لم يكن المطر الذي هطل في ذلك الصباح سوى انعكاس للمزاج العام داخل الفصل1-أ.
جلس شين في مقعده، يراقب قطرات الماء وهي ترسم مسارات عشوائية على الزجاج، بينما كان عقله يحلل بدقة أحداث ليلة أمس.
لم يكن مهتماً بهوية الفتى الذي جلس خلفه بقدر اهتمامه بتلك'النقطة العمياء' التي في مسرح الجريمة، كيف أدرك رائحة القهوة ونوع السكر بمجرد النظر؟
كان ذلك يزعج منطق شين الصارم، فالمحقق لايعتمد على'الإحساس' بل على الدليل الملموس
قاطع صمته صوت سحب الكرسي خلفه.
لم يلتفت شين،لكنه شعر بوجود ذلك الشخص. وضع كاي حقيبته بإهمال، وبدأ يخرج أدواته
ساد بينهما صمت ثقيل، كأنهما غريبان في ساحة معركة ينتظر كل منهما حركة الآخر.
استمر هذا الوضع لساعات، حتى جاءت حصة الرياضيات، حيث بدأت شرارة التنافس الأولى
كان المعلم يكتب مسألة معقدة على السبورة، مسألة تحتاج لخطوات طويلة من التحليل.
قبل أن ينهي المعلم كتابة السؤال، رفع شين يده بهدوء وقال النتيجة النهائية ببرود، دون أن ينظر حتى للسبورة.
همهم الطلاب بإعجاب، لكن ضحكة خافتة ومستفزة صدرت من الخلف.
"النتيجة صحيحة يا أستاذ، لكن الطريقة التي وصل بها زميلنا إليها تفتقر للروح،" قال كاي وهو يسند ظهره للخلف ويشبك يديه خلف رأسه،"لقد أغفل أن الرقم المفقود في المعادلة يشبه تماماً عدد المقاعد الفارغة في هذا الفصل،أليس كذلك؟"
التفت شين ببطء، ونظر لكاي بعينين حادتين. "الرياضيات لغة الأرقام،وليست لغة التشبيهات الشعرية. النتيجة هي ما يهم في النهاية."
رد كاي بابتسامة غامضة، ولمعت عيناه الزرقاوين بتحدٍ صريح:"الحياة ليست مجرد نتائج يا شين. أحياناً،التفاصيل الصغيرة التي تهملها هي التي تصنع الفرق بين الحقيقة.. والوهم."
استمر هذا التوتر الصامت حتى وقت الاستراحة.
كان شين يقف أمام آلة بيع المشروبات،ينتظر قهوته السوداء المرة التي تساعده على التركيز. في تلك اللحظة،ظهر كاي بجانبه، ممسكاً بقطعة نقدية يقلبها بين أصابعه بخفة مذهلة.لفتت حركة يديه انتباه شين لثانية،وهي ثانية كانت كافية لكاي ليقوم بحركته."قهوة سوداء في هذا الجو الكئيب؟ أنت تزيد الطين بلة،" قال كاي، وبحركة سريعة ومفاجئة، ضغط على زر'الكاكاو الساخن' بدلاً من القهوة قبل أن يصل إصبع شين للزر المطلوب.
توسعت عينا شين من الدهشة، ثم تحولتا لغضب مكتوم."ماذا فعلت؟"
"لقد أنقذت مزاجك،" رد كاي وهو يلتقط الكوب الذي بدأ يمتلئ برائحة الشوكولاتة الدافئة، "اعتبرها تجربة اجتماعية. أريد أن أرى إذا كان السكر قادراً على إذابة الجليد في ملامحك، ولو قليلاً."
أمسك شين بالكوب الورقي، وكان يشعر بحرارته تتسرب ليده الباردة. نظر لكاي باشمئزاز وقال: "أنت شخص مزعج، وتتدخل في شؤون الآخرين بطريقة تثير الريبة. هل تظن أن حركة بهلوانية صغيرة ستجعلني أتغاضى عن كونك كنت مشتبهاً به بالأمس؟"
اختفت ابتسامة كاي لثانية، وحل محلها برود مفاجئ."مشتبهاً به؟ لقد كنت الشاهد الذي ساعدك في حل القضية التي كنت ستغرق فيها لولا'إحساسي'الذي تسخر منه."
"ساعدتني؟ سخر شين وهو يرتشف من الكاكاو رغماً عنه،"لقد كان استنتاجك عاطفياً بحتاً. القاتل يترك أثراً مادياً،وليس أثراً عاطفياً.ستبقى مجرد هاوٍ يظن أن العالم مسرح."
"وهل العالم شيء آخر غير المسرح؟"اقترب كاي من شين لدرجة أن المسافة بينهما تلاشت،" أنت تختبئ خلف منطقك لأنك تخاف من الحقيقة التي لا يمكن قياسها بالمسطرة. أنت لست محققاً، أنت مجرد آلة حاسبة تمشي على قدمين."
ترك كاي شين واقفاً في الممر، وتوجه نحو السطح وحيداً. وبينما كان شين يراقب ظهره وهو يبتعد، شعر بوخزة غريبة في صدره،
لم يكن معتاداً على أن يتجرأ أحد على انتقاد طريقته في التفكير.
نظر إلى كوب الكاكاو في يده، كان طعمه حلواً بشكل مبالغ فيه، لكنه وبطريقة غير مفهومة، أعطاه شعوراً بالدفء لم يشعر به في قصره البارد منذ زمن.
في المساء، وعند عودته للمنزل، جلس شين في مكتب والده الواسع.
بدأ يقلب في ملفات قديمة، محاولاً العثور على أي رابط لما حدث في طفولته، لكن ذهنه كان يشرد باستمرار نحو ذلك الفتى "كاي."
كان هناك شيء في عينيه يذكره باللغز الذي تركه كورو، لكنه لم يستطع الربط بينهما بعد.
لم يكن يعلم أن كاي، في تلك اللحظة، كان يمر بجانب قصر عائلة شين وهو في طريقه للمسرح، ينظر لأسواره العالية ويهمس لنفسه:"يا له من سجن أنيق.. تماماً مثل صاحبه."
لم يكن أي منهما يعلم أن القدر قد بدأ بالفعل في نسج خيوط اللعبة الكبرى، وأن التنافس بينهما ليس إلا القشرة الخارجية لصداقة ستُعمد بالدم والأسرار في القريب العاجل.