بدا صباح نهاية الأسبوع ثقيلا، كأن غيوم الأسبوع الشاق لم تنجل بعد من سماء'اورا'، بل تكاثفت لتلقي بظلالها على زوايا قصر عائلة'كاغيموري' الفسيح.
استيقظ شين ببطء، شاعرا بثقل في رأسه و جفاف حلقه، فقد كانت القضايا الأخيرة قد استنزفت طاقته المنطقية تماما.
ترنح في مشيته وهو يتجه نحو المطبخ، يمني النفس برائحة القهوة السوداء التي تمثل له الوقود الوحيد للاستمرار.
فتح الخزانة العلوية، لكن يده لم تصطدم إلا بقعر البرطمان الزجاجي الفاغر.
هزه بعنف لعل حبة واحدة قد تخلفت، لكنه لم يسمع سوى صدى الفراغ.
فتح الثلاجة بحثا عن أي شيء يسد رمقه، ليجدها كصحراء مقفرة، لا بيض، لا خبز، فقط زجاجة ماء نصف فارغة وبقايا وجبة مجمدة منسية.
تنهد شين بانزعاج، وارتدى معطفه الطويل ليخرج مرغما نحو المركز التجاري القريب.
كانت الشمس باهتة، والزحام في المتجر يثير أعصابه، لكنه شق طريقة نحو قسم القهوة والمأكولات الجاهزة.
بينما كان يضع في عربته تلالا من عبوات القهوة المركزة وصناديق الوجبات التي لا تطلب سوى دقيقتين في الميكروويف، شعر بظل يقترب منه.
"أيعقل أن أرى جبل الجليد بتسوق في وضح النهار؟"جاء الصوت ساخرا ومليئا بالحياة.
التفت شين ليجد كاي واقفا أمام عربته، وقد رفع أحد حاجبيه بدهشة وهو يتفحص المشتريات.
"قهوة معلبة ووجبات كيميائية؟ شين، هل تحاول حل القضايا أم تحاول الانتحار ببطء؟"
رد شين ببرود و هو يضع عبوة أخرى من القهوة:" لا أملك الوقت للوقوف أمام الموقد، هذه الأشياء عملية وتؤدي الغرض."
اقترب كاي وسحب إحدى علب الوجبات الجاهزة وقرأ محتویاتھا بصوت مرتفع:"مواد حافظة، دهون مشبعه..أين الخضروات؟ أين اللحوم الطازجة؟ أخبرني، هل تخطط للعيش على هذا للأبد؟"
أجاب شين بضيق:"أنا أعيش وحدي في ذلك المنزل الكبير، ولا أرى سببا لطهي وجبات فاخرة لنفسي."
تغيرت ملامح كاي لثانية، وخمدت نبرة السخرية في صوته ليحل محلها نوع من الفهم الصامت.
"إذن نحن في الهوى سوى.." قال كاي و هو يمسك بمقبض عربة شين، "أنا أيضا أعيش بمفردي في شقتي، لكنني تعلمت أن العيش وحيدا يعني أنك المسؤول الوحيد عن تدليل نفسك، وليس العكس. تعال معي، سأعلمك كيف يتسوق البشر الحقيقيون."
رغم اعتراضات شين المكتومة، سحبه كاي نحو قسم الخضروات واللحوم.
دار بينهما حديث طويل أثناء التسوق، كاي كان يشرح له كيفية اختيار الطماطم الطازجة و كيف أن رائحة الريحان تفتح خلايا المخ أكثر من الكافيين، بينما كان شين يراقبه بصمت، متفاجئا من أن هذا'المهرج' كما يسميه، يملك جانبا منزليا منظماً.
وعندما وصلا إلى صندوق المحاسبة، نظر كاي للمشتريات الجديدة وقال:"بابتسامة هكذا أفضل، ستشعر بالفرق في قضيتك القادمة."
بينما كانا يغادران المتجر محملين بالأكياس، يسيران في الشارع الذي بدأت أضواء مصابيحه تشتعل، فكر شين في داخله:{هذه أطول محادثة خضناها دون أن ينتهي الأمر بشجار عنيف..يبدو أن هناك قواسم مشتركة بيننا تظهر في صمت الوحدة}.
لكن حبل أفكاره انقطع عندما رأى وميض أضواء الشرطة الزرقاء والحمراء ينعكس على واجهات المباني أمام بناية سكنية قديمة.
قادهما الفضول للاقتراب، وهناك وجدوا طوقا أمنيا أمام شقة في الطابق الأرضي.
تقدم شين ليسمح له الضباط بالدخول، لكن شابا في مثل سنھم، بملامح حادة ونظرة متعالية، وقف حائلا بينهما.
توقفا مكانكما! المنطقة محظورة تماما، اذهبا للعب بعيدا، قال الشاب'هيرو' وهو يضع يده على صدر كاي ليدفعه.
استشاط كاي غضبا:" أبعد يدك عني نحن هنا لمساعدة الشرطة التي يبدو أنها استعانت بطفل مدلل مثلك لتعويض نقص الكفاءة."
كاد الشجار أن ينشب لول ظهور مساعد المفتش ناغومو، الذي تنفس الصعداء عند رؤيتهما.
هيرو، اهدأ. شين وكاي يعملان معنا بتوصية خاصة من المفتش."
دخلا إلى الشقة، كانت الرائحة مزيجا مقززا من الكحول القديم و الطعام الفاسد.
في وسط الفوضى، كان الضحية'ريو' جالسا على الأرض، رأسه ملقى على الطاولة الخشبية وكأنه استسلم للنوم في منتصف حفلة صاخبة.
فحص شين المكان بعينيه، بينما كان كاي يتوجه نحو فتاة تجلس على الأرض وتبكي بنحيب يمزق القلوب.
جثا كاي أمامها بكل رقة، وبدأ يمسح على كتفها متحدثا بصوت خفيض ودافئ:"لابأس أنسة.. تنفسي بعمق، سنعرف ماحدث."
توقفت ميكا عن البكاء ونظرت إليه بدهشة، فقد شعرت بسكينة غريبة في صوته.
راقب شين هذا التحول النفسي وهو يشعر بالذهول من قدرة كاي على كسر الحواجز البشرية بهذه الساحة.
"أخبريني ياأنسة،" سأل كاي بلطف،"ماهي علاقتك بريو؟ومن هؤلاء الرجال الواقفين معنا؟"
أجابت بصوت مرتجف:" أنا إسمي ميكا، أنا خطيبته.. كنا نحتفل بخطبتنا، وهذا ساتو-سان، مدير المتجر و صديق ريو، و هذا تاكي-سان زميله المبرمج. كنا جميعا هنا بالأمس."
سأل شين ساتو و تاكي ببرود:"أين كنتم جميعا وقت وقوع الحادثة؟"
تحدث ساتو وهو يمسح عرقه:"لقد كنا نشرب ونحتفل حتى وقت متأخر، ريو كان يشتكي من قسوة مديره في الشركة، لذا شرب أكثر من المعتاد، تركناه نائما هنا و غادرنا."
في تلك اللحظة، لاحظ كاي رجلا إضافيا يقف خلف الشرطة بملامح متوترة.
"وأنت؟ هل أنت جزء من الحفلة أيضا؟" سأله كاي بحدة.
تدخل هيرو ليجيب بدلا عنه،"إنه الجار، هو من اكتشف الجثة واتصل بنا.كفاكما عيثا، الجثة لا تحمل آثار عنف، الواضح أنها أزمة قلبية بسبب جرعة زائدة من الكحول.
سأل شين الجار"كيف اكتشفت الأمر؟"
رد الجار بتلعثم:"سمعت ضوضاء ليلة أمس، وفي الصباح رأيت ميكا أمام الباب، كانت تطرقه بقوة ولا مجيب، عندما غادرت، دخلت أنا لأنني أملك مفتاحا احتياطيا للطوارئ، فوجدته هكذا."
اقترب شين من الجثة، لاحظ بقعا حمراء غربية على يد و رقبة الضحية.
"هذه ليست أزمة قلبية عادية،" قال شين وهو ينظر لساتو و تاكي،"هل كان يعاني من حساسية ما؟"
أجاب تاكي بسرعة:"نعم، الجوز، حساسية قاتلة. لكننا لم نأكل شيئا يحتوي عليه بالأمس، كنا نأكل بيتزا ورقائق البطاطس فقط!"
لمعت عينا كاي وهو ينظر لنوجي، الصديق الذي كان يقف خلف ميكا ويضع يده على كتفها بداعي المواساة، لكن كاي لاحظ أن نوجي لا ترتجف حزنا، بل كانت حركاته محسوبه ببرود.
"اتعلم يانوجي؟"قال كاي فجأة وهو يبتسم ابتسامة غامضة،"أنت تدعي الحزن، لكن نبضك الهادئ الذي أراه في عروق رقبتك يقول لي أنك الوحيد الذي لم يتفاجأ بموت ریو."
صدم الجميع، وتابع شين الاستنتاج:"المجرم هو نوجي. لقد وضع خلاصة زيت الجوز المركزة في زجاجة الكحول الخاصة بريو. زيت لا طعم له ولا رائحة، ولكن تأثيره كان صاعقا. وبما أن ريو كان ثملا، لم يدرك أن ضيق التنفس الذي أصابه هو رد فعل تحسسي بل ظنه مفعول الكحول، حتى توقف قلبه.
صرخ نوجي مدافعا، لكن عندما واجهه كاي بحقيقة إعجابه بميكا وغيرته القاتلة من ريو، انهار واعترف بكل شيء:"نعم! لقد كان يتفاخر بها أمامي دائما، كان يعلم أني أحبها وأراد كسر كبريائي، فقررت كسر حياته للأبد!"
بعد انتهاء الإجراءات و اعتقال نوجي، خرج البطلان إلى الشارع حيث كان الليل قد بسط رداءه المرصع بالنجوم.
بدأ كاي يسخر من هيرو طوال الطريق:"هل رأيت وجه ذلك الفتى المتغطرس؟ لقد تفوقنا عليه في دقائق! يبدو أن المحقق الصغير لا يزال بحاجة لدروس في الحضانة!"
ضحك شين بخفة، وهي ضحكة نادرة جعلت كاي يصمت للحظة.
"لقد كنت مزعجا طوال الوقت..لكنك قمت بعمل جید اليوم ياكاي، لولا هدوؤك مع ميكا لما استطعنا استجوابها بتلك السرعة."
توقف كاي أمام مفترق الطرق المؤدي لمنزلة، ونظر لشين قائلا:"وشكرا لأنك سحبتني بعيدا عن ذلك الفتى قبل أن أرتكب جريمة قتل أنا أيضا،"بعدها سار لبضع خطوات ثم توقف و استدار لشين ثانيتا و قال:"أتعلم یاشين؟ ربما لسنا مختلفين كما تضن.كلانا يعود لمنزل فارغ في النهاية، لذا..لا بأس ببعض الإزعاج بين الحين والآخر."
ابتسم شين ابتسامة حقيقية، و هي المرة الأولى التي يظهر فيها هذا الجانب:"حسنا يا تسكيميتشي ..طابت ليلتك.وتذكر، غدا سنطهو تلك المشتريات، لا وجبات سريعة بعد اليوم."
لوح كاي بيده وهو يبتعد في الظلام:"سأحاسبك على هذا الوعد يا كاغيوري!"
سار شین نحو قصره، ولأول مرة، لم يشعر أن الطريق طويل وبارد كما كان من قبل.