تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر النوافد العالية لقصر عائلة شين، لترسم ظلالا باهتة على وجهه الشاحب.
كان شين يقف أمام المرآة، يصارع ربطة عنقه يبرود مبالغ فيه.
"یوم حدید، قناع جدید،" همس لنفسه و هو ينظر لعينيه الزمرديتين التي بدت اليوم أكثر حدة.
في قلبه، كان يشعر بفراع غريب، فوالداه سافرا مجددا و تركاله هذا القصر الشاسع الذي يسكنه الصمت.
على الطرف الآخر من المدينة، كان كاي يقف وسط ضجيج غرفته الصغيرة، يرتدي قميصا أبيض ناصعا.
كان يبتسم لصورته في المرآة، لكن عينيه الزرقاوين بلون الزبرجد الصافي كانتا تخفيان
حزنا دفيها.
"تذكر يا كاي، الحياة مسرحية كبيرة، والجمهور يحب الإبتسامة، قال لنفسه وهو يضع منديله السحري في جيبه.
مر اليوم الدراسي الأول في ثانوية "تيكا" كأنه ضباب عابر.
لم يكن شين من النوع الذي يلتفت للوجوه الجديدة، فبالنسبة له، البشر مجرد احتمالات عشوائية لا تستحق الدراسة إلا إذا شكلولغرا.
جلس طوال الساعات الست بجانب النافذة ، يراقب أوراق الشجر و هي تتمايل، بينما كان خلفه مباشرة شاب بغرق في عالم أخر، يرسم بقطعة نقدية حركات بهلوانية بين أصابعه بخفة مذهلة.
لم تلتق أعينهما، ولم ينطق أحدهما بحرف، وكأنهما خطان متوازيان كتب عليهما ألا يلتقيا.. على الأقل، ليس في ضوء النهار.
عندما دق جرس النهاية، لملم شين حقيبته بهدوء، وشق طريقه عبر الزحام متجها نحو منزله.
كانت السماء قد بدأت تصطبغ بلون الياقوت القائم حين مر بساحة "غراندي" الشهيرة.
فجأة، توقفت حواسه السادسة.
رائحة مألوفة، ليست رائحة عطور ولا طعام، بل هي تلك الرائحة المعدنية الثقيلة التي تتبع الموت أينما حل.
أمام باب "مسرح الأقنعة،" كانت الأضواء الزرقاء و الحمراء لسيارات الشرطة ترقص على الجدران العتيقة.
شق شين الزحام ببرود، متجاور المارة الفضوليين "مفتش ناغومو، يبدو أن المساء لم يكن هادئا _كما تمنيت،" قال شين وهو يرفع شريط الشرطة الأصفر بيده.
التفت المفتش ناغومو، الرجل الذي أرهقته سنوات الخدمة وبدت التجاعيد واضحة حول عينيه، وتنهد بارتياح :"شين! يالك من طفل يظهر دائما في الأوقات المظلمة.ليتك لم تأت المشهد بالداخل يكسر القلب."
دخل شين إلى الكواليس، حيث كانت الأقمشة المخملية الحمراء تبدو في هذا الضوء كأنها تنزف.
وعلى الأرض، خلف مكتب خشبي فاخر، كان يرقد السيد توبیاس سانو، مدير المقهى المعروف بهيبته، لكنه الآن لم يكن سوى جثة هامدة، وجهه يرتطم ببرودة الرخام، وطعنة غائرة في ظهره قد مزقت سترته المخملية بدقة جراح.
وفي الزاوية المظلمة، رأى شين ذلك الفتى من الفصل.
كان كاي بسند ظهره إلى الحائط، أنفاسه متسارعة، ويداه اللتان كانتا تلعبان بالعملة صباحا ترتجفان الآن بعنف.
كانت عيناه الزقاوين الواسعتين تعكسان رعبا لا يمكن وصفه، وكأنه يرى وحشا لا يراه الآخرون .
"أنت .."تمتم شين بدهشة خفيفة، أنت الذي كان يجلس خلفي."
لم يرد كاي، بل اكتفى بإشارة مرتجفة نحو الجثة.
تقدم شين ببطء، منحنيا بجانب الضحية.
بدأ يفحص المكان بعينيه كالمجاهر.
"انظر یا مفتش،" قال شين و صوته بتردد في القاعة الصامتة ، "السيد سانو لم يمت فجأة. انظر إلى وضعية يده، إنه يحاول الإمساك بصورة محطمة على المكتب. ولدينا هنا كوبان من القهوة، البخار لا يزال يتصاعد من أحدهما، مما يعني أن القاتل كان يشرب القهوة معه قبل دقائق فقط."
في تلك الأثناء، دخلت امرأة شابة تنهار بالبكاء،هي السيدة مينا، زوجة الضحية، يتبعها شاب يبدو عليه القلق يدعى كيجي، المساعد الشخصي.
"توبياس! من فعل بك هذا؟"
صرخت ميناء و هي ترتمي على الأرض، لكن شين لا حظ شيئا لم يلا حظه ناغومو.
نظر إلى حذاء السيدة مينا، ثم إلى قطرات الماء الصغيرة على السجادة.
فجأة نطلق كاي بصوت مبحوح و مرتجف لكنه كان مليئا بالثقة:"توقفوا عن البكاء..هذا النحيب يؤذي أذني."
التفت الجميع إليه.
استجمع كاي قوته و تقدم خطوات، عيناه الزبرجدية تحولت من الرعب إلى تركيز حاد و غریب.
السيدة مينا،أنت لم تأت للتو من المنزل كما ادعيت. رائحة عطرك الفرنسي القويه تملأ الغرفة،وهي تمتزج برائحة القهوة المرة.و القهوة في الكوب الثاني.. ليست قهوةسوداء، بل هي مليئة بالسكر، تماما كما تحبينها أنت."
شين قاطعه بحدة:"الإستنتاج المبني على الروائح ليس دليلا قانونيا. انظر إلى الدليل المادي: القفل لم يكسر، والطعنة كانت أفقية تماما، مما يعني أن القاتل في نفس طول الضحية. كينجي، أنت أطول من السيد سانو برأس كامل، أما السيدة مينا.."
نظر شين إلى السيدة مينا ببرود قاتل:" أنت ترتدين قفازات جلدية في جو صيفي، ولماذا يوجد خيط صغير من الحرير الأحمر عالق في مبرد أظافرك؟ إنه يطابق تماما نسيج السترة التي كان يرتديها زوجك."
بدأ التوتر ينهش الغرفة.
كاي لم يتوقف، بل اقترب من مينا و قال بصوت دافئ كأنه يواسيها، لكن كلماته كانت كالسكاكين: "أنا أشعر بقلبك يا سيدة مينا، إنه ينبض بخوف، ليس من فقدان زوجك، بل من انكشاف أمر الخيانة.
لقد اكتشف توبیاس علاقتك السرية بكنجي، أليس كذلك؟ الصورة المحطمة على المكتب كانت صورتك معه. قتلته لأنك خفت من الفضيحة ومن الحرمان من الميراث."
انهارت السيدة مينا، وبدأت تصرخ كلمات غير مفهومة عن الظلم والوحدة، قبل أن تقتادها الشرطة خارجا.
بقي شين وكاي وحيدين في الممر المظلم للمسرح.
الصمت بينها كان ثقيل.
"طريقتك في استنطاق المشاعر متهورة،" اقال شين و هو يستدير له" كان من الممكن أن تدفعها لارتكاب حماقة أخرى."
کاي نظر إليه ببرود لا يقل عن بروده:"وطريقتك في التعامل مع البشر كأنهم قطع شطرنج هي أكثر ما يثير غثياني، الموت ليس لغزا رياضيا إنه نهاية قصة إنسان."
ابتعد كاي بخطوات سريعة، تاركا شين يقف وحید وسط رائحة المسرح القديم.
في اليوم التالي، دخل شين الفصل الدراسي، و جلس في مقعده المعتاد.
سمع وقع أقدام خلفه، ورائحة خفيفة من البخور الذي يستخدم في المسارح.
التفت ببطء، ليلتقي بعين كاي التي كانت تنظر إليه بالفعل.
تجمد الزمان للحظة.
"أنت.." قال كاي بذهول،" أنت المحقق البارد من ليلة أمس."
ردشين بابتسامة خفيفة، للمرة الأولى:"وأنت الساحر الذي يضن أن القلوب كتاب مفتوح."
أدرك الإثنان في تلك اللحظة، وهما يجلسان في فصل دراسي عادي، أن حياتهما الهادئة قد انتهت رسميا، وأن الحقيقة قد بدأت تظهر للعلن.