||A Demon IN AN ANGEL'S MASK||
"شيطان بقناع ملاك"
•
•
•
الفصل الأول:
"شباك شيطان"
•
•
•
•
"حين تتلاقى الأرواح المتشابهة، يصبح العالم أضيق وكأن القدر جمع طريقين كانا يسيران نحو بعضهما منذ الأزل."
||كلير||
•
•
•
•
•
•
كان يومًا صيفيًا بامتياز.
القرص الأصفر للشمس يتوسط السماء بلا رحمة، يسكب ضوءه الحاد فوق القرية الصغيرة حتى بدا الهواء دافئًا وخانقًا.....
شهد طقس قرية روث في الأيام الماضية تقلبات عديدة، لكن اليوم تحديدًا يمكنني أن أقر لكم أنه أحد أشد الأيام حرارة في تاريخ هذه المنطقة.
من ينظر إلى الشمس اللاذعة الآن لن يصدق أننا لم نبلغ حتى منتصف شهر آذار بعد.
عادةً ما يتميز المناخ في هذا الإقليم بالاعتدال ،ربيع لطيف، نسمات خفيفة، وسماء صافية. لكن ما تشهده القرية اليوم كان أقرب إلى تصحر باتم معنى الكلمة.
حرارة جافة، وغبار يتراقص فوق الطرقات الترابية غير المعبدة.
كانت الشوارع شبه خالية، باستثناء مجموعة من الأطفال المشاغبين الذين يركضون ويضحكون بصوت عالٍ، غير مبالين بحرارة الجو.......
ركض الأطفال بسرعة وهم يلوحون بقبعة شمسية بلون بيج مشرق، مزينة بعدة زهور صغيرة من الكاميليا البيضاء. كانت القبعة تتأرجح في الهواء بين أيديهم بينما تعالت ضحكاتهم.
وخلفهم مباشرة كانت هناك شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، تركض خلفهم بإرهاق واضح.
خصل شعرها الأسود الطويل كانت تتطاير خلفها مع كل خطوة، تنعكس عليها أشعة الشمس فتمنحها لمعانًا ناعمًا. أما فستانها فكان قطنياً خفيفاً بلون بيج دافئ يميل قليلاً إلى لون الرمال، يصل إلى ركبتيها ويتحرك مع الريح بخفة.
كان الفستان بسيط التصميم، ضيق قليلاً عند الخصر ثم يتسع برقة نحو الأسفل، وأكمامه القصيرة تلتف حول ذراعيها النحيلتين و كانت تمسك أطرافه بيدها أحيانًا حتى لا يعيقها عند الركض.....
قدماها انتعلتا حذاءً صيفيًا بنياً بسيطًا، مخصصًا للمشي الطويل. لكنه لم يكن مصممًا بالتأكيد لمطاردة عصابة من الأطفال .
"أمسكتك!"
خرجت الكلمات من بين أنفاسها المتقطعة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة بعد الجهد الذي بدلته.
ماذا تتوقعون من فتاة ركضت ساعة كاملة خلف مجموعة من الأطفال؟
الغريب في الأمر أنها كانت الوحيدة التي تبدو مرهقة، رغم أنها ليست عجوزًا حتى.
مدت يدها بسرعة وأمسكت أحد الأولاد من طرف أذنه، ثم عقدت حاجبيها برفق وهي تنظر إليه بنظرة توبيخ خفيفة.
"إذن أيها الولد المشاغب هل ستزعج الأكبر منك مجددًا؟"
بدأ الولد يرتجف فورًا.
من كان يظن أن نفس الطفل الذي كان قبل دقائق يركض وهو يخرج لسانه لإغاظتها سيقف الآن خائفًا بهذا الشكل؟
"لن أعيدها..... أعدك.....دعيني لو سمحتِ…"
قالها بتلعثم وهو يهز رأسه بسرعة.
حاولت إيلارا كتم ضحكتها كي تبدو صارمة قدر الإمكان،
لطالما كان الأطفال المشاغبون اختصاصها.
"جيد"
أفلتت أذنه وأخذت القبعة منهم أخيرًا، ثم وضعتها فوق رأسها بلطف. كانت القبعة الواسعة تحمي وجهها قليلاً من الشمس، بينما انسدل بعض خصل شعرها الأسود على جانبي وجهها.
لكن فستانها أصبح الآن في حالة فوضى تامة،بقع من الغبار التصقت به، وخصلات شعرها خرجت من ترتيبها الأنيق.
تنهدت بتعب وهي تفكر، يا له من حظ تعيس. كانت تأمل أن تبدو جميلة في يومها الأول هنا، حتى تترك انطباعًا لطيفًا لدى سكان القرية. لكنها الآن تبدو أقرب إلى فلاحة أكثر من كونها شابة قادمة من العاصمة.
تنهدت مرة أخرى وهي تشعر بألم خفيف في عضلات ساقيها.فوق ذلك لم تكن تعرف الطريق إلى منزل جدها حتى.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، استغل الولد الصغير الفرصة وهرب.
"مهلاً...!"
لكن الأوان كان قد فات.
تنهدت باستسلام، ثم التقطت حقيبة سفرها الكبيرة.
كانت حقيبة جلدية بنية داكنة، ثقيلة قليلاً، جرّتها خلفها فوق الطريق الترابي وهي تمشي ببطء هذه المرة....
سارت في الطريق المستقيم حتى وصلت إلى مكان صغير تصطف فيه عدة دكاكين خشبية متواضعة. بدا المكان كسوق ريفي بسيط
أكشاك صغيرة لبيع الخبز، الفاكهة، وبعض المأكولات المحلية، بينما يتصاعد دخان خفيف من مواقد الفحم. تجولت عيناها العسليتان في المكان بفضول.
فجأة قرقرت معدتها بصوت واضح كفاية ليصل إلى أذنيها،كانت تتضور جوعًا حرفيًا.
اقتربت من كشك صغير تقف خلفه امرأة مسنة.
كانت في منتصف الخمسينيات تقريبًا، ذات وجه مستدير مليء بالتجاعيد الهادئة التي تشي بحياة طويلة من العمل.
شعرها الرمادي كان مربوطًا في كعكة منخفضة خلف رأسها، بينما ترتدي فستانًا ريفيًا بسيطًا بلون أزرق داكن تعلوه مريلة قطنية بيضاء متسخة قليلًا بدخان الفحم.
أمامها كان هناك موقد صغير فوقه عدة أسياخ لحم مشوي، تتصاعد منها رائحة شهية في الهواء.ابتسمت بلطف
"أريد اثنين منهم، من فضلك."
نظرت المرأة إليها بفضول واضح، عيناها تتفحصانها من رأسها حتى قدميها ثم قالت بهدوء.
"هل أنت حفيدة مالك أرض موريتس ؟"
اتسعت عينا إيلارا قليلاً بدهشة.
"أوه نعم. كيف علمتِ ذلك؟"
ابتسمت المرأة ابتسامة دافئة وتابعت كلامها.
"مظهرك واضح أنك لست من هنا… كما أن أهل القرية أخبرونا أنك ستصلين اليوم."
ثم رفعت يدها وأشارت إلى طريق ضيق يمتد خلف السوق.
"منزل عائلتك هناك خلف تلك الغابة."
نظرت إلى الطريق الذي يخترق غابة كثيفة من الأشجار الطويلة.
"أوه شكرًا لكِ سيدتي."
وضعت المرأة ثلاث أسياخ لحم في يدها بدل اثنين وابتسمت الاخرى بدهشة.
"لا داعي للشكر اعتبريها هدية ترحيب."
ثم أضافت وهي تعود لقلب اللحم فوق الفحم.
"وإذا احتجتِ أي شيء ستجدينني هنا."
أعطتها المرأة ابتسامة دافئة قبل أن تعود إلى عملها، فبادلتها إيلارا ابتسامة مماثلة. بدا أن سكان هذه القرية ألطف بكثير مما كانت تتوقع أمسكت بسيخ اللحم الدافئ بيدها وبدأت تمشي ببطء، تتناوله بنهمٍ صادق.
حقًا لو كان تركيزها في العمل يساوي تركيزها في الأكل، لربما أصبحت أشهر جرّاحة أعصاب في البلاد.
تقدمت بخطوات هادئة نحو الطريق الذي يشق الغابة. كان المكان مريحًا للنفس بشكل غريب؛ أشعة الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار العالية، ترسم بقعًا ذهبية على الأرض المغطاة بالعشب اليافع.
الأعشاب البرية ونباتات الظل تنمو بحرية على جانبي الممر، وبعض الزهور الصغيرة تتفتح بلون أرجواني وأصفر كأنها زينة طبيعية لجسر يقود إلى الجنة.
تمشي ببطء، تمضغ قطعة اللحم، وعيناها العسليتان تتجولان بإعجاب.هل سأمر من هذا الطريق كل يوم؟
فكرة السير هنا كل صباح بدت لها مغرية بشكل غير متوقع ربما كان عليها القدوم إلى هنا منذ زمن.
قطع الصمت صوتٌ خشن أجش.
"مم يبدو أنني التقيتُ بجنية الغابة للتو…"
تنهدت إيلارا بتعب واضح ،كم تمقت هذا النوع من الرجال.أصحاب الأصوات المتعالية والنظرات الوقحة.الحقيقة أنها لا تكره هذا النوع فقط بل تكرههم كلهم.
حسنًا، لنكن صادقين هي تمقت جنس الذكور بالكامل… مع بعض الاستثناءات الصغيرة جدًا.
واستثناءاتها تحديدًا هم الرجال الوسيمون ذوو العضلات، وأبطال رواياتها.
أما النوع الذي يقف أمامها الآن فبعيد تمامًا عن ذوقها.كان رجلاً في أواخر العشرينيات، طويلًا لكن بطريقة غير متناسقة؛ جسده نحيل لدرجة أن كتفيه البارزين أعطياه مظهر هيكل عظمي مكسو بالجلد. بشرته سمراء داكنة من أثر الشمس والعمل في الحقول، وذراعاه العاريتان مغطاتان بخدوش خفيفة.
كان يرتدي قميصًا رماديًا رخيص القماش، أزراره العلوية مفتوحة، وبنطالًا بنيًا متسخًا عند الركبتين، بينما حذاؤه الجلدي القديم مغطى بطبقة من الطين الجاف.
لكن أكثر ما أزعجها تلك الابتسامة البلهاء التي كشف بها عن أسنان صفراء قليلًا، ونظرة الغزل السخيفة في عينيه.
ألم ينقرض هذا النوع من البشر بعد؟
قررت ببساطة تجاهله واصلت السير وكأنها لم تسمع شيئًا.
"هاي! أنتِ ألا تسمعين؟!"
ضاقت ذرعًا فعلًا هذه المرة. توقفت لحظة وأجابته ببرود دون أن تنظر إليه.
"ببساطة لا أهتم. ما هو غير المفهوم في ذلك؟"
احمر وجهه فورًا من الغضب.هل....هل ردت عليه امرأة هكذا للتو؟
اللعنة....
هو من تكرم وتحدث معها، وهي الآن ترفع أنفها عليه؟
نظر إليها مجددًا، عيناه تتفحصان ملامحها الناعمة، بشرتها الصافية، خصلات شعرها السوداء ،لكنها فاتنة.
ربما لا بأس يمكنه جعلها عشيقته فقط.وقبل أن يفتح فمه مجددًا....
انفجر صوت امرأة مسنة من بعيد.
"كارل! أيها العاق! تعال فورًا ونظف الحظيرة، وإلا فلن تحصل على وجبتك اليوم!"
"اللعنة…"
تمتم الرجل بضيق وهو يستدير عائدًا نحو مصدر الصوت، يجر قدميه بتذمر.
تنفست بارتياح أخيرًا. وضعت يدها على خدها بحسرة درامية وهمست لنفسها.
"التنفس بجانب أشياء ملوثة يضر بالبشرة… كان جمالي المثالي في خطر حقيقي."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها. لحسن الحظ، ذلك الضفدع لم يفسد مزاجها.
بدأ طريق الغابة ينتهي تدريجيًا، وظهرت مساحة من الضوء في نهايته. ما إن خرجت من بين الأشجار حتى ضربت أشعة الشمس عينيها مباشرة أغلقت جفنيها سريعًا، ثم فتحتهما ببطء.
وما ظهر أمامها جعل أنفاسها تتوقف لحظة.
امتد أمامها سهل واسع من العشب الأخضر، تتراقص فيه زهور الخزامى البنفسجية مع النسيم الخفيف. في وسطه تمامًا، استقرت بحيرة واسعة تشبه مرآة زرقاء تعكس أشعة الشمس الذهبية.
على ضفاف البحيرة كان هناك زورق أبيض صغير مربوط إلى وتد خشبي، يتمايل برفق مع حركة الماء. وفي الطرف الآخر من السهل ،وقف منزل كبير من طابقين بلون كريمي دافئ، نوافذه الواسعة تعكس ضوء الغروب.كان المشهد كله يغرق في لون الغروب البرتقالي الذهبي.
"ما زال كما هو…"
شعرت بدموع خفيفة تلمع في عينيها ،الحنين اجتاح قلبها دفعة واحدة.كم من الأيام قضتها هنا وهي صغيرة بين أحضان هذا الدفء؟
هذا المكان لم يكن مجرد منزل.كان المكان الذي قدّسه أكثر شخص أحبته في حياتها.ولهذا، دون أن تدرك، أصبحت هي الأخرى ترى هذه البقعة موطنها وملجأها الوحيد....
و المغترب مهما جال في بقاع الأرض، ستعيده قدماه في النهاية إلى الأرض التي تتصل بها روحه.
تقدمت ببطء نحو المنزل، تستنشق الهواء المعطر برائحة الخزامى. وصلت إلى الممر الحجري المؤدي إلى الباب، ثم صعدت الدرجات الخشبية بهدوء،وقفت أمام الباب الخشبي الكبير.
تنفست ببطء.
حتى في أول عملية جراحية أجرتها لم تتوتر بهذا الشكل،
أخرجت المفتاح القديم، أدخلته في القفل وأدارته.
صدر صوت طَق خافت.
دفعَت الباب ببطءو دخلت،عندما خطت إيلارا إلى الداخل، أخذت عيناها تتجولان ببطء في المكان.لم يتغير شيء تقريبًا.
الأثاث الخشبي القديم ما زال يقف في أماكنه كما تتذكره تمامًا، وكأن الزمن توقف هنا منذ سنوات. الطاولة المستديرة في منتصف الصالة ما زالت تحمل نفس الخدوش الصغيرة التي صنعتها أيام طفولتها حين كانت تعبث بالأقلام فوقها. الأريكة الطويلة ذات القماش البني الفاتح بقيت في مكانها قرب النافذة، وظهرها الخشبي المنحوت بزخارف نباتية دقيقة ما زال يلمع رغم طبقة الغبار الخفيفة.
حتى الديكور لم يختلف. اللوحات القديمة المعلقة على الجدران الخشبية الداكنة ما زالت هناك؛ لوحة لبحيرة في صباح ضبابي، وأخرى لحقول قمح ذهبية. وعلى الرف الحجري قرب المدفأة استقرت بعض القطع الخزفية الصغيرة التي كان جدها يجمعها من أسفاره.
لاكن الشيء الوحيد الذي لفت انتباهها حقًا كان رائحة الغبار والهواء الثقيل.تنهدت بهدوء وهي تضع يدها على خصرها.
"يبدو أنني سأقضي يومي كله في التنظيف."
لقد كان المنزل مغلقًا أربع سنوات كاملة منذ وفاة جدها.
وضعت حقيبتها الجلدية الداكنة برفق قرب الأريكة، حقيبة أنيقة من الجلد الطبيعي ذات إبزيم نحاسي قديم .
رفعت رأسها نحو الدرج الخشبي المؤدي للطابق الثاني ثم بدأت تصعد.كان يصدر صريرًا خفيفًا تحت خطواتها، ذلك الصوت القديم المألوف الذي أعاد إليها ذكريات طفولتها.
في الطابق الثاني امتد ممر طويل تصطف على جانبيه عدة أبواب خشبية متقاربة، لكن ما جذب انتباهها فورًا الغرفة في الطرف ذات الباب الأبيض.
كان خيط رفيع من ضوء الشمس يتسلل من أسفل الباب، كأنه يدعوها للدخول، ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها.
خطت بسرعة أكبر هذه المرة، والحماس باد عليها.مدت يدها وأمسكت بالمقبض النحاسي، ثم أدارته ببطء انفتح الباب وتوقفت للحظة.
الغرفة كانت مكتبة،مكتبة كبيرة بحق.امتدت رفوف الكتب الخشبية على طول الجدران، مكدسة بعشرات وربما مئات الكتب ذات الأغلفة الجلدية القديمة. ألوانها تتراوح بين البني الداكن، والأخضر الزيتوني، والأحمر القرمزي الذي بهت مع الزمن.
في الجهة المقابلة تمامًا كان هناك نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف، وقربها وُضع مقعد قراءة صغير.
كرسي مريح مبطن بقماش مخملي بلون أخضر داكن، بجانبه طاولة خشبية صغيرة عليها مصباح قديم بغطاء زجاجي أصفر.
مقابل النافذة وقف مكتب بسيط من خشب الجوز الداكن، فوقه تناثرت أدوات كتابة قديمة محبرة زجاجية سوداء، ريشة كتابة طويلة، وبجانبها آلة كتابة قديمة معدنية ،اقتربت ببطء.
مدت أصابعها ولمست تلك الأدوات برفق، كأنها تخشى أن تكسر الذكريات العالقة عليها.حاولت أن تقاوم تلك الرغبة الغريبة بالبكاء لقد وعدته دائمًا،أن تكون فتاة مشرقة.
ابتعدت قليلًا واتجهت نحو رفوف الكتب، راحت تمرر أصابعها فوق العناوين. فلسفة،طب،روايات تحقيق غموض وفانتازيا.....
ابتسمت بخفة.
"أذواقنا متشابهة فعلًا…"
رفعت رأسها تنظر إلى الرفوف الممتدة، كان لديها الآن عالم كامل من الكتب لتقرأه.جنة بكل بساطة.
أطلقت زفيرًا هادئًا.
ثم خلعت قبعتها بلطف. وضعتها على الطاولة، بينما انسدل شعرها الأسود الطويل على كتفيها في خصلات ناعمة.
رفعت شعرها بيدين ماهرتين وجمعته في كعكة مبعثرة أعلى رأسها.
ثم فتحت النوافذ واحدة تلو الأخرى ،اندفع هواء المساء البارد إلى الداخل، محركًا الستائر البيضاء الخفيفة .
وبدأت المعركة مع الغبار. أربع ساعات كاملة مرت وهي تنظف.
كانت تتحرك بين الغرف بحيوية مفاجئة، ترتب الأثاث، تفتح النوافذ، تمسح الطاولات، حتى عندما بدأت خصلات شعرها تفلت من كعكتها وتسقط حول وجهها، لم تتوقف.
وأخيرًا انتهت.
ارتمت على الأريكة في الصالة بتعب واضح.كانت ترتدي فستانها الصيفي الذي أصبحت أطرافه مغطاة ببقع الغبار.
تنهدت بإنهاك.
"ربما عليّ إحضار امرأة تساعدني لم أنظفه جيدًا حتى."
رفعت كوب القهوة الدافئة وارتشفت منه ببطء،كان الليل قد حل بسرعة.
ما إن أنهت قهوتها، حتى وضعت الكوب على الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة.
وقفت ببطء وصعدت إلى غرفتها، الغرفة أصبحت أكثر دفئًا بعد أن رتبتها قليلًا.
تقدمت نحو السرير وحملت بين ذراعيها دمية دب كبيرة.
كانت دمية ضخمة بلون بني عسلي، فروها ناعم وكثيف، وعيناها زجاجيتان لامعتان بلون كهرماني. حول عنقها ربطة قماشية سوداء صغيرة، كأنها ربطة عنق.
ابتسمت له ابتسامة خبيثة.
"ألكسندر ميخائيل جنرال مملكتي المخلص."
رفعت الدمية أمام وجهها وكأنها تخاطب شخصيا حقيقيا.
"هل أنهيت تمارينك اليوم؟ عليك أن تحافظ على وسامتك."
ضيقت عينيها بصرامة درامية.
"لا أقبل دمى محشوة ذات بطن منتفخ. خصوصًا إذا كنت تنوي الزواج من الأرنبة ليندا فكما تعلم، معاييرها في الرجال مرتفعة."
نعم كانت تتحدث مع دمية دب بكل جدية.
بل ومنحته اسمًا فخمًا أيضًا.
هوسها بالعضلات وصل إلى مرحلة مثيرة للقلق قليلًا.
لكن بصراحة من يلومها؟
ألكسندر كان بلا شك أوسم دمية دب في العالم.على الأقل في نظر إيلارا.
ارتمت على السرير بتعب لكنها سرعان ما جلست.
" يجب أن أستحم أولًا."
..........
بعد دقائق خرجت من الحمام.
كانت ترتدي بيجامة نوم حريرية بلون وردي فاتح.
القميص واسع قليلًا بأكمام قصيرة، وحافته مزينة بدانتيل أبيض رقيق، بينما كان السروال قصيرًا يصل إلى منتصف الفخذين.
جلست أمام مرآة التسريحة بدأت روتينها الليلي بدقة.
ففي النهاية إيلارا تقدس جمالها، واذا كنتم ترونها نرجسية فهي تراها ثقة بالنفس في محلها ، غسلت وجهها، ثم وضعت قناع الخيار الأخضر فوق بشرتها.
عندما نظرت إلى المرآة بدت كحبة أفوكادو خضراء.حدقت في انعكاسها قليلًا قبل أن تتمتم:
"لو كان ألريك وألارد هنا لما سلمت من تنمرهما خصوصًا ألريك ذلك المزعج."
زفرت بضيق.
"حتى أنه لم يدفع لي ثمن الحاسوب الذي كسره حتى الآن…"
هزت رأسها بتعب و قلة امل منهما.
•
•
•
•
•
في الطرف البعيد من القرية ، وقفت حانة قديمة ،حيث كانت اللافتة الخشبية المعلقة فوق الباب تتمايل ببطء مع الريح، تصدر صريرًا خافتًا كلما تحركت. الطلاء الأحمر الباهت الذي كُتب به اسم الحانة تقشر في عدة أماكن، بينما تسرب ضوء أصفر دافئ من النوافذ الصغيرة المكسوة ببخار الكحول والدخان.
هذه الحانة كانت أشهر مكان للشرب في المنطقة.
والمكان الذي يتم فيه تناقل الأخبار والشائعات، امتزجت رائحة البيرة الرخيصة بدخان السجائر الكثيف، حتى بدا الهواء ثقيلاً خانقًا.
الأرضية الخشبية القديمة كانت ملطخة ببقع داكنة من الشراب المسكوب ، ضحكات مرتفعة، كؤوس تصطدم ببعضها، وصوت موسيقى رديئة ينبعث من جهاز قديم في الزاوية.
وفي إحدى الطاولات القريبة من المنضدة كان ثلاثة رجال يجلسون.يتبادلون حديثًا بدا أنه جذب انتباه معظم الحاضرين.
بصق أحدهم الكلمات وهو يرتشف جرعة طويلة من كأس البيرة.كان رجلًا في الثلاثين من عمره تقريبًا، عريض الكتفين، شعره البني القصير بدا دهنيًا قليلًا وكأنه لم يُغسل منذ أيام. كان يرتدي قميصًا اسودا مجعدًا نصف أزراره مفتوحة، بينما كان ذقنه غير الحليق يمنحه مظهرًا فظًا.
"هل سمعتم؟ يقال إنها فاتنة الجمال هذا متوقع من نساء العاصمة."
على الطاولة نفسها كان شاب عشريني مستندًا برأسه فوق الخشب، يبدو نصف فاقد للوعي من أثر الشراب. شعره الأسود الفوضوي يغطي نصف عينيه، بينما كان معطفه الجلدي الأسود ملقى فوق كتفيه بإهمال.
رفع رأسه قليلًا وتمتم بصوت مبحوح.
"هل تقصد المالكة الجديدة لأرض موريتس؟"
قبل أن يجيبه انطلق صوت ساخر من الرجل الثالث الجالس معهم.
"تشه مثيرون للشفقة."
ابتسم ابتسامة متعجرفة وهو يرفع كأسه.
"وكأنها ستنظر إليكما أصلًا لقد التقيتها هذا الصباح ويبدو أنني أسرت قلبها بالفعل."
نعم أعزائي هذا هو كارل، ابن صاحب الحانة… بشحمه ولحمه.بدت كلمة نرجسية التي كنا نصف بها إيلارا سابقًا غير عادلة قليلًا. فثقتها كانت على الأقل في محلها.
على عكس هذا المسكين.
تبادل الرجلان الآخران نظرات سريعة قبل أن يقتربا منه بحماس.قال الثلاثيني وهو يبلع ريقه.
"أحقًا ما تقوله؟ عرفنا عليها…"
بدا واضحًا من لمعان عينيه أنه يتخيل بالفعل ما سيحدث في الأيام القادمة.
لكن قبل أن يرد كارل، انحنى الشاب الآخر قليلاً وهمس لصديقه.
"جيمس أيها الغبي."
ثم ضحك بخبث.
"دع كارل يجعلها عشيقته أولًا وعندما يمل منها نتناوب عليها أنا وأنت."
ضحكا معًا ضحكة قصيرة قذرة.
فجأة ضرب كارل الطاولة بقبضته بقوة.ثم صرخ نحو المنضدة.
"ليانا! أيتها اللعينة!"
التفتت عدة رؤوس نحوهم.
"لماذا كل هذا الوقت لتحضري بضعة فناجين من الشراب؟!"
بعد لحظات ظهرت فتاة من خلف المنضدة، بدت في العشرين من عمرها تقريبًا. كانت ترتدي فستانًا بنيًا باهتًا قديماً، قماشه خشن ومتآكل عند الأطراف، وكأنه استُخدم لسنوات طويلة دون أن يُستبدل. الأكمام قصيرة ومهترئة قليلاً عند الحواف. فوقه ارتدت مريلة قماشية رمادية مليئة ببقع الشراب الداكنة.
شعرها البني الفاتح كان مرفوعًا في كعكة فوضوية عند مؤخرة رأسها، تنفلت منها خصلات كثيرة حول وجهها. ملامحها كانت هادئة لكنها شاحبة.
بشرتها البيضاء مغطاة بنمش خفيف ينتشر فوق أنفها وخديها، كانت تحمل صينية معدنية عليها ثلاثة كؤوس كبيرة من البيرة.لكن يديها كانتا ترتجفان.
تقدمت ببطء نحو الطاولة. دوى صوت كارل مرة أخرى.
"بسرعة واللعنة!"
ارتعشت أصابعها أكثر وما إن وصلت إلى الطاولة حتى انزلقت الصينية من يدها.سقطت الكؤوس الثلاثة دفعة واحدة فوق كارل.
تناثر الشراب على قميصه وسرواله.
شحب وجه الفتاة فورًا.
"أ أ آسفة....أ...أ...أقسم.....أخ....أخي...آسفة..."
بدأت تمسح الشراب بكم فستانها المهترئ بسرعة يائسة لكن كارل دفعها فجأة بعنف.
"لعينة لا تجيد أي شيء!"
سقطت أرضًا بقوة ثم بدأ يركلها.مرة، وأخرى، ركلات قاسية بلا رحمة.
"أرجوك....أخي.....أقسم لن أعيدها."
خرج صوتها متقطعًا وسط شهقاتها لكن الرجلين الجالسين بجانب كارل.
جيمس وإيفان…
لم يتحركا جلسا بهدوء يراقبان المشهد.كما لو كان عرضًا ترفيهيًا معتادًا، انحنى كارل فجأة وأمسك شعرها بقوة.
"عاهرة لعينة!"
شد رأسها للخلف.
"لا تجيدين شيئًا! نمش قبيح مقرف ،حتى الكلام لا تستطيعين قوله دون تلعثم!"
كانت تتخبط بين يديه محاولة الإفلات.
— "دع......دعني....أ........أخي…"
لكن كارل جرها من شعرها نحو الباب الخلفي ،فتح الباب بقوة ودفعها خارجه بعنف. ارتطم جسدها بالأرض الحجرية للزقاق.
قال ببرود وهو يقف عند الباب.
"ابنة عاهرة مثلك كيف تجرؤين على مناداتي بأخي؟"
كانت تتنفس بصعوبة، أضاف وهو يبتسم بسخرية.
"أمك كانت عاهرة وأنت لستِ أختي ولن تكوني ابدا."
ثم بصق على الأرض قربها.
"كان من الأفضل لو أصبحت مثلها على الأقل كنتِ ستكسبين المال.لكن نمشك القبيح هذا حتى لو حاولت بيعك كعبدة لما اشتراك أحد.موتي وحسب بعيدًا عني."
أغلق الباب خلفه بقوة وعادت أصوات الضحك والشراب إلى الداخل، كما لو أن شيئًا لم يحدث.
اما في الخارج كان الزقاق مظلمًا.
مصباح واحد ضعيف معلق فوق الباب يلقي ضوءًا أصفر باهتًا على الأرض المبتلة. ليانا ملقاة على الأرض الباردة.
جسدها الصغير متكور على نفسه، ذراعاها تحيطان ببطنها المرتجف.
لم تستطع حتى أن تتحرك من شدة الألم، بينما ظلت تحاول كتم شهقاتها الضعيفة.
•
•
•
•
•
جلست إيلارا بهدوء أمام مرآة التسريحة الخشبية في غرفتها، ظهرها مستقيم قليلًا بينما كانت تراقب انعكاسها بعينين نصف مغمضتين. كان ضوء المصباح الصغير على الطاولة ينساب بلطف فوق وجهها، فيجعل بشرتها البيضاء تبدو ناعمة كقطعة خزف.
رفعت يدها ببطء ولمست خدها بطرف إصبعها، تتحسس القناع الأخضر الذي بدأ يجف فوق بشرتها.
"القناع على وشك أن يجف."
نهضت من مكانها بخفة.
شعرها الأسود الطويل فقد كان مرفوعًا في كعكة مبعثرة عند أعلى رأسها، تتساقط منها خصلات حريرية حول عنقها ووجنتيها.
نزلت الدرج الخشبي بهدوء، حافية القدمين. كانت الأرضية باردة قليلًا تحت قدميها، دخلت الحمام في الطابق السفلي، وفتحت الصنبور.
اندفع الماء البارد، فانحنت قليلًا، وبدأت تمرر الماء على وجهها ببطء. الإحساس منعشً بشكل مذهل، كأن نسمة باردة مرّت فوق بشرتها المتعبة بعد يوم طويل من التنظيف.
فجأة ارتطم شيء في الخارج صوت خافت.توقفت للحظة لكنها تجاهلت الأمر، ربما كان غصن شجرة أو حيوان ما.
عادت تغسل وجهها لكن الصوت عاد مرة أخرى، هذه المرة أقوى. انتفض جسدها قليلًا ،أغلقت الصنبور بسرعة، بينما أغمضت عينيها تبحث بيدها عن منشفة.
مسحت وجهها على عجل، ثم علّقت المنشفة على الحائط. تقدمت نحو الباب الأمامي وهي تمسك المكنسة الخشبية .
وهنا يجدر بنا التوقف لحظة لنوضح شيئًا مهمًا. هل قلت لكم من قبل إن إيلارا غبية قليلًا؟
أو لنقل إن لديها موهبة خارقة في عدم التفكير قبل التصرف. لأنه في هذه اللحظة تحديدًا كان من المفترض أن تفكر في شيء بسيط ،امرأة تعيش وحدها في منزل معزول وسط الغابة،ترتدي ملابس النوم،وتخرج ليلًا وراء صوت غريب ،اليس تهورا وخطأ فادحا.
لكن كما قلت لكم يبدو أن هناك خللًا بسيطًا في الخلايا المسؤولة عن التفكير داخل دماغها.لذلك لا تتفاجؤوا لو سمحتم.
أمسكت مقبض الباب أدارته ببطء ،أغمضت عينيها ثم فتحت الباب بسرعة وخرجت.
فتحت عينيها بحذر الحديقة كانت ساكنة تمامًا.
النسيم الليلي يمر بين الأعشاب قرب البحيرة، يحركها بلطف، بينما كان ضوء القمر الفضي يغمر المكان كله بهدوء ساحر.
"غريب لا يوجد شيء هل كنت أتوه...."
توقفت عندما سمعت صوت تنهد ضعيف استدارت بسرعة تجمدت عيناها، عند حافة الدرج الحجري قرب الباب
كان رجل ممدد على الأرض،ملامحه لم تكن واضحة جيدًا في الظلام.
"دم...."
ركضت نحوه دون تفكير انحنت قربه بسرعة.
لقد أخبرتكم من قبل أن لديها تقديسًا غير مبرر للرجال الوسيمين.ومعاييرها لتصنيف البشر بسيطة جدًا:
الوسيمون = صالحون.
العضليون = ملائكة.
باستثناء التوأم بالطبع هم ابليس بعيني ،والرجل المستلقي أمامها الآن…كان خطرًا حقيقيًا على قلبها المسكين.
كان طويل القامة، جسده عريض البنية ،قميصه الأسود كان مفتوح الأزرار قليلًا عند الصدر، يكشف عن جزء من جسده المشدود.عضلات صدره كانت واضحة حتى تحت القماش، منحوتة بطريقة طبيعية،ذراعاه قويتان، الأوردة البارزة تمتد تحت جلده الفاتح، بينما يده الكبيرة كانت ملقاة بلا حراك على العشب.شعره بلاتيني اللون ، كثيفًا قليلًا، تتساقط خصلاته فوق عينيه المغلقتين يبدو أنه ليس من هنا فهدا اللون ليس شائعا كثيرا في المانيا .
أما وجهه...فكٌ حاد منحوت، أنف مستقيم متناسق، وشفاه رفيعة قليلاً.حتى وهو مغطى بالدم كان وسيمًا بطريقة مغرية ،هل هي منحرفة الآن،نعم قليلا بصراحة...
حدقت فيه إيلارا بذهول.
"إنه قديس بعينه…"
في نظرها على الأقل.
لكنها سرعان ما انتبهت إلى الدم المتدفق من جرح في رأسه، وإلى عدة جروح عميقة على صدره وكتفه. بدا كأنه تعرض لضربة قوية بسلاح،اتسعت عيناها.
"أوه يا إلهي ليس وقت التمعن!"
أمسكته من ذراعه محاولة جره إلى الداخل، لكنها توقفت بعد خطوة واحدة.
"ثقيل…"
كان جسده ثقيلًا كالصخر حاولت مرة أخرى…سحبته بصعوبة عبر العشب ثم فوق الدرج الحجري،وخلال تلك العملية،ارتطم رأسه عدة مرات بالدرجات.لكن يبدو أن إيلارا كانت تعتبره تحفة فنية احد تماثيل اليونان القديمة، نسيت تمامًا أنه بشر قد يتأذى من ذلك.لا بأس النتيجة أهم.
بعد جهد كبير استطاعت أخيرًا إدخاله إلى المنزل،وأسقطته فوق الأريكة في غرفة الجلوس.وضعت يديها على فمها بصدمة درامية.
"يا إلهي…"
اقتربت أكثر.
"إنه أوسم تحت الضوء!"
مسحت دموعًا مزيفة تمامًا من زاوية عينها بحركة مسرحية.
لكنها سرعان ما ركضت نحو المطبخ عادت بوعاء ماء نظيف وقطع قماش.جلست بجانبه وبدأت تنظف جروحه بعناية.
أو لنقل بمحاولة عناية،لأنه لو أخبرتكم الحقيقة…فإيلارا كانت أسوأ شخص على الإطلاق في وضع الضمادات.
ليس ذنبها حقًا،فهي جراحة أعصاب… وعلاش نروح كهذه ليس اختصاصها.
بعد ساعة كاملة من المحاولات الفاشلة نجحت أخيرًا في لف عدة ضمادات بيضاء حول صدره وكتفه، بينما لفّت ضمادة أخرى حول رأسه.بدت قطع القماش البيضاء غير متناسقة قليلًا، لكنها على الأقل تقوم بالمهمة.
جلست بجانبه أخيرًا تتأملته بهدوء، أنفاسه كانت بطيئة لكنها مستقرة، تنهدت بارتياح.
ثم أسندت رأسها على طرف الأريكة قرب كتفه، همست بصوت متعب.
"يجب أن تكون بخير."
توقفت لحظة.
ثم أضافت بنبرة خافتة ماكرة قليلًا.
"لا أريد أن تهدر حياتك هكذا… قبل أن أستثمر فيك."
وبعد يوم طويل من التعب أثقل النعاس جفونها.
فسقطت في النوم بهدوء.
•
•
•
•
•
||1:45 بعد منتصف الليل||
كان أول ما شعر به الدفء.
دفء غريب، هادئ، يلتف حول جسده بهدوء، تسللت تلك الراحة إلى وعيه ببطء، كأن عقله يصعد من أعماق بحر مظلم نحو السطح.
فتح عينيه أخيرًا. كان السقف أول ما رآه ،سقف خشبي قديم، ألواحه بلون بني داكن تتقاطع بخطوط مستقيمة، وفي زاويته مصباح صغير يرسل ضوءًا أصفر خافتًا يرقص فوق الخشب.
حدّق فيه لثوانٍ طويلة ،لو كان يملك حس الدعابة لظن نفسه ميتًا.لكن هل للحياة الأخرى سقف خشبي؟
أخذ نفسًا ببطء. في اللحظة التالية ضربه الألم، جسده كله كان محطمًا، ألم حاد يمتد عبر كتفيه وصدره ورأسه، كأن كل عظمة فيه مرت عبر طاحونة.
قبض أصابعه قليلًا، ثم حرّك رأسه ببطء نحو الجهة اليسرى.كان يريد فقط أن يعرف أين هو ،لكن ما رآه أوقفه للحظة، تقابلت عيناه مع خاصتها المغمضة. فتاة نائمة بجانبه.
اتسعت عيناه قليلًا، بدهشة خفيفة. كانت جالسة على الأرض قرب الأريكة، ظهرها مسند إلى جانبها، بينما انحنى رأسها فوق الوسادة القريبة من ذراعه. وضعية نومها فوضوية تمامًا، ساقاها مثنيتان بإهمال، وذراعها اليمنى ملقاة فوق المقعد كأنها استسلمت للنوم فجأة.
كان شعرها الأسود الطويل منسدلًا حول وجهها وكتفيها مثل حرير داكن، تتناثر خصلاته فوق الوسادة وعلى حافة الأريكة.
جفونها المغلقة بدت ثقيلة من الإرهاق، ظل وجهها هادئًا بشكل غريب، كأن النوم سرق منها كل التعب، بينما ينسدل قميص نومها حتى منتصف فخذيها.و في ضوء المصباح الخافت بدت بشرتها البيضاء دافئة ناعمة. همس بصوت منخفض، أجش قليلًا من التعب باللغة الروسية،اووه هذا يفسر ملامحه الغريبة عن المكان هو روسي إذا.
"أين أنا؟"
«Где я?»
نقل نظره نحو الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة.كأس ماء، منشفة مبللة وعلبة إسعافات أولية مفتوحة.
إذًا هذه المرأة عالجته؟
أم أنها معهم؟
عاد ينظر إليها عيناه كانتا باردتين تمامًا بلا أي تعبير.
هل عليه قتلها ببساطة؟
في النهاية أي شخص قد يكون خطرًا على مهمته، تحرك ببطء واستقام قليلًا فوق الأريكة، متجاهلًا الألم الذي اجتاح صدره.
كان جسده قويًا حتى في حالته هذه.صدر عريض، كتفان قويتان، وذراعان طويلتان تشد فيهما العضلات بوضوح تحت الجلد الفاتح.
قميصه الأسود كان مفتوحًا ، والضمادات البيضاء تلف جسده بشكل عشوائي.
نظر إليها مجددًا، لا أظنها معهم.طريقة نومها ،الفوضى حولها ،انها مبالية بل خرقاء تماما.كل ذلك كان بعيدًا تمامًا عن الانضباط القاتل الذي يعرفه.
لكن لماذا أنا في هذا المنزل؟
من الواضح أنه منزلها.
هل الألمان بهذا الكرم؟
أم أنها ببساطة فتاة غبية تدخل رجلًا غريبًا إلى بيتها؟
نظر إليها مجددًا ،استبعد الفكرة، هي تبدو أنضج من ذلك.
تلملمت قليلًا في نومها.تحركت خصلات شعرها فوق خدها، بينما أطلقت زفيرًا خفيفًا ،كان لا يزال يراقبها بفضول.
وذلك كان أمرًا نادرًا بالنسبة له، نادر جدًا. في النهاية الفضول تجاه البشر ليس عادة لديه.
لكن كان عليه اتخاذ قراره والتصرف.رفع يده ببطئ، يده كانت كبيرة، خشنة، باردة كقطعة معدن، وضعها فوق عنقها بهدوء شديد. بشرته الباردة اصطدمت بحرارة جلدها الناعم ،كان يستطيع خنقها بيد واحدة فقط بسهولة.نظر إليها ببرود.
هل النساء في ألمانيا بهذا الضعف؟
أو بهذا الغباء؟
مرت دقيقة.
ثم دقيقتان.
ثم خمس…
ظل هكذا قرابة ربع ساعة، يده على عنقها. عيناه باللون الازرق الداكن تدرسان ملامحها بهدوء.
ربما عليه تركها حية. في النهاية، إذا كانت مجرد مواطنة عادية فليس من حقه قتلها، أو ربما يمكنه استغلالها. على الأقل مكان للاختباء حتى يجد إيثان موقعه.
تنهد بصمت ثم أزال يده من عنقها. رفعها قليلًا برفق، وأبعد خصلات الشعر التي سقطت فوق جبينها.
"حسنًا لا بأس بتركك حية حتى أتأكد من نواياك."
«Хорошо, я оставлю тебя в живых, пока не удостоверюсь в твоих намерениях.»
اشاح بانظاره عنها ،لينقلهم لصدره . توه انتبه أنها عالجت جروحه ،ظل صامتًا لثانيتين، ثم عبس قليلًا. هل هذه ضمادات؟ بدت كأن شخصًا حاول تكفين مومياء.
جلس على طرف الأريكة.
فتح ساقيه قليلًا بثبات، بينما استند بمرفقيه فوق فخذيه.
كان جسده ينحني للأمام قليلًا، رأسه منخفض، وعضلات كتفيه المشدودة. حرك رقبته ببطء ،هل ترون تصرفه غريبًا؟
هادئًا أكثر من اللازم؟
الحقيقة بسيطة هذا الرجل رأى الموت آلاف المرات، قتل وقُتل ونجا.حتى أصبح يشك أحيانًا هل ما زال يملك ذرة واحدة من المشاعر البشرية السليمة؟
لكن ذلك لم يكن مهمًا في قوانينه الخاصة المشاعر ضعف، وقد تخلص منها منذ زمن بعيد.
رفع رأسه أخيرًا بدأت عيناه تتجولان في المنزل. ذوق غريب لكنه دافئ.
أعاد نظره إليها، تنام بسلام قربه. توقفت عيناه فوق وجهها للحظة.
"سنرى ما الذي تخططين له يا آنسة."
«Посмотрим, что вы задумали, мисс.»
•
•
•
•
•
|| وُقّعت هذه اللعنة باسم: [ كلير | KLIR ] ||
||التي تكتب بعينٍ مفتوحة على الجحيم....||
Klir