لقاء أول

لقاء أول

16 0

استيقظتُ على صوت المنبه الذي بدا وكأنه صرخة غريبة في صمت الغرفة لم أعد أسمع الخدش الخفيف لأظافر زورو على الباب، ولا أنفاسه الهادئة تحت سريري ، الفراغ كان ملموسًا، ثقيلًا.

نزلتُ إلى المطبخ، والدايّ كانا يتناولان إفطارهما في صمت حذر كان القلق ما يزال مرسوماً على وجهيهما.

_ هل اتصلتِ بالعيادة؟ سألتُ أمي، التي كانت تمسك هاتفها وكأنه قطعة أثرية ثمينة.

هزت رأسها ببطء.

_ لا، يا حبيبي، لم يحن وقت العمل بعد سنحاول بعد ساعة.

أومأتُ برأسي لم يكن لدي شهية، تناولتُ قطعة خبز صغيرة على عجل. ارتديتُ معطفي، وبرودة الصباح الاسكتلندي القارس كانت تنتظرني خارج الباب.

وصلتُ إلى الثانوية، وكان أليستر بانتظاري عند الخزائن. كان يرتدي قميصاً رياضياً تحت زيه المدرسي، وشعره الأشقر مرفوع بتسريحة تبدو وكأنها تحدٍ للجاذبية.

_ صباح الخير يا باسكال! كيف حالك ، لاتبدو بحالة جيدة ، هل هناك شيء ما؟

_ صباح النور، أليستر. أنا بخير. لقد كان... يومًا طويلاً بعض الشيء، أجبتُ متهرباً من الخوض في تفاصيل زورو.

_ حسناً، لنذهب إلى الجحيم، أقصد الكافيتريا يجب أن تأكل شيئاً حقيقياً غير الهواء البارد في بالفرون.

كانت الكافيتريا صاخبة ومليئة بالطلاب المتحركين، لكن أليستر سار بين الحشود بخطوات واثقة، متحدثاً عن مباراة كرة قدم قادمة. كنتُ أستمع إليه بذهن مشتت، ثم جاءت حصة الأدب الإنجليزي.

كانت قاعة الدرس هادئة نسبياً عند دخولنا. جلستُ في مقعد بالقرب من النافذة، وأليستر بجانبي. بعد لحظات، دخلت الآنسة ماكنزي، وهي امرأة في الخمسينيات من عمرها، ذات شعر أبيض قصير ونظارات على طرف أنفها. كان صوتها رخيماً وهادئاً.

_ صباح الخير للجميع، قالت وهي تضع مجموعة من الأوراق على منضدة خشبية.

_ اليوم سنبدأ في استكشاف...

لم أعد أستمع نظرتُ إلى المقعد المقابل لي في الصف الثاني. كانت تجلس هناك الفتاة التي رأيتها بالأمس في المكتبة كانت ترتدي سترة محبوكة بلون أخضر غامق . وكانت تنظر إلى معلمتنا بعيون منتبهة، لكن هناك شيء في نظرتها كان يوحي بأنها تفكر في مكان آخر، ربما داخل صفحات كتاب ما.

انتهت الحصة بسرعة غير متوقعة كنتُ أجمع كتبي عندما شعرت بـ أليستر يربت على كتفي.

_ أراك في درس التاريخ، سأذهب لرؤية المدرب الآن ،لا تتأخر! قالها وهو يخرج مسرعاً من القاعة.

تركتُ القاعة خلفي، وكنتُ أخطو ببطء باتجاه الخزانة لأستبدل كتبي. فجأة، تعثرت قدمي بشيء ما، كدتُ أسقط، لكنني استعدت توازني بصعوبة لم يكن شيئاً، بل شخصاً.

كانت هي.

كانت منشغلة بإغلاق خزانة كتبها، وبسبب تسرعي، ارتطمت بها بقوة لم تكن قوية، لكنها كانت كافية لإسقاط كتاب كان بين ذراعيها.

_ يا إلهي، أنا آسف جداً! قلتُ بسرعة وأنا أشعر بالحرارة تتصاعد في وجهي.

انحنيتُ بسرعة لالتقاط الكتاب. كان كتاباً بغلاف كلاسيكي، بني اللون باهت، وعليه حروف باللغة الروسية. "الليالي البيضاء"، قرأتُ العنوان باللغة الإنجليزية في الأسفل.

_ لا بأس، لقد كنت فقط... شاردة الذهن، قالت بصوت هادئ، كان صوتها أعمق مما توقعت.

مددتُ لها الكتاب، ورفعتُ نظري إليها. كان وجهها خالياً من الانفعال، لكنني رأيتُ لمعة في عينيها الداكنتين.

_ ديستويفسكي؟ إنه اختيار ممتاز، همستُ.

ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيها تماماً.

_ شكراً. أحب الروايات التي تجعلك تتساءل عن كل شيء. وأنت؟ ما الذي كنت تحمله في يدك؟

أشرتُ إلى الكتاب الذي كنتُ أحمله، وهو نسخة ذات غلاف فني باللون الأزرق الداكن. "أساطير خالدة بين السطور".

_ أساطير. أحب الفانتازيا والقصص القديمة. إنه نوعي المفضل. الآن، أنا أبحث في أسطورة إيكاروس.

_ إيكاروس. الطيران نحو الشمس؟ .

_ نعم، بالضَّبط! أسطورة تحذيرية، أليس كذلك؟ الرجل الذي يطير عالياً جدًا بأجنحة مصنوعة من الشمع والريش. تحذير من التهور. كان مفتوناً بالارتفاع، لم يستمع إلى تحذيرات والده، ديّدالوس، وبسبب طموحه المتهور، سقط واحتَرَق. إنه بطل مأساوي بامتياز، لأنه هو من اختار قدره.

لاحظتُ أنها كانت تستمع إليّ باهتمام.

_ أعرف القصة. والدي يوناني الأصل، وقصص الإلهة والبطلة جزء من تاريخ عائلتنا، قالت وهي تعدل سترتها. ولكن ألا توافقني الرأي أن جمال القصة ليس في السقوط، بل في اللحظة التي اختار فيها الطيران؟ تلك اللحظة التي شعر فيها أنه يمكن أن يتجاوز كل الحدود؟

توقفتُ عن الكلام، كانت وجهة نظر لم تخطر ببالي.

_ هذا صحيح، لم أفكر فيها بهذه الطريقة من قبل. الفضول أو الرغبة في التجاوز.

_ نعم. على أي حال، أنا هيلينا، لكن ينادونني هيلين، مدّت يدها وصافحتني. كانت يدها باردة قليلاً.

_ باسكال. سعيد بلقائك يا هيلين. أنا جديد هنا، انتقلت من بيرث.

_ أهلاً بك في بالفرون، باسكال، قالت وهي تنظر إلى ساعتها. يجب أن أذهب إلى حصتي الآن. هل تعيش بعيداً؟

_ لا أعتقد ذلك، على الأقل بالنسبة لـ بيرث، منزلنا الجديد في شارع ميلغايت، رقم 15.

اتسعت عيناها قليلاً.

_ شارع ميلغايت! لا أصدق! أنا أعيش في رقم 17، بجوارك مباشرة!

لم أكن متفاجئا لأني رأيتها في اليوم الأول لي في بالفرون قرب منزلها غارقة في قراءة كتاب تبين أنه كتاب ليالي البيضاء. شعرتُ بشيء من الدفء يغزو برودة الصباح.

_ إذن... نحن جيران، قلتُ بابتسامة واسعة هذه المرة.

_ نعم. يبدو أنك لن تكون وحيداً تماماً في هذا الحي، يا باسكال. أراك في الجوار.

أومأتُ لها وأنا أشاهدها وهي تبتعد. اختفت هيلين بسرعة في الحشد. وقفتُ للحظة، ما زلتُ ممسكًا بكتابي. لقاء درامي بعض الشيء، ليس رومانسياً، بل مليئاً بصدى الأساطير ودفء الإنسانية.

الآن، كان لديّ أليستر الرياضي، وبين الغامض، وهيلين، الجارة التي تحب الكتب. شعرتُ أن الوحدة التي تركتها خلفي لم تعد بنفس الثقل.

تذكرتُ زورو. يجب أن أتصل بأمي الآن لأعرف آخر أخباره. كنتُ ما أزال أشعر بالذنب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صدى إيكاروس

المؤلف hamza chaalane
2026/01/07 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة