ترانيم القاعة المهجورة

ترانيم القاعة المهجورة

11 0

استحالت سماء مدينة'أورا'في ذلك الصباح إلى لوحة كئيبة من الرمادي الرصاصي، حيث تجمعت الغيوم المثقلة بالمطر لتلقي بظلالها على أسوار ثانوية'تيكا'العتيقة وكأنها تنذر بوقوع أمر يخدش سكون النهار.

داخل الفصل الدراسي، لم تكن الأجواء أقل وطأة، فالهواء كان مشبعا برائحة الخشب القديم والتوتر الصامت القائم بين المقعدين المتتاليين.

شين بجلسته المتصلبة وظهره الذي لا يلمس الكرسي، كان يبدو كتمثال من الرخام المنحوت، وعيناه الزمرديتان لا تحيدا عن الأفق الخارجي خلف الزجاج، يراقب قطرات المطر وهي ترسم مسارات عشوائية تشبه تشققات في واقع كان يظنه يوما بسيطا ومنطقيا.

أما كاي، فقد كان خلفه يبعثر خصلات شعره بعبثية، محاولا إخفاء قلقه خلف ابتسامة باهتة لا تصل لعينيه الزبرجدية، بینما أصابعه تتلاعب بقطعة نقدية فضية في حركة رشيقة ومنتظمة، تارة تظهر وتارة تختفي، وكأنها تعكس صراع الهوية الذي يعيشه بین کونه طالبا عادیا ووریثا لمسار القمر الغامض.

قاطع هذا السكون الخانق دخول المفتش ناغومو، الذي بدت ملامحه اليوم أكثر شحوبا واضطرابا من المعتاء، حيث كانت هالات التعب تحت عينيه تحكي قصصا عن ليال لم ينم فيها قط.

لم ينطق المفتش بكلمة واحدة أمام الطلاب، بل اكتفى بإيماءة رأس صغيرة موجهة لشين، إيماءة كانت تحمل في طياتها استغاثة صامتة، وفهمها كاي فورا بحدسه المعقد الذي يقرأ لغة الجسد قبل لغة الكلام.

نهض شین ببرود،ململما حقيبته دون أن يصدر صوتا،وبينما كان يتجاوز مقعد كاي، سمع نبرة تهكمية مريرة تهمس من خلفة.

"يبدو أن المنطق الصارم مطلوب في مسرح جدید، أليس كذلك؟"

لم يلتفت شين، بل رد بصوت هادئ كوقع المطر على الحجر:"والمسرح يحتاج دائما لجمهور، وأنت تجيد لعب دور المتفرج المتطفل، لذا اتبع خطى الحقيقة بصمت."

اتجه الثلاثة نحو الجناح الغربي للمدرسة،حيث تقبع قاعة الموسيقى المهجورة، وهو مكان تكسوه الأتربة وتفوح منه رائحة العفن الممتزجة بصدأ الآلات القديمة.

عند فتح الباب الخشبي الثقيل، توقف الزمن فجأة.

كانت الضحية، الأئسة ماري، معلمة البيانو الشابة التي عرفت برقتها، تجلس على مقعد العزف بوضعية توحي بأنها في منتصف سيمفونية لم تكتمل أبدا.

كان رأسها مائلا للخلف بجمال مأساوي مخيف، وعيناها المفتوحتان تنظران إلى سقف القاعة بذهول أبدي، وكأنها رأت شيئا في لحظاتها الأخيرة لم يستوعبه عقلها.

لم تكن هناك دماء غزيرة تلطخ الفستان الأبيض الذي ترتديه، بل كانت هناك طعنة وحيدة دقيقة جدا في العنق، نفذت بآلة رفيعة لدرجة أنها لم تترك سوى خط احمر قاني يشبه قلادة من العقيق الفاخر.

الأغرب من ذلك كله، أن أصابعها كانت مثبتة فوق مفاتيح البيانو العالية على ثلاث نوتات محددة، وهناك بتلات من الزنبق الأبيض منثور حول قدميها بإحكام مريب، كأنها طقس جنائزي أعده شخص مهوس بالتفاصيل.

انحنى شين بجانب الجثة ببرود جراحي، مخرجا عدسته المكبرة وقفازاته التي ارتداها ببطء مدروس.

"العواطف لا تخنق الضحایا ياكاي، انظر بعمق لزاوية الطعنة"قال شين وهو يشير للفتحة الدقيقة في الرقبة،"لقد جائت من الأعلى وبقوة عزم ثابتة،مما يعني أن القاتل كان يقف خلفها و هي تعزف، وكان يملك يداخبيرة لا ترتجف. أما وضعية الأصابع على مفاتيح(دو، مي، صول)، فهي ليست عشوائية، إنها شيفرة زمنية بنظام العزف الكلاسيكي."

في تلك الأثناء، كان كاي يقف بعيدا قليلا، يغلق عينيه ويستنشق الهواء بتركيز غريب.

"المكان لا تفوح منه رائحة الموت فقط ياشين، بل رائحة الندم الممزوجة بعطر صنوبري غریب لا ينتمي لهذه القاعة المتربة" قال كاي وصوته يرتجف قليلا،"القاتل لم يقتلها كعدو يريد التخلص منها، بل كعاشق مجروح يريد تجميدها في أفضل لحظاتها."

استدعى المفتش ناغومو ثلاثة مشتبه بهم كانوا في المحيط وقت وقوع الحادثة.

وقف السيد هيتوشي، حارس المدرسة غليظ الملامح ذو اليدين الخشنتين، بجانب الطالبة رين، رئيسة نادي الموسيقى التي كانت ترتجف وتمسك بقلادة فضية مكسورة، بينما كان الأستاذ يوكيو، زميل الضحية الأنيق، يقف بهدوء مريب وهو يعدل نظارته الطبية و يحمل في يده كتابا صغيرا.

بدأ شين استجوابه بالتوجه نحو الأستاذ يوكيو، مخترقا هدوءه بنظرة حادة:" أستاذ یوکیو، رائحة الصنوبر المنبعثة من ثيابك تثير اهتمامي فهي تطابق تماما رائحة الزهور المنشورة هنا، هل كنت تهتم بحديقتك قبل المجيء؟"

ردیوکیو بصوت هادئ:" الجمال ليس جرما يابني، وماري كانت زميلة غالية."

لكن كاي قاطعه فجأة مقتربا من الطالبة رين،

هامسا لها بنبرة دافئة لكنها مرعبة في باطنها: "اين_تشان، القلادة التي تمسكينها، لما تخفين الجزء المكسور منها؟أنا أرى في عينيك خوفا ليس من القاتل، بل من السر الذي كانت ماري تعرفه عنك. هل كان الأمر يتعلق بتزوير نتائج المسابقة الموسيقية؟ لكنني أرى أيضا أنك لا تملكين القوة البدنية لغرس نصل بهذا الثبات."

صرخت رين:" أنا لم أقتلها! القد كانت تهددني بكشف الأمر، لكنني لم أملك الشجاعة لفعل ذلك!"

عاد شين للوقوف وسط القاعة، مسلطا ضوء هاتفه على مفاتيح البيانو.

"المسألة ليست في من يملك الدافع، بل في من يملك التوقيت. المفاتيح(دو، مي، صول) تشير إلى التوقيت الزمني(C.E.G) في النظام الموسيقي القديم، وهو ما يعادل الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة. في ذلك الوقت كان الحارس في جولته، ورين في مكتب المدير."

نظر شين إلى الأستاذ يوكيو يعينين تقدحان شررا منطقيا:"أما أنت يا يوكيو فقد ادعيت أنك كنت في المكتبة، لكن النوتة الموسيقية التي كانت تعزفها ماري هي نوتة'الوداع' التي الفتها أنت لها. لقد قتلتها بوتر بیانو مشدود، وهو ما يفسر دقة الجرح وعدم وجود دماء كثيرة. لقد كنت تخشى أن تتركك وترحل لفرقة لندن، فقررت أن تجعلها'خالدة' في قاعة الموسيقى الخاصة بك."

کاي، مكملا المشهد بلمسته النفسية الحساسة:"و الأهم من ذلك.. البتلات. لقد وضعتها لتمسح آثار أقد امك التي تركت غبارا من خشب الصنوبر. لقد كنت تضن أنك تصنع لوحة فنية، لكنك نسيت أن الأرواح لا تحبس في الألحان الميتة."

انهار يوكيو فجأة، مسقطا كتابه الذي كان يخفي بداخله'وتر البيانو' الملطخ بخيط رفيع من الدماء.

واعترف وسط نحيب مرير بأن حبه تحول إلى إستحواذ.

تم القبض عليه وسط ذهول الجميع.

وبينما كانا يغادران القاعة، توقف شين عند الباب والتفت لكاي الذي كان ينظر للبيانو يصمت.

"تحليلك النفسي للقلادة كان متهورا، لكنه أضعف دفاعاتهم وكشف لنا الحقيقة من زاوية أخرى" قال شين بنبرة هي الأقرب للمديح منذ لقائهما.

رد كاي بابتسامة باهتة:"ومنطقك الجاف كشف القاتل، يبدو أن 'زنبق الظل' و'مسار القمر' قد وجدا نوتة مشتركة اليوم.'

تابع شين سيره في الممر المظلم، بينما كان هناك من يراقبهم من بعيد،ويهمس في الظلال:"العرض يتطور..واللاعنون بدأو يتعلمون القواعد."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوجه الاخر للحقيقة

المؤلف Sana Solo
2026/02/07 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة