ثم تنام بجانبه بهذه الطمأنينة الفاضحة؟

و الأسوأ كانت تشخر بخفة كأن شيءا لم يحدث ، صوتها هادئ، يتخلله ذاك النفس العميق المنتظم، وخيط رفيع من اللعاب انزلق من زاوية فمها دون أن تعي، ليزيد المشهد عبثية بشكل يكاد يكون ساخرًا.

"نائمة بعمق كما يبدو ."

ظل لفترة من الوقت على هذه الحالة يراقب تقلب تعابيرها، ضوء الشمس يتسلل من بين الستائر المفتوحة جزئيًا، يرسم خطوطًا ذهبية على ملامحها، يمر فوق جفونها المغلقة، فيجبرها على الانكماش قليلًا، حاجباها يلتقيان في عبوس ناعم، وكأنها تحتج بصمت.

بينما هو يراقبها بهدوء كيف ترتجف رموشها للحظة، كيف ينقبض أنفها قليلًا، كيف تتغير ملامحها من سكون طفولي إلى انزعاج. ثم تعود لتهدأ مجددًا، وكأن شيئًا لم يكن، تفصيلة تافهة، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له.

“هل أغلق الستار؟”

الفكرة مرت بعقله بهدوء لكنه لم يتحرك. شيء في تلك التعابير العفوية التي تفتقر لأي حسابات، شيء شد انتباهه بطريقة لم يعهدها.

اهتمام؟

لا الكلمة ضعيفة.

فضول؟

ربما لكنه أعمق. كأن عقله يحاول تفكيك لغز لا يملك مفاتحه، وكأن عينيه ترفضان أن تنفصلا عنها،

لقد أثار اهتمامه التعابير التي ترسمها على وجهها في كل مرة ،وذلك كان غير طبيعي في حياة رومان،

ان يثير اهتمامه شيء، والأسوء الاهتمام بشخص و ملاحظة وجوده خارج إطار التقييم السريع ، امر نادر الحدوث في حياته بل ان صح التعبير شبه مستحيل. ويبدو أن العنصر الشاد في هذه المفارقة هي  الفتاة الجالسة امامه .

ففي  النهاية عمله صاغه على هيئة كائن منزوع الإحساس، جرّده من كل ما قد يربكه أو يبطئه، علّمه أن المشاعر ليست سوى عيوب… ثغرات قد تُستغل، أو أسلحة قد تنقلب على صاحبهاو اوجب عليه التجرد من هذه الأحاسيس الضعيفة بكل اصنافها.

اما أن يتسرب اليه شيء مثل الفضول ،فهو شيء لم يتصوره ولا حتى في كوابيسه ،أشبه بخطأ في نظامٍ مثالي تماما ،سخيف اوليس كذالك.

لو سمع أخوه نيكولاي بهذا لما اكتفى بالسخرية، بل لجعل منه نكتةً خالدة،هو متأكد أنه سيصبح مهزلة لآخر حياته.

تنهد ببطء، زفير ثقيل خرج من صدره كما لو كان يطرد ذلك الشعور الدخيل، ورفع يده أخيرًا، واضعًا أصابعه فوق عينيه، يضغط عليهما قليلًا… كأنما يحاول إطفاء افكاره هذه، أو إغراق نفسه مجددًا في ذلك الفراغ المريح الذي اعتاد عليه.

فتح عينيه، وفي اللحظة ذاتها اصطدم بعينيها.تلك العينان العسليتان، الدافئتان، كانتا مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان به مباشرة،

لقد استيقظت،

ثلاث ثوانٍ مرت ببطء غير طبيعي.كانت تحدق به بذلك الارتباك الصافي، ذاك النوع من الصدمة كأن عقلها لا يزال يحاول ربط المشهد ببعضه، يبحث عن تفسير منطقي لما تراه .تحدق به بإستغراب يبدو أنها تحاول استيعاب ما اقدمت على فعله ،تعبير جديد في سلسلة تعابيرها الغريبة مثير للاهتمام كالعادة .

تعابيرها تتغيّر كما لو أنه عرض حي لسلسلة مشاعر غير منقحة.

الاستغراب....

إدراك بطيء.....

ثم شهقة حادة، سقطت على الأرض بقوة تزحف للخلف مبتعدة عنه قدر استطاعتها ،

ماذا لماذا هي مصدومة هكدا؟ اليست هي من ادخلته لبيتها ،استغرب ذالك ردة فعل لم يتوقعها غريبة حقا ،

وضعت يديها على فمها فجأة، أصابعها ترتجف بوضوح، بينما عيناها اتسعتا بشكل مبالغ فيه، حتى بدتا وكأنهما على وشك الهروب من محجريهما، نظراتها تتنقل بين ملامحه بسرعة، الهذه الدرجة يبدو مرعبا؟ ربما.

لازال بنفس الملامح الجامدة الفارغة، لاكنه امال رأسه ببضع ملمترات ،عيناه ضاقتا قليلًا يحاول التركيز عليها ،كيف ترتجف حدقتاها،كيف يتسارع تنفسها،وكيف يرتفع صدرها وينخفض بسرعة غير منتظمة. بينما ماشد انتباهه حقا هي تعابيرها التي تتغير كل ثلاث ثواني ،

"اذن الم يكن ما حصل البارحة حلما..."

جلست تتمتم مع  نفسها،

بينما بدأ هو يشك في صحة عقلها ،

هل هي مجنونة؟

ربما ذالك ما يفسر كل هذا....

اخبرتكم أن ايلارا لا تفكر قبل أن تقدم على فعل أي شيء، ويبدو أنها للتو بدات تلاحظ ما المصيبة التي أوقعت نفسها فيها ،

عيناه الباردتان مثبتتان عليها بشكل مخيف، دون رمش حتى هل هو رجل آلي.

"أ..نت...م...ن...أنت"

خرجت الكلمات منها متكسرة، متلعثمة. بينما ارتفعت يدها بتردد، إصبعها يشير نحوه في محاولة يائسة لإدعاء الشجاعة ،

تعبير آخر جدب انتبهاه  ، هل هي الآن تحاول بطريقة خرقاء تحديه؟

رفع يده، وضعها أمام فمه، أصابعه لامست شفتيه بخفة، بينما تسلل شبح إبتسامة ليرتسم بهدوء على وجهه ، قرر مجاراتها يريد أن يرى قدر أكبر من تلك التعابير.

"الست أنتي من احضرتني إلى هنا؟"

الصمت الذي تلا كلماته لم يدم طويلًا، شهقت مرة أخرى. لسببين،

الأول أنه يتحدث الألمانية بطلاقة.بطريقة سلسة، خالية من أي تردد، وكأنها لغته الأم… أو ربما أكثر من ذلك، نطقٌ نظيف، حاد، ينساب من شفتيه بسهولة جعلت صوته لافتًا.

لا......أكثر من لافت، كان جذابًا بشكل أربكها أكثر.

والثاني لأنه محق، وهنا بدأت الكارثة تتشكل بوضوح داخل رأسها.بماذا كانت تفكر؟

كيف وبأي منطق سمحت لرجل غريب، مصاب، مريب الشكل أن يدخل منزلها؟ بل وينام بجانبها؟ صحيح أنه وسيم،  لاكن لا يعقل أنها سطحية لهذا الحد ،ربما قليلا قليلا فقط...

بصراحة افعالها بعد منتصف الليل فعلا تتحدى المنطق، بل تتجاوزه تمامًا. وبلا شك هي غير مسؤولية عنها ،

"لا يهمني فقط أجبني ، من أنت ؟ ولماذا كنت مصابا هكدا البارحة؟"

وأخيرا استجمعت شجاعتها كي تخاطبه ،خرج صوتها هذه المرة أقل تلعثمًاو أكثر تماسُكًا لكنه لم يفقد ارتجافه.

أما رومان فلم يجب. للحظةٍ قصيرة، أدار وجهه إلى الجهة الأخرى، بنوع من التوتر رغم عدم تغير تعابيره ذلك الجمود المزعج لازال مرتسما على تقاسيم وجهه ،

يستحيل أن يخبرها أنه من المخابرات الروسية ، و دون شك هو ليس مجنونا  ليخبرها أنه حاول قتلها البارحة ،هي تبدو كقطة مبللة بالماء . ستموت لو علمت بذالك اما تموت بسبب نقص الاكسجين من الصدمة، أو الاسوء سيقتلها إيثان بعد ان يدرك أنها تعرف هوية سيده .

تبا،  فإيثان مساعده ونائبه إن علم ولو بنسبة ضئيلة أنها تعرف شيئًا لا ينبغي لها معرفته فلن تكون نهايتها جيدة.

واذا صنفنا رومان في المرتبة الأولى من حيث التجرد من المشاعر سيكون إيثان في المركز الثاني بلا منازع، فإن كان هو قد جُرّد من المشاعر حتى لم يعد يتأثر، إيثان كان النسخة التي لا ترى أصلًا سببًا لوجودها.

راقبته هي بعينين ممتلئتين بالاستغراب، رأسها مائل قليلًا،لماذا يبدو مترددا بالاجابة؟ اليس سؤال بسيطا؟

عضّت شفتها السفلية بخفة، ثم رفعت يدها ببطء، وضعتها تحت ذقنها، أصابعها تضغط عليه في حركة لا إرادية كلما بدأت تفكر بجدية… تلك العادة التي تفعلها دون أن تشعر.

وفجأة تذكرت اصابته على الرأس البارحة. هل لديه فقدان ذاكرة رجعي؟ كيف لم تفكر في هذا من قبل؟

فكما لاحظت البارحة كانت ضربته على الرأس بليغة بحق ، وهذا النوع بالضبط يحدث  غالبًا بسبب إصابة في الدماغ تؤثر على المناطق المسؤولة عن الذاكرة. هي درست هذا وتعاملت معه كثيرًا في علم الأعصاب ويُسمى عادةً Amnesia (فقدان الذاكرة)، وغالبًا يكون نتيجة إصابة دماغية رضّية بسبب ضربة قوية....

انكمشت ملامحهاو حاجباها اقتربا بحزن ، مسحت عيونها بتأثر درامي ،قلبها انقبض بألم، لقد قفزت بخيالاتها مباشرة إلى أسوأ سيناريو ممكن، هذا متوقع من دماغ فتاة كرست حياتها للروايات الخيالية ،

فجاة قفزت بجانبه،أمسكت كفيه بين ذراعيها الصغيرتين.أحاطتهما بحذر، كأنها تمسك شيئًا هشًا، أو تحاول احتواءه ، كانت دافئة بشكل فريد. ذلك الدفء تسلل فورًا إلى جلده البارد، كأنه وجد طريقه بسهولة، انساب عبر أطرافه، إلى راحتيه، إلى شيء أعمق لا يُفترض أن يتأثر. التناقض بينهما صارخ، لاكن لا يفهم ما سر انجدابه لهذا الاختلاف.....

"لاتقلق أدري أنه امر صعب عليك.."

قالتها بنبرةٍ لينة، مشبعة بذلك التعاطف  الذي يولد دون تفكير، وعيناها تنظران إليه بثقة غريبة، بينما ملامح رومان كانت كفيلة بقول كل شيء ، لوهلة كان لديه شك أنها مجنونة وحسب ،لاكن الآن تأكد من ذالك غريبة اطوار من الطراز الاول،

"ماذا تقصدين؟"

نظرت له بعيون القطة خاصتها.

"اعني انك فقدت ذاكرة كما يبدو ، لا باس أنا معك ساساعدك بلا شك..."

تجمدت تعابير وجهه للحظات ،كيف وصل الأمر إلى هنا؟ أي سلسلة من الأفكار ارشدتها إلى هذا الاستنتاج الكارثي؟وما الذي قادها لهذا النوع من سوء الفهم؟

كان بإمكانه تصحيحها، أن ينهي هذا العبث، لاكنه وجد نفسه يهز راسه بقلة حيلة،

"ارجو مغفرة الرب أنا مضطر لذالك."

لطالما كان رومان الشخص البارد من بين اخوانه ، لم يكن الأكثر قسوة، ولا الأكثر تهورًا، بل كان بسيطا مثل الماء الصافي العذب خاليا من أي شوائب، شخصية لا تتعقّد، لا تتشعب، تسير وفق منطق محدد ،واضح ،مستقيم وبارد. بتعبير أدق شخص مستقيم ذو حس عالي بالسؤولية ،مع شخصية فريدة، ووجه يصعب قراءته .

لطالما كان مختلفا ، دائما مميزا فريدا اينما حل ،وكما يبدو ولسوء حظه حسه العالي بالسؤولية استيقظ الآن، بطريقة غير مناسبة، في توقيتٍ غير مناسب، وشخص غير مناسب. وهو حاليا يشعر بالذنب، غريب اليس كذالك؟

لم يرمش عندما حاول قتلها، وهاهو يهتز لمجرد كذبة. نعم اعزائي أنه رومان، حتى هو لا يفهم نفسه، ولطالما كان أفراد الروسو يتذمرون من تعسر فهم شقيقهم العنيد هذا.

إلا أنه يحمد الرب على هذه الشخصية، فقد اعانته بشكل كبير في عمله الذي يقتضي هذا النوع من التعامل، بشفافية وخلو من المشاعر. لايفهم لماذا هو فضولي اتجاه هذه الفتاة ، لاكن ماهو متأكد منه هو أنه يستمتع بتقلباتها هذه.

“حسنًا، هذا مريح! كنت أعلم أنك فقدت الذاكرة، لا شك أنه أمر صعب عليك… على فكرة، أنا إيلارا ليورا، جراحة أعصاب من برلين، لكنني الآن في إجازة كما تعلم مديري في العمل شخص مزدوج الشخصية، يتظاهر باللطف أمامي لكنه يغار مني، وأصلاً لا ألومه، من قد لا يغار من فتاة جميلة وناجحة ومذهلة مثلي، أليس كذلك؟ يمكنك أن تبقى في منزلي، سأساعدك لترتاح حتى تستعيد ذكرياتك، يمكننا أن نصبح شريكين في السكن، تمامًا مثل الأم وولدها..... أوه! وأنت، هل تتذكر شيئًا عن نفسك؟ بما أنك نسيت اسمك، ما رأيك أن أسميك أليكس؟ اسم جميل وأنا أحبه، ها؟ ما بك؟ لماذا أنت صامت؟”

أخدت تلهث بعد كل هذا الكلام الذي قالته دفعة واحدة، دعوني اضيف لكم شيءا عن ايلارا ، اجتماعية بإمتياز، وفاشلة في امساك لسانها . بمجرد أن  تعتاذ على شخص ما ستحدثه عن كل شيء يخصها حتى نوع الملابس الداخلية الذي تفضله ،وعندما أقول هذا اقصده بالحرف الواحد.

اما رومان فتعبير وجهه يعكس كل شيء، النظرة التي تعتليه تجعله يبدو كشخص طبلة اذنه على وشك الانفجار، وهذا بالضبط ما سيحصل.

"ثرثارة.."

لم يتوقع أن لديها هذا الشغف المرعب في الحديث. على هذا المنوال ربما يتراجع عما قاله ويقتلها وحسب ، فالكلام غير الضاروري فقط صداع بالنسبة له. وكما يتجلى امامه أن بقاءه بجانب هذه الفتاة سيسبب له مرضا مزمنا في الاعصاب ،

ربما هذا بسبب طبيعة عملها، هل هي من ذلك النوع من الأطباء الذين يدمرون خلاياك العصبية أولًا، ثم يعالجونك لاحقًا؟ كأولئك المختلين في الأفلام؟ سخيف بحق.

في هذه الثانية بدا عقله العمل وتحليل كلامها ، اتقول أنه لا باس أن يظل معها ، هل هي جادة؟ إلى هذا الحد؟ احقا هي غبية لهذه الدرجة. بدا يشك في أنها طبيبة حقا، بهذا القدر من الذكاء ،وبهذه المهارات الرديءة في التمريض ،لا يعتقد أنها ترتقي لتكون عاملة في قسم الاستقبال حتى.  وما قصة ذالك الاسم لماذا تقترح اسما فجأة،

"لماذا اسم الكس بالذات ؟"

ما إن طرح السؤال الذي كان في باله، حتى ترقرقت عيناها بالدموع ، لمعانٌ مفاجئ غلّف تلك الحدقتين العسليتين، وكأن الحزن كان ينتظر فقط هذا السؤال ليطفو إلى السطح، ارتجفت شفتاها قليلًا ،

اللعنة ربما هو شخص عزيز عليها بحق.شعور حاد، غير مريح، مرّ عبر صدره، وفي هذه اللحظات بدا رومان بشتم ولوم نفسه . ياله من لعين يتسبب في بكاء فتاة تود مساعدته،

لاكنه بعد ثواني، ما ان سمع ماتفوهت به تاليا سحب كلامه واصبح يود فقط قتل نفس تلك الفتاة.

"أنه اسم كلبي الميت."

قالتها بدرامية ، بينما تمسح دموعها بتاثر، أما الآخر فقبظ على فكه بقوة ،عضلاته توترت، أسنانه انطبقت بإحكام، وكأن صبره الذي كان على حافة الانهيار قد تلقى الضربة الأخيرة.سحب كلامه كليًا، بل لو عاد به الزمن لما سأل أصلًا،

"لا داعي أنا أتذكر اسمي هو رومان."

صوته خرج من بين أسنانه، منخفضًا، مشدودًا. بينما هي ما إن سمعت اسمه حتى اشرقت ملامحها، كأن الغيوم التي غطّت وجهها قبل لحظات، قد تلاشت فجأة دون أي أثر.

تحولت ملامحها بالكامل، عيناها انحنتا بخفة، بريق دافئ عاد إليهما، وشفتيها ارتسمت عليهما ابتسامة حقيقية دافئة.

هي تحب الإبتسام اليس كذالك؟ سجل هذا التعبير في اول قائمة تعابيرها ، لا يدري لماذا لاكنها تبدو أفضل على هذا الحال.

"حسنا تشرفنا رومان."

قالتها بحماس خفيف. بينما غطى فمه بكفه بهدوء ،استغربت هي تصرفه ،لاكن مالم تكن تعلمه أن هذا رد فعل يقوم به كلما توتر داخله وابدى مشاعر على وجهه،  وهو حاليا وبشكل غير متوقع يبتسم ،

وقفت بهدوء ،شعرها ما يزال منكوشًا، خصلاته متمردة في كل اتجاه، بعضها واقف ،والبعض يغطي عينيها. ومع ذلك

اقتربت منه بهدوء ،رفعت يديها وأحاطت وجهه بين كفيها الصغيرتين.لم تكن لمستها عنيفة لكنها لم تكن لطيفة تمامًا أيضًا، ضغطت على خديه قليلًا تعصرهما، لتخاطبه بحزم.

“أنت مريض ارتاح في السرير، ولا ترهق نفسك. سأغتسل وأغير ملابسي في غرفتي، ثم سأجهز لك شيئًا للأكل انتظرني.....”

أومأ برأسه بهدوء ، بينما عيناه مثبتة على شعرها الواقف في الهواء . تحاول أن تبدو حازمة لاكنها بحق عكس ذالك ،

يراقبها تصعد الدرج ، ما إن توارت عن ناظريه حتى نهض من مكانه،

يفكر بمحاولة الاتصال بايثان من هاتفهه الخاص ،فليس هناك ما يضمن أن المنظمة التي هاجمته ليس لها قدرة التلصص على المكالمات وتحديد موقعه. لحسن الحظ هاتفه محصن من هذا النوع من الاشياء ،

اتجه إلى زاوية الغرفة، خطواته هادئة كصاحبها . توقف بجانب النافذة، أمال رأسه قليلًا، وأسنده إلى الحائط بجانب النافدة.

أخرج هاتفه وضعه على اذنه يحاول الاتصال، بينما عيناه مثبتتان على المشهد الدافىء خلف النافدة،

رنة..... إثنان....... ثلاثة ،جبينه تجعد بانزعاج.

لا إجابة.

خفض نظره قليلًا، ثم أعاده للنافذة ،أغلق هاتفه و زفر ببطء،

“ذلك اللعين..”

  لاشك أنه سهر في الشرب البارحة والآن لا يستطيع حتى فتح عينيه ،قبض على الهاتف قليلًا بانزعاج.ماذا عليه ان يفعل؟ يجب أن يبلغهم ما حصل،فالموقف لا يحتمل التأخير.

ايتصل بأخيه ايغور وحسب؟

لم يكن الخيار الأفضل ولا الأسوأ، بل هو الوحيد المتاح حاليا، ففي النهاية هو جنرال في البحرية، ويعرف طبيعة عمله، كما يمكن أن يتواصل مع ايثان بسهولة...

لاكنه متردد بسبب نوبات غضب ايغور ، رغم أنه الاكبر بينهم إلا أنه الاسوء في التحكم باعصابه. فإذا اعتبرنا رومان جليد الروسو يمكنني أن اعلمكم  بكل ثقة أن ايغور هو بركان العائلة،

تردد قليلا ثم حسم رايه ، أدخل الأرقام ببطء وهدوء ثم اتصل. بعد رنة واحدة فتح الخط،

كما توقع بركان الروسو لن يخيب ظنه ، سيكون الآن في العمل أو ربما مع زوجته تاليفيا. انكمشت ملامحه باشمأزاز طفيف ، عندما يتذكر كيف يصبح ذالك المتوحش من البحرية قطا وديعا مع زوجته  ،سخيف حقا.

صراصير الحب تثير حنقه ،لايفهم أحيانا مامقدار تأثير هذه العاطفة على الأشخاص، حتى يجعل شخصا مثل ذالك الأخ  اللعين هكدا ،كيف يمكن لشيء غير ملموس أن يضعف رجلًا بهذه القوة؟شيء غير منطقي تماما.

قاطع سلسلة افكاره صراخ الآخر خلف سماعة الهاتف،

"لماذا تتصل واللعنة ؟"

"Почему ты звонишь, чёрт возьми?!"

رومان رمش ببطء، توقيت سيء بكل تأكيد.

يبدو أنه أتصل في الوقت الخطأ، قاطع شيئًا،بل شيئًا مهمًا جدًا.

لقد دخل ذالك الثور الهائج في نوبة غضب، لاشك أنه أتصل على الصراصير في فترة التزواج وقطع لحظات مهمة على اخيه. ففي النهاية هو في شهر العسل ،و رومان مثل المتطفلين في الافلام ،حشر نفسه في الوقت غير المناسب وهو حاليا يحصد ثمرة تطفله.

"اهدأ ايغور. ماذا بك ؟اخوك كاد يموت وأنت تصرخ عليه الآن."

"Успокойся, Игорь. Что с тобой? Твой брат чуть не умер, а ты на него сейчас орёшь."

لكن لم يكن كلامه كافيًا، بل زاد الأمر سوءًا.

“اذهب للجحيم! لماذا ما زلت حيًا لتتصل بي؟! أينقصني صداع الرأس الآن؟!”

"Иди к чёрту! Почему ты всё ещё жив, чтобы мне звонить?! Мне что, мало головной боли сейчас?!"

بزق كلامه المحمل بالشتائم الروسية المتتابعة،تنهد رومان بتعب،هذه ليست حالة يمكن التفاهم فيها. لقد دخل الآن في نوبة عصبية ،ولن يستمع لأي شيء على هذه الحالة ،

ربما فقط صاحبة الصوت الناعم الهادئ الذي تسلل لاذنه عبر السماعة، صوت زوجة اخيه التي يهيم بها ايغور روسو.

"عزيزي لماذا أنت غاضب؟ هل هي مشاكل في العمل؟"

"Дорогой, почему ты злишься? Это проблемы на работе?"

ليرد عليها من كان هائجا قبل لحظات ، بصوت هادىء لطيف، مثير للسخرية حقا.

"لا ياحبيبتي ،فقط رومان كان يناقشني في بعض الأمور."

"Нет, любимая, просто Роман обсуждал со мной некоторые дела."

إبتسم رومان من خلف الهاتف بسخرية، ربما دواء اعصاب ايغور هي رشة من تاليفيا ،سخيف بحق كم يشمئز من شيء يضعف المرء لهذا الحد كالحب.

"أنت اخبرني ماذا تريد بسرعة ،تالي تنتظرني."

"Скажи, что тебе нужно, быстро. Натали ждёт меня."

كان صوت ذالك الهمجي من خلف السماعة ،الا يجيد التحلي ببعض اللباقة.تنهد بهدوء،

“فقط أخبر إيثان أنني تعرضت لكمين أثناء الصفقة. وأنا حاليًا أختبئ لدى شابة ألمانية، أحاول إخفاء وجودي قدر المستطاع. دعه يجدني بسرعة ويرسل الرجال، أريد العودة إلى روسيا في اقرب فرصة.”

"Просто передай Итану, что на меня устроили засаду во время сделки. Сейчас я скрываюсь у одной немецкой девушки, стараюсь максимально скрыть своё присутствие. Пусть найдёт меня как можно быстрее и отправит людей, я хочу вернуться в Россию как можно скорее."

“حسنًا يبدو أن الوضع خطير. انتبه لنفسك ليس لدي الجهد لتجهيز جنازتك.”

"Хорошо, похоже, ситуация серьёзная. Береги себя, у меня нет сил готовить тебе похороны."

ثم أضاف ببرود.

“وسأخبر مساعدك المخنث بالوضع.”

"И передай своему педиковатому помощнику о ситуации."

عيناه ضاقتا قليلًا، هو حقا لن يتغير.

“كم مرة يجب أن أطلب منك التوقف عن مناداته بذلك؟ هل حقًا تناديه هكذا فقط لأنه فاز عليك بجولة قمار؟”

"Сколько раз мне просить тебя перестать так его называть? Ты правда называешь его так только потому, что он выиграл у тебя в азартной игре?"

“سحقًا! كانت مئة ألف دولار أيها اللعين! ليس أمرًا يمكنني نسيانه!”

"Чёрт! Это были сто тысяч долларов, чёрт возьми! Такое не забывается!"

ثم أضاف بحدة.

“ولا يهمني رأيك أساسا!”

"И вообще, мне плевать на твоё мнение!"

بزق كلماته و أغلق في وجهه الخط ،حقا ليس له أي حس باللباقة.

تنهد بهدوء، زفيره خرج بطيئًا، خافتًا، كأنه يحاول تفريغ ما تبقى من ضجيج المكالمة من رأسه، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه بحركة سلسة، معتادة.رفع عينيه وجال بهما في أرجاء الغرفة،بتمهّل و تركيز.

خطا ببطء وبهدوء فوق الأرضية الباردة، حتى توقف أمام مجموعة من التحف الغريبة و جدار حيث تتوزع بعض اللوحات. مدّ يده، أصابعه لامست إحداها برفق، تتبع حوافها، ملمسها، تفاصيلها، ليست اختيارات تقليدية بصراحة.

يبدو أن لديها شغفا بجمع الاشياء الغريبة، ربما لذالك احضرته لمنزلها فكرة غريبةو سخيفة،لكنها منطقية بحق.

بصراحة لم يعد لديه شك، فقد تأكد أنها انسانة غبية، بل في مستوى متقدم تماما.وهذا أراحه لأن ذلك يعني أنها ليست تهديدًا، ويستحيل ان تكون مرسولة من جهة أخرى.

ومن المفترض أنه يجدر به الخروج، وان لا يورط مواطنة بسيطة في أعمال دولية سرية ، لكن أين سيذهب؟ أن يختبئ عند ألماني أفضل من أن يكون مكشوفًا، على الأقل سيصعّب الأمر عليهم ولن يتمكنو من ايجاده بسهولة.

توقف وأغلق عينيه لثانية، ثم بدأ يعيد ترتيب ما حدث ليلة الأمس.اخد يحلل ما جرى بهدوء ،كي ينظم افكاره ويقرر الأسلوب الذي يتصرف به في هذا الوضع.

فلقد أتى لألمانيا البارحة رغبتا في لقاء جهاز الإستخبار الألماني الخاص ، لتبادل معلومات  حول منظمة ارهابية نشطة في ألمانيا،إذ لم تعد مجرد تهديد محلي ،بل امتدت وتوسعت حتى لامست الأراضي الروسية ودخلت عملياتهم  نطاقه،ف أصبحت تشكل خطرا لا يستهان به.

وكما يبدو ، بطريقة غير متوقعة قد اكتشفت الأيادي العليا في تلك المنظمة حضوره . رغم أنه جاء بهوية نظيفة بصفته المليادير رومان روسو، رئيس شركات السيارات الروسية. قناع مثالي تماما ،أو هذا ما بدا له.

تظاهر بسفره لابرام عقد مع شركة المانية نشطة،غطاء متكامل، مدروس و محكم ،أو هكذا ظن.

ولاكن قد احبطو خطته تماما ،فكما تبين له يبدو انهم يعرفون هويته . وهذا ليس بأمر ينذر على خير ،اما أكثر ما يخشاه حاليا هو وجود جاسوس بين القوات، عليه العودة بسرعة لموسكو اقتلاع الخلل من جدوره لتطهير المكان تماما.

هاجمو سيارته وسط طريق الغابة ،الذي كان يود سلوكه لبرلين. وكأنهم كانو يعلمون المكان المتوجه له، والطريق الذي سيسلكه سلفا. بصيغة مباشرة هي عملية شاملة تستهدف حياته.

ولحسن حظه  نجا بأعجوبة ، على الأقل حاليا يملك وقتًا قصيرًا ليتنفس، و يعيد ترتيب أوراقه ريثما يجده إيثان  ثم سيتناقشون عن  الإجرآت سويا.

تنهد هذه المرة بعمق أكبر، الإرهاق بدأ يظهر على وجهه، فهو لم يرتاح لأكثر من شهرين مند زفاف إيغور،كل شيء سقط على عاتقه، اصبحت أعمال الأسرة على كاهله إلى جانب أعماله بالشركة ومشاكله مع الحكومة،ضغط متواصل بلا توقف.

رفع يده، مررها على رقبته ببطء، شد عضلاته كان واضحًا،

“ربما عليّ أن أرتاح.”

على الأقل هذه الأيام في المانيا مؤقتا حتى تحل الأمور ، وفي نفس الوقت هذه فرصة جيدة كي يدرس تلك الفتاة الغريبة، ويقرر كيف يتعامل معها.....

"اوتش، #####كارل ذالك اللعين###"

تسللت التأوهات من بين شفتي ليانا بصوت واهن، مشوب بالألم والغضب معًا. تجلس فوق سريرها المهترئ في علية بالكاد تُسمّى غرفة. كان السرير يئن تحت أقل حركة، خشبه متآكل، وقطعة قماش رقيقة باهتة اللون تغطيه، تفوح منها رائحة رطوبة قديمة.

العلية نفسها كانت ضيقة، بنافذة صغيرة مشقوقة الزجاج تقف في الجدار المقابل، تسمح لخيط شاحب من ضوء النهار بالتسلل، كاشفًا ذرات الغبار العالقة في الهواء.

ليانا تجلس بهدوء ، ساقاها مطويتان إلى جانبها، ظهرها مستقيم رغم الإرهاق، وملامحها مشدودة بقسوة. بين يديها قطعة قماش مبللة بماء عكر، تمررها على جروحها بعناية باردة، وكأنها تعالج جسد شخص آخر، لا جسدها.

جلدها الشاحب كان مليئًا بالكدمات؛ بقع بنفسجية وزرقاء تتفتح كأزهار فاسدة على ذراعيها وعنقها، خدش طويل يمتد من أسفل فكها حتى عظمة الترقوة، وآثار أصابع واضحة حول معصمها، شفتها السفلى متورمة قليلًا، وقد تشققت عند أحد أطرافها، بينما بقعة دم جافة تلطخ زاوية فمها.

انتهت من تنظيف الجروح، وألقت القماش جانبًا بإهمال، قبل أن تمد يدها نحو فستانها. بسيط للغاية، مصنوع من قماش قطني خشن بلون بني باهت، بالكاد يحتفظ بشكله.

ارتدته ببطء، تسحبه فوق جسدها النحيل، فتلتصق الأنسجة الرقيقة ببعض الجروح، مما جعلها تعبس بألم طفيف.

الفستان ضيق عند الخصر، فضفاض قليلًا عند الأسفل، وأكمامه طويلة تخفي معظم الكدمات . عند ياقة العنق، كانت الأزرار غير متناسقة، بعضها مفقود، وبعضها الآخر معلق بخيوط واهية.

وقفت بعدها بهدوء، قدماها الحافيتان تلامسان أرضية خشبية باردة، مليئة بالشقوق والغبار. خطت ببطء نحو المرآة المكسورة في زاوية الغرفة؛ قطعة زجاج مشروخة مثبتة بشكل مائل، تعكس صورتها مشوهة ومجزأة.

توقفت أمامها، وحدقت في انعكاسها.

رفعت أصابعها ببطء، ومررتها على خدها ،كانت عيناها رغم كل شيء حادّتين، يقظتين، لا تحملان ضعفًا .

"تبا لذالك العاهر اللعين ،لو لم أتظاهر بالتلعثم واغطي وجهي اللعين هذا بالنمش لما تردد ببيعي لدار الدعارة .."

تكلمت بسخط تام، انزلقت أصابعها إلى وجنتها، حيث تظهر بقع النمش المزيفة. شدّت على فكها قليلًا، وعيناها تلمعان بشيء أعمق من الألم... شيء يشبه العناد.

ليانا لم تكن ضعيفة.

لقد تعلمت، منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم القذر، أن النجاة لا تأتي بالقوة فقط... بل بالخداع، بالصبر، وبالمعرفة،الحيلة هي سلاحها في هذا المكان.....

تنفست ببطء شهيقٌ عميق يملأ صدرها النحيل، وزفيرٌ طويل يخرج محمّلًا بثقل حياة مؤلمة مشبعة بالتعاسة.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما بثبات، تحدق مرة أخرى في انعكاسها داخل المرآة، حيث تنقسم ملامحها إلى شظايا غير متناسقة…

"تظاهري بالذل، انعدام الشخصية والضعف. دعيهم يتلذذون بوهم النصر في المعركة، كي تذيقيهم جحيم الهلاك في الحرب."

كانت الكلمات تخرج منها ببطء، كأنها طقوس مقدسة، تعيد نحتها داخل روحها كل مرة.

لم تكن مجرد جملة بل مبدأ تعيش عليه، قانونها الوحيد في هذه الحياة.

مالت برأسها قليلًا، تراقب انعكاسها بتمعن. تتحقق من دورها الذي أجادته حدّ الإتقان، ربما قد يبدو الأمر غريبًا للآخرين، لماذا تتظاهر فتاة مثل ليانا بالتلعثم؟لماذا تخفض رأسها وتتظاهر بالذل؟

لكن ليانا لم تكن يومًا غبية، منذ طفولتها أدركت أن هذا العالم لا يرحم ولا يشفق على امثالها.

عرفت أن الجشع الذي يسكن زوجة أبيها، وأن القذارة التي تجري في عروق أخيها ،لا يمكن مواجهتها بالقوة فقط

بل بالحيلة.

المرأة المعطوبة، المكسورة، التي تحمل عيبًا ظاهرًا…تقلّ قيمتها في أعينهم ،تنخفض في سوقهم القذر، تصبح أقل إغراءً، أقل طلبًا ، وربما أقل خطرًا في نظرهم.وهذا بالضبط ما أرادته.

زفرت ببطء، وعيناها تلمعان ببرود، صحيح انه كان بإمكانها أمس أن تنهي الأمر.أن تردّ الضربة بل وتكسر ذلك الوغد بسهولة.

ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها المتشققتين، ساخرة وقاسية.أمثاله من الرجال؟كل ما يحتاجونه هو ركلة دقيقة بين الفخذين، كفيلة بإسكاتهم إلى الأبد.

لكن.....اختفت الابتسامة، وحلّ مكانها هدوء مظلم.هي لا تريد معركة، على الأقل ليس الآن.

"لن ألوث يدي بهم ليس بعد."

همست لنفسها، بنبرة واثقة، خالية من التردد.هي تسعى للخروج من هذا الجحيم دون أن تترك خلفها أي أثر، بعد أن تمنحهم الانتقام الذي يستحقونه..

فجأة مزّق سكون العلية صوتٌ خشن،

"ليانااا! أين أنتِ؟ انزلي حالًا أيتها العاهرة! الزبائن ينتظرون!"

توقفت أنفاسها لوهلة، ثم زفرت ببطء، وعيناها تنطفئان لتعودا إلى ذلك البرود المعتاد.

مارثا، أو كما تُفضّل أن تسميها العجوز الشمطاء.

"####"

تمتمت بشتيمة ألمانية قذرة، خرجت من بين أسنانها بمرارة، هي بصراحة عادة يومية بالنسبة لها فلا تستغربو...

ماذا تتوقعون من فتاةٍ نشأت بين جدران حانة للسكارى؟

حيث كانت الكلمات الأولى التي حفظتها ليست "أمي" و"أبي" بل أقذر الالفاظ الالمانية، وأكثرها انحطاطًا.

أخذت نفسًا عميقًا، طويلًا، كأنها تُعيد ضبط ذاتها ثم تقدمت نحو الباب، فتحتَه بهدوء وخرجت.

الدرج الخشبي تحت قدميها كان يصدر صوتا مع كل خطوة، صريره حاد ومزعج كالعادة. نزلت ببطء، يدها تنزلق على الحافة الخشنة للحاجز، وعيناها تتحركان في المكان بلا اهتمام حقيقي.

كالعادة كل شيء كما هو.

الطاولات الخشبية المتسخة في أماكنها المعتادة، بقايا كؤوس، بقع خمر داكنة تلطخ السطح، أرضية لزجة من كثرة ما سُكب عليها من كحول وقيء وأوساخ.رائحة المكان ثقيلة، خليط من عرق، دخان، والكحول رخيص.

مكانٌ حفظته عن ظهر قلب…

مكان تكرهه حدّ الاختناق.

ثم توقفت عيناها عند البار، هناك تقف مارثا. امرأة ضخمة البنية، جسدها ممتلئ بشكل فظ، كأنها كتلة من اللحم المتراكم.

شعرها الأسود المموج مبعثر بإهمال، ووجهها… وجه يحمل قبحًا لا يتعلق بالشكل فقط، بل بما يعكسه، روحٌ متعفنة بإمتياز، شفتاها ملتويتان دائمًا باحتقار، وعيناها ضيقتان، مليئتان بالقسوة والجشع.

البرميل القذر....

رفعت ليانا زاوية شفتيها ورسمت تلك الابتسامة، ابتسامة مصطنعة، باهتة، خاضعة مثالية لدورها.اقتربت ببطء، ثم انحنت قليلًا، وعيناها تهربان عمدًا، وصوتها يتكسر كما اعتادت.

"أ..مـ..ي... آ..آسـ...فـة... تأخـ..رت..."

لم تُكمل كلامها ،دوّى صوت صفعة قوية في المكان ،انحرف وجهها بقوة، جسدها اختلّ توازنه وسقطت أرضًا، ركبتاها تضربان الأرضية القاسية، وراحة يدها تحتك بخشونتها.

الألم؟ كان حادًا.

يد مارثا لم تكن يد امرأة عادية. كانت ثقيلة، تضاهي ضعف وجه ليانا النحيل.

"أغلقي فمكِ اللعين!"

صرخت مارثا بصوت مقرف، وهي تنظر إليها باحتقار.

"وابدئي بتنظيف المكان، الزبائن سيأتون بعد قليل!"

سكون ،لثانية واحدة فقط. ثم تحركت ليانا ببطء، رفعت رأسها، وشفتاها ما تزالان منحنيتين بتلك الابتسامة نفسها.

أومأت برأسها بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.

"...نـ..نعم..."

همست بتلعثم متقن، وقفت بهدوء وبدأت التنظيف.

ربما تظنون أنها ستبكي، أن دموعها ستخونها، أو أن الألم سيظهر على ملامحها. لكن لا شيء، لا دموع، لا انكسار، فقط فراغ.

ليانا لم تعد تشعر كما يفعل الآخرون، لقد تألمت كثيرًا، إلى درجة أن الألم نفسه فقد معناه. اما المشاعر؟ فقد تجردت منها منذ زمن، أو هكذا يبدو.

كل ما تفكر فيه الآن في اعماقها ،هي كيف تريد قتل زوجة والدها بابشع الطرق . تود اقتلاع عينيها ،وبتر عنقها ،كم تشتهي سلخ جلدها حية كي تجعلها تتذوق جزءا ضئيلا مما عانته. أفكار باردة، ومخيفة ،فلا تستغربوا هذه ليست فتاة ضعيفة بسيطة، هي فقط تنتظر اللحظة المناسبة كي تنتقم من كل شخص تسبب في معاناتها ...

      || وُقّعت هذه اللعنة باسم: [ كلير | KLIR ] ||

        ||التي تكتب بعينٍ مفتوحة على الجحيم....||

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

A Demon IN AN ANGEL'S MASK

المؤلف Klir
2026/04/15 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة