في حياة أي إنسان يصطدم بحادث قد يكون بداية جديدة لحكاية يمكن ان تكون اجمل ماحدث له او تصدمه الحقيقة بالواقع الاليم هكذا بدأت قصتي عندما قرر والداي أن ننتقل من المدينة .
في فترة مراهقتي لم أحظى برفاق أو أصدقاء سواء في المدرسة أو خارجها لذلك لم يكن امر الوداع صعبا علي بل كنت اودع مكانا كان من المفترض ان انشئ فيه صداقات وان يحتوي فيه الذكريات ،لم يكن هناك أي داعٍ لإلقاء نظرة أخيرة على النافذة. لم يكن هناك وجه يبتسم أو يد تلوح. مدينتي لم تكن مكانًا لأصدقائي، بل كانت أرشيفًا صامتًا لفرص ضائعة. في كل زاوية، كان هناك مقهى مررت به وحيدًا، أو ملعب جلست على أطرافه أشاهد الآخرين يلعبون، اخذت احزم حقائبي في صندوق السيارة رفقة امي وابي ،وعندما انتهينا من جمع الاغراض والحقائب في السيارة أغلقت والدتي صندوق السيارة، لم يكن الأمر مجرد إغلاق لباب، بل كان إغلاقًا لصفحة كاملة من حياتي الاجتماعية التي لم أستطع كتابتها. شعرت بنوع من التحرّر البارد؛ لم أكن حزينًا على المغادرة، بل كنت سعيدًا بالهروب من المكان الذي يذكرني دائمًا بأنني لم أكن كافياً لأكون جزءًا من أي مجموعة ، ركبنا وتوجهنا نحو مدينة balfron
الواقعة جنوب اسكتلندا ، اشغل والدي المحرك وبدأت الرحلة وماكنت ادري اذا كنت سأكون صداقات في وجهتنا القادمة تم سيكون الحال نفسه وانا اشاهد المدينة من النافذة حتى المح الكلب الذي كنت اعتني فيه في حديقة المتواجدة في حيينا، طلبت من والدي التوقف بنبرة مرتجفة :
_ابي توقف ! ارجوك ..
رد علي بهدوء وهو مركز على الطريق :
_ماذا بك ياباسكال ، لماذا اتوقف لقد ابتعدنا عن المنزل لايمكنني العودة اليه ، هل نسينا شيئا ما؟
_ لا ! انه الكلب الذي كنت اعتني به اريد ان نجلبه معنا فانا لم احظى بصديق غيره..
_ لا نستطيع جلبه فتكاليف علاجه ونقله ستك....
قاطعته بلهفة :
_ ارجوك بعد كل السنوات التي قضيتها معه لايمكنني تركه وحده هنا ، وايضا لايوجد من يعتني به هنا من دوني .
نظر الى والدتي وهو يسألها بعينيه ثم أومأت برأسها ايجابا فقال :
_حسنا أعلم مدى ارتباطك به ، لكن لا تجعل الامر صعبا علينا جميعا، اذهب بسرعة معك دقيقتان لإحضاره أسرع هيا وستكون هذه مسؤولية عليك طوال الرحلة .
_شكرا ابي
فتحت باب السيارة بسرعة واسرعت الى كلبي ليأتي الي متلهفا حتى عنقته وحملته وربطته في المقعد الخلفي
*****
سرعان مابدأنا طريق وتلاشت المدينة في عيني التي كانت تطل من النافذة حتى تحولت البنايات الى اشجار وخطوط خضراء في الافق ، أغنية صاخبة كانت تتدفق بهدوء من سماعات أذني، محاولًا إغراق صوت محرك السيارة الهادر والصمت المُتوتّر الذي ملأ مقصورة السيارة. والدي يقود بتركيز يده على مقود السيارة وسواد نظارته الشمسية يخفي عينيه. أمي كانت بجانبه، تتصفح كتابًا إلكترونيًا بلا اهتمام حقيقي. اثناء لحظات من الصمت اغلقت امي الجهاز واستدارت الي وقالت :
_باسكال! لاتطل نظراتك هكذا ،عيناك ستلتصقان بالنافذة
لم أجبها ، ولكنني اكتفيت بهز كتفي فقط
أردفت امي بصوت اكثر حماس :
_حسنا ! هذا الموت البطيء في هذه السيارة يجب ان ينتهي ونظرت الى أبي وقالت :
_جيمس ، إلى أين وصلنا ؟
أجابها أبي وعينيه على الطريق :
_على وشك الخروج من مدينة perth ، حوالي ساعتين تفصلنا عن الوصول إلى المدينة الجديدة .
_ساعتين من الملل ؟ مستحيل، سنلعب لعبة
رفعت جزءً من سماعتي واجبتها بنوع من السخرية :
_أمي وكما تعلمين أنا لم أعد في السابعة من عمري ، لذا لن ألعب لعبة أنا أرى بعيني .
_لا لا ليست هذه اللعبة المملة ،هذه اللعبة تتطلب ذكاء وتركيزًا ، شيء يشغل دماغك.
ابتسم أبي وهو يرى في مرآة الرؤية الخلفية:
_ألعاب والدتك دائما لها قواعد معقدة ، تفضلي ياسيدتي فاجئينا.
_إذن يا أمي كيف تلعب هذه اللعبة
أجابت أمي :
_بسيطة جدًا لكنها تحتاج الى الإنتباه،.. أولا يختار كل منا شيئًا ما يراه من نافذة السيارة ،أنا سأختار الشجرة ماذا عنكم؟
أجبتها:
_أنا سأختار الافتة الإعلانية التي في الطريق.
_و أنت ياجيمس ماذا ستختار
أبي بعد تردد ونظرة في الطريق :
_ سأختار شاحنة النقل !
أمي :
_ممتاز. الأن قواعد اللعبة : في كل مرة يرى فيها أحدنا شيئا اختاره شخص آخر . يجب أن يقول كلمة مرتبطة بينه وبين شيء أخر يراه الأن ،من يفشل في ايجاد كلمة او يتأخر عن إيجادها أكثر من 10 ثوان ، أو يعيد كلمة قيلت يخسر نقطة . إلى أن يصل الخاسر إلى ناقص خمس نقاط ، والخاسر من بيننا يشتري الأيس كريم للجميع.
قلت بنوع من الحماس :
_ تبدو صعبة لكن سأبدأ أنا ، أرى شجرة الأن
_حسنا ... شجرة ، جذور الشجرة ، وجذور العائلة
أجاب أبي مستغربا من سرعة ردها :
_ماهذا الهراء ؟!
_هذه هي الكلمات المشتركة ،لا تهم الغرابة المهم أن تكون الكلمة صحيحة ،باسكال إنه دورك أرى في حافة طريق لافتة إعلانية .
_لافتة طريق .. لافتة الطريق ، طريق السفر !
_ابتسم أبي وقال :
_ أرى شاحنة تقترب في المسار الأخر
توقفت أمي لثوان وعينيها تفتشان الطريق:
_ كلمة مشتركة! ، شاحنة ، محرك الشاحنة ،ومحرك الإرادة للمضي قدمًا في هذه الحياة الجديدة!
_ أمي دائما ماتربطين كل شيء بحكم الحياة .
_ هذا هو المغزى من اللعبة
وهكذا تحولت مقصورة السيارة من صمت متوتر إلى ساحة معركة ذهنية مليئة بالكامات والضحك وهكذا اخذت أميل إلى الأمام وأسحب رأسي من النافذة وأشاهد السيارات من النافذة الأمامية ، وربما لأول مرة منذ أن بدأت الرحلة نسيت إلى أين نحن متجهون.
*****
وبعد مرور ساعات من الرحلة، تجاوزنا ستيرلينغ. كانت الطبيعة الاسكتلندية تفرض نفسها بهدوء، يكسوها ضباب بارد يتدفق من التلال الخضراء الداكنة المغطاة بالخلنج. كنت أجلس خلف والديّ، أحضن كلبي الذي أسميته "زورو" ،الذي كان نائماً بسلام.
كان تفكيري منصباً على الوحدة التي خلّفتها في بيرث. لم أكن أملك صداقات، وفي مدينة بالفرون الجديدة، سأبدأ من الصفر، وهو الصفر الذي لا يتغير أبداً بالنسبة لي.
قطعت هذا التأمل صوت أمي "مارغريت" الهادئ والمفاجئ.
_جيمس، هل هذا هو الطريق الصحيح؟، سألت أمي، وهي تفتح الخريطة القديمة التي كانت لا تزال تعتمد عليها بدلاً من الـ "جي بي إس".
كان أبي يقود بانتباه، لكنه تنهد ببطء.
_نعم، مارغريت. أنا أتبع الإشارات. الضباب كثيف هنا، لكننا على الطريق.
_لا أعرف، تمتمت أمي، وهي تشير بإصبعها إلى خيط رفيع على الخريطة. "الـ 'جي بي إس' كان يقول أننا يجب أن نأخذ المنعطف الذي تجاوزناه للتو إلى اليمين... هذا يبدو كطريق ريفي أضيق مما يجب."
ساد صمت مشحون. لم يكن الأمر يتعلق بالطريق بقدر ما كان يتعلق بـ التوتر المتراكم من هذا الانتقال القسري. كان أبي يكره أن يُخطئ، وأمي تكره المجهول.
_مارغريت، هذا يختصر المسافة عبر التلال، قال أبي بصوت أصبح أكثر حدة. "لا بأس، سنسير فيه لدقائق قليلة وسنصل إلى الطريق الرئيسي."
ولم يكد أبي ينهي كلامه، حتى اضطر إلى الفرملة بقوة، مما دفعني للأمام وكاد زورو أن ينزلق من حضني.
_ماذا الآن؟ ، صرخت أمي وهي تتشبث بمقعد السيارة.
أمامنا ظهرت لافتة خشبية قديمة ومتهالكة، ووراءها بوابة حديدية صدئة موصدة بحبل سميك. طريق التل الذي اختاره أبي كان مغلقاً.
_حسنا قال أبي بصوت مهزوم، وهو يضرب مقود السيارة بخفة. :بحقك إنه مغلق.
قالت أمي بهدوء مؤلم: "علينا العودة الآن،"
بدأ أبي يدير السيارة ببطء شديد على الطريق الضيق. كان الضباب يلفنا تماماً، مما جعل عملية الدوران صعبة ومرهقة.
وبينما كانت السيارة تستدير، نظرت من النافذة إلى الخلف. لم يكن هناك شيء غامض أو مخيف، بل مجرد حقل مهجور وبوابة مغلقة.
لكن فجأة، التقطت عيني شيئاً آخر.
خلف السياج الصدئ مباشرة، وبعيداً عن الضباب، رأيت شجرة بلوط ضخمة وحيدة. وعلق عليها شيء يلمع: خصلة من شريط قماش قديم بلون أحمر قاني.
شعرت بقشعريرة باردة تجتاحني، لا بسبب الخوف، بل بسبب البصيرة. تذكرت كيف كانت مدرستي القديمة ، التي كانت تتواجد فيه شجرة يعلق فيها الأصدقاء أشرطة ملونة رمزًا إلى دوام صداقتهم.
ربما تكون هذه المدينة الجديدة، التي لا أريدها، هي المكان الذي سيتم فيه فك العقدة أخيراً. ربما هذه المتاهات الطفيفة هي ما ستقودني إلى ما كنت أبحث عنه طوال الوقت، كانت مجرد قطعة قماش، لكنها ملأتني بإحساس غريب بأنه بعد كل هذا العناء، هناك شيء مميز ينتظرني في بالفرون.
******
رفعتُ رأسي عن صندوق زورو، وشعرتُ بدوار خفيف بعد كل ذلك الوقت الذي قضيناه في التحديق بالزجاج الأمامي. التفتت أمي، إلينا بابتسامتها الواسعة التي تحاول بها دائماً أن تُقنعنا بأن "كل شيء سيكون أفضل"، وقالت بصوت مبهج لا يتناسب مع إرهاقي:
_حسنًا يا رجال، لقد وصلنا إلى بالفرون!
لمحتُ من النافذة علامة القرية الخشبية وهي تبتعد المنظر هنا مختلف تماماً عن ضواحي بيرث المألوفة ،البيوت هنا أغلبها من الحجر الرمادي، متلاصقة بعضها ببعض على طول الشارع، تحيط بها مساحات خضراء واسعة تنتهي عند تلال منخفضة وغائمة، كل شيء يبدو هادئاً، بل ومُغلَقاً.
توقفت سيارة أبي، أمام منزل ذي طابقين بباب أزرق داكن. كان منزلاً لائقاً، لا أكثر ولا أقل. كان يمكن أن يكون في أي مكان.
وضعتُ يدي على صندوق زورو، وفتحتُ الغطاء قليلاً. شمّ زورو يدي، ولهث بخفة. "أتعلم، زورو؟" همستُ له، متجاهلاً صوت أبي وهو يخرج.
_لو كنا في بيرث الآن، لكنا نركض في نهاية طريقنا لكننا هنا في مكان لا يعرفنا فيه أحد.
كان هذا هو الشيء الذي يقتلني. في بيرث، كنتُ وحيداً، لكن زورو كان جسراً بيني وبين العالم كنت أخرج لأجله، هنا في بالفرون سأبدأ من نقطة الصفر لا أصدقاء، لا أحد يعرف عني شيئاً، ولا حتى طريق مشي مُعتاد يمكن أن أهرب إليه.
تنهّد أبي بحماس، ثم أخرج زورو من القفص. بدأ الكلب يشمّ الأرضية الحصوية الجديدة بحذر، بينما كانت أمي تشير بيديها نحو الأفق.
"يا إلهي، باسكال، انظر إلى تلك التلال! سنتمتع بالكثير من المشي هنا، زورو سيحب هذا.
لم أستطع الرد. كل ما استطعت رؤيته هو التلال التي تعني المزيد من المساحات الفارغة، والمزيد من الصمت الذي سيعزز وحدتي.
وبينما كان والداي يشرعان في مناقشة أي الحقائب سيخرجان أولاً، سحبتُ نفسي من السيارة كانت عيناي تتجولان في الشارع الضيق، فمرّت بي مجموعة من المراهقين يركبون دراجاتهم كانوا يضحكون بصوت عالٍ، ويبدون مرتاحين في جلدهم لقد كان ذلك النوع من السعادة السهلة التي لم أستطع امتلاكها يوماً شعرتُ باليأس المألوف ينقبض في معدتي. "مكان جديد، نفس باسكال".
ولكن لسبب ما وأثناء محاولتي استجماع قوتي للمساعدة في حمل الأثاث، وقعت عيناي على شيء غير متوقع عبر الشارع.
كانت فتاة. كانت جالسة على عتبة منزل مطلي باللون الأبيض، وغارقة بالكامل في كتاب بين يديها. كانت ترتدي سترة صوفية داكنة، وشعرها البني المموج ينسدل على كتفها. كانت تقرأ بتركيز لدرجة أنها لم تلحظ حتى سيارتنا المليئة بالأثاث.
كانت هادئة جداً... لدرجة أنني شعرت وكأنني الوحيد الذي يراها في هذا المشهد الصاخب بضجيج الانتقال. لم يكن الأمر سحراً، بل كان نوعاً غريباً من الجاذبية الصامتة. شعرتُ بشيء ما يتغير داخلي، وكأن صوت القلق في رأسي قد خفت فجأة ليسمع صوتاً آخر ،تنفستُ بعمق ثم التفتُّ لأبي.
_باسكال؟ هل أنت معي؟
_أجل يا أبي. أنا جاهز. أجبتُ بهدوء.
بمجرد أن أدار أبي ظهره ليفتح صندوق السيارة رفعت الفتاة رأسها فجأة وكأنها شعرت بنظراتي، أو ربما سمعت صوت زورو ،نظرت مباشرة في اتجاهي وعيناها البنيتين التقيتا بعينيّ للحظة سريعة ومُحرِجة كان أول وجه أراه بوضوح في بالفرون.
شعرتُ بأن الدم يتدفق في وجهي. سحبتُ زورو بسرعة، وأدرتُ ظهري وركضتُ تقريباً نحو الباب الأزرق لمنزلنا الجديد، بالفرون لم تعد مجرد قرية غريبة. لقد أصبحت المكان الذي تعيش فيه تلك الفتاة التي لم أتحدث معها، لكني لا أستطيع إبعاد عيني عنها. ربما هذه المرة، سأبحث عن العزلة، لكنني لن أكون وحيداً تماماً.