كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركةً خلفها وهجاً برتقالياً خفيفاً يلون الحقول المفتوحة على أطراف المدينة، مشيتُ بخطوات وئيدة، أتأمل المنازل الحجرية القديمة ذات الطابع الاسكتلندي، كان المشهد هادئاً، يختلف كلياً عن صخب بيرث الذي اعتدته فجأة، انتبهتُ لشيءٍ ما لم يكن صوتاً، بل حركة غير متوقعة، على مسافة قصيرة مني، عند زاوية الطريق المنعطفة، رأيتُ دراجة هوائية ملقاة على جانب الطريق، وعجلة واحدة لا تزال تدور ببطء، وكأنها لفظت أنفاسها الأخيرة، نظرتُ حولي بقلق، لم يكن هناك أحد.
اقتربتُ بحذر، لأجد شاباً جالساً على رصيف جانبي، منحني الظهر، يمسك بيده اليسرى، وقد تلوثت ركبتاه ببعض الأوساخ، كان يرتدي سروال جينز فضفاضاً وسترة صوفية رمادية، شعره البني الداكن منسدل على جبينه، بدا وكأنه لا يريد أن يلاحظه أحد.
_يا إلهي! هل أنت بخير؟ سألتُ بلهجة قلقة.
رفع الشاب رأسه ببطء، كانت عيناه عسليتين واسعتين، تحملان نظرةً حادةً ومتهرّبة في آن واحد، بدا متفاجئاً بل ومستاءً من وجودي.
_لا شيء، مجرد كدمة غبية، تمتم بصوتٍ خافت ومكتوم، محاولاً أن يبدو غير متأثر.
_تبدو وكأنك سقطت بقوة، هل تحتاج مساعدة للوصول إلى المنزل؟ أو ربما، للاتصال بأحد؟
نفض الشاب كتفيه محاولاً الوقوف، لكنه تأوّه خفيفاً وعاد للجلوس.
_لا، شكراً، سأكون بخير، حقاً، لا أريد إزعاج أي أحد، قالها بصرامة غير مبررة، وكأنه يضع حاجزاً بيننا.
جلستُ على الرصيف المقابل له، دون أن أنبس بكلمة، رافضاً المغادرة، بعد صمت ثقيل لبضع ثوانٍ، تنهدتُ وقلتُ:
_حسناً، اسمي باسكال، أنا جديد هنا، سقطتُ عن دراجتي مرات لا تُحصى، وأعلم شعور الكوع المقشور.
لم يبتسم، لكنه أطلق نفساً عميقاً، وكأنه استسلم لوجودي.
_أنا بين، قالها وهو يحدق في السماء بعيداً عني، منذ متى وأنت جديد؟
_اليوم الأول في الثانوية، لقد عدت للتو من نزهة حول البحيرة مع أليستر.
_أليستر، ردّد بين الاسم ببرود، لديه الكثير من الأصدقاء، الجميع يريد أن يكون قريباً منه.
كانت نبرته تحمل مرارة خفية، شعرتُ أنها أعمق من مجرد سقوط سخيف.
_ألا تذهب معه؟ أقصد، أليستر؟ سألتُ بتردد.
التفت بين لينظر إليّ مباشرةً.
_أعرف أليستر، وأعرف، الكثير من الناس، لكن في الوقت الحالي، أُفضّل الجلوس وحيداً.
رفع يده السليمة وأشار بها إلى كتابٍ سميك مُلقى بجوار حقيبته المدرسية، كانت زوايا الكتاب مُتجعّدة، وكأنه قُرئ بشغف ورمي بإهمال في الوقت ذاته.
_كان عليّ أن أُنهي قراءة هذا الفصل، إنه عن الثورة الفرنسية، لكنني، فضلتُ أن أصطدم بالشجرة، قال بنوع من السخرية المظلمة.
_هذا الكتاب يبدو صعباً، علقتُ.
_إنه سهل، ممل قليلاً لكنه سهل، أومأ بين برأسه، ثم تابع بنبرة أكثر جدية، كأنه يخاطب نفسه، لكنه لا يستحق العناء، لستُ بحاجة إلى أن أُثبت شيئاً لأي أحد، كل هذه الأوراق والاختبارات لا تعني شيئاً في النهاية.
لاحظتُ أنه كان يتحدث عن الدراسة بلهجة فيها تقليل من الشأن، لكن عينيه كانتا تلمعان بذكاء حاد، يوحي بغير ما يقول، كان واضحاً أن لديه موهبة غير مستغلة، وأنه يدفنها تحت قشرة من عدم المبالاة.
_هل تحب التاريخ؟ .
_أُفضّل الكتابة عن التاريخ، أو أي شيء آخر، لكن، مرة أخرى، لا أحد يهتم، هز كتفيه مرة أخرى.
شعرتُ بالغرابة، هذا الشاب يبدو وكأن لديه عالماً كاملاً يريد إخفاءه، وكأن كل كلمة يقولها تخفي وراءها صدمة لا يريد البوح بها، كان الجو حوله مشحوناً بالتوتر والرغبة في الاختفاء.
نهضتُ وقمتُ بالتقاط دراجته الهوائية.
_اسمع، يا بين، مهما كان ما يجعلك تفضل الجلوس وحدك، ربما، يجب أن تسمح لشخص بمساعدتك في إزالة الدراجة عن الطريق على الأقل، قلتُ، محاولاً أن أُقدّم مساعدة عملية لا تُقابل بالرفض.
نظر إلى الدراجة، ثم إلي، وفي زاوية فمه ظهرت ابتسامة خفيفة عابرة، كأنها لم تكن مقصودة.
_حسناً، باسكال، أنت مُصِرّ بشكل يبعث على الإحباط، قالها بين وهو يمد لي حقيبته.
_لدي خبرة في الإحباط، أنا في مدرسة جديدة، في مدينة جديدة، بعد كل شيء.
ضحك بين ضحكة خافتة لأول مرة، ضحكة لم تصل إلى عينيه بالكامل، لكنها كانت كافية.
ساعدته على النهوض، كان يعرج قليلاً، أصلحتُ له مقود الدراجة المائل بسرعة ووضعناها على جانب الطريق.
_أرى أنك تسير في اتجاه الشارع المؤدي إلى 'ويسترن تراس'، قال بين، مشيراً إلى طريقي.
_بالضبط، لقد استأجر والداي منزلاً هناك.
_أنا أعيش بعد زاويتين من هناك، قال بين، وهو يمسح التراب عن سترته.
_إذن، أراك غداً في الثانوية، بين، أو ربما قبل ذلك، إذا لم تصطدم بشيء آخر.
_ربما، أجاب بين بهدوء، ثم تابع ببطء، وكأنه يتحدث في سرّ،
_لكن لا تتوقع مني أن أُشاركك غداءك أو أن أُخبرك عن سبب تفضيلي للجلوس وحيداً، أصدقاء جدد، شيء لا أحتاجه حالياً.
_لا بأس، قلتُ بهدوء،
_لا بأس على الإطلاق، سأراك غداً.
تركته واقفاُ بجوار دراجته المكسورة، أنظاره تائهة على الأفق، أكملت طريقي إلى المنزل، لكن شعوراً غريباً راودني، بين لم يكن كأليستر، لم يكن بسيطاً وسهلاً، كان أشبه بلغز مغلق، وأنا، على غير العادة، شعرتُ برغبة في معرفة كلمة السر لفتحه، لم يكن هذا اليوم الأول سيئاً على الإطلاق.
كان الهواء بارداً ومنعشاً بينما أسير في شارع المدينة الشمس كانت تميل للغروب، وتلون السماء بدرجات برتقالية وهادئة، منظر مختلف تماماً عن مدينتي القديمة الصاخبة. يومي الأول في الثانوية انتهى للتو، وشعرت بخليط غريب من الإرهاق والنشاط. كنت أرتدي الجينز المريح، والقميص الصوفي كان يوفر لي الدفء تحت الشال الذي لفيته حول عنقي، هذه الأجواء تناسبني، أو هكذا بدأت أظن. خطواتي كانت منتظمة على الرصيف، وكان صوت حفيف الأوراق الجافة تحت حذائي هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت المريح.
لم أفكر في كلمات المدير التي كانت مملة ورتيبة ، ولا في الترتيبات الجديدة في الفصول، عقلي كان منشغلاً بأشياء أكثر أهمية، أو ربما أكثر تشويشاً. استرجع وجه أليستر، صديقي الأول هنا، والذي بالكاد مرت بضع ساعات على لقائنا، يا له من يوم، بدأ بالتوتر في قاعة الرياضة، وانتهى بنا ونحن نضحك بجوار البحيرة. هل كانت نزهتنا سريعة جداً؟ تساءلت، لم نكن نعرف بعضنا البعض بشكل جيد بعد، لكن الضحكات كانت حقيقية، والشعور بالراحة كان مفاجئاً، كأننا نعرف بعضنا منذ زمن. لأول مرة منذ سنوات، لم أشعر بأنني شفاف، لم أكن باسكال الغريب الذي لا يملك من يشاركه الحديث.
ثم تذكرت الفتاة في المكتبة، لم أتبادل معها كلمة واحدة، لكنني رأيتها وهي تمد يدها لتصل إلى رف عالٍ، شعرها البني كان منسدلاً على كتفيها، كانت ترتدي نظارة سميكة تجعلها تبدو كطالبة جادة، لكن ابتسامتها العابرة التي لاحظتها عندما التقت عيوننا في المرة الأولى عند انتقالنا كانت حارة ومبهمة ، وجهها بقي عالقاً في ذهني كصورة جميلة لم أكمل رؤية تفاصيلها. ربما أراها غداً، ربما لا، لكن فكرة وجودها جعلت اليوم يبدو أكثر إثارة.
عندما وصلت إلى منعطف الشارع الذي يؤدي إلى منزلنا الجديد، تذكرت بين. رأيته للحظات فقط عندما عدت من البحيرة، نظرته الغريبة للحياة حبه للكتابة ، الإبتعاد عن تكوين الصداقات ، شخصيته كانت كأرض لم تُكتشف بعد. يا له من يوم حافل بالوجوه الجديدة، أليستر الصريح والمرح، الفتاة الغامضة في المكتبة، وبين الذي يبدو كأنه يحمل أسراراً.
فتحت باب المنزل ووجدت رائحة حساء أمي تملأ المكان، رائحة دافئة ومألوفة وسط كل هذا الجديد. أبي كان يقرأ جريدته وهو يجلس على الأريكة. لقد عدت ناديت، ملقياً الشال على كرسي مجاور.
_ مرحباً بك يا باسكال، كيف كان يومك الأول في الثانوية الجديدة؟ سألت أمي وهي تخرج من المطبخ تحمل طبقاً من الكعك.
_ كان جيداً يا أمي، جيد جداً أجبت بابتسامة حقيقية، لم تكن مجرد مجاملة، كانت حقيقة. هذه المدينة الجديدة، بالفرون، يبدو أنها تحمل وعداً، وعداً بحياة لم أعشها من قبل.
تناولنا العشاء على عجل، وبدا أبي وأمي سعيدين بإيقاع الحياة الجديد. لكنني لم أشعر بالراحة كان هناك غياب مزعج في المشهد.
_ أين زورو؟ سألت أمي، وقد لاحظت الشيء نفسه.
كنتُ أبحث عنه في المطبخ، تحت الطاولة حيث اعتاد الجلوس لم يكن هناك. وجدتُه أخيراً في الزاوية، ملفوفاً على نفسه في بطانية أحضرناها من بيرث اقتربتُ منه وناديته، لكنه لم يرفع رأسه المعتاد، لم يكن هناك ذلك اللهث المتلهف الذي اعتدته.
انقبض قلبي. "زورو؟" جلستُ على ركبتي بجواره. مددتُ يدي لأربت على ظهره، لكنني سحبتها بسرعة كان ساخناً جداً كان يتنفس ببطء وبصعوبة، وكأنه يصارع شيئاً ما في صدره.
_ أمي! أبي! تعالوا بسرعة! ناديتُ بصوت مرتجف، لم أحس بهذا القدر من القلق منذ فترة طويلة.
جاء والداي مسرعين. أحسّت أمي بحرارته وقالت بصوت خفيض ولكنه مليء بالرعب:
_ يا إلهي، باسكال، إنه مريض للغاية.
أبي وضع يده على جبهته.
_ الحرارة مرتفعة، لقد حصل له شيء في الطريق. يجب أن نذهب به إلى البيطري الآن.
_البيطري؟ أين نجد بيطرياً يعمل في بالفرون في هذا الوقت المتأخر؟" سألت أمي وهي تبحث بهستيريا في هاتفها.
_ لا وقت لذلك، سأبحث في الإنترنت عن أقرب عيادة طوارئ. هيا يا باسكال، خذ البطانية واحمِ رأسه.
حملتُ زورو، الذي كان ثقيلاً وهاجعاً بشكل مخيف، ولففته بالبطانية. في تلك اللحظة، لم أعد أفكر في أي شيء ، كان زورو هو كل عالمي الآن، صديقي الوحيد الذي لم يتخلَ عني ، وكان الآن يتألم بصمت.
ركبنا السيارة مجدداً. كانت رحلة قصيرة لكنها بدت لي دهراً، كنا نسير في شوارع بالفرون الهادئة، وأضواء المصابيح تخفي الضباب الخفيف، وصلنا إلى عيادة بيطرية في بلدة قريبة تدعى ستراتفورد، كانت صغيرة لكنها مضاءة بالكامل.
في الداخل، استقبلتنا طبيبة شابة بزي أخضر وابتسامة مهنية.
_ ما المشكلة؟ سألت بهدوء وهي تشير إلى غرفة الفحص.
_ إنه زورو، كلبي. كان بخير تماماً هذا الصباح، والآن... الآن هو ساخن ولا يستجيب جيداً، همستُ وأنا أسلمه لها.
وضعت الطبيبة زورو بلطف على طاولة الفحص المعدنية الباردة. بدأت تفحصه بعناية، تقيس حرارته وتستمع إلى صدره بـ "السماعة الطبية" . ساد صمت مزعج قطعه تنهد أبي القلق بعد دقائق بدت وكأنها ساعات، التفتت إلينا.
_ الحرارة مرتفعة جداً، ومن الواضح أن لديه التهاباً رئوياً حاداً، ربما بسبب التعرض للبرد الشديد أثناء النقل، خصوصاً وأن الطقس هنا في اسكتلندا قاسٍ ليلاً. أومأت برأسها نحو أبي وأمي.
_هذا كلب يحتاج إلى رعاية مركزة.
شعرتُ برغبة في الصراخ. هل سأفقده الآن، بعد أن نجوتُ به من بيرث؟
_ وماذا يعني ذلك بالضبط؟ سأل أبي بصوت حاد.
_ حسناً، يجب أن يبقى هنا. سنضعه على المحاليل الوريدية، وندعم تنفسه ونعطيه المضادات الحيوية القوية، إنه بحاجة إلى بيئة دافئة ومراقبة مستمرة. وتابعت وهي تنظر إليّ مباشرة: سيحتاج للبقاء في العيادة لمدة ثلاثة أيام على الأقل.
_ ثلاثة أيام؟ هل سيتحسن؟ سألتُ، بالكاد استطعت إخراج الكلمات.
ابتسمت الطبيبة بحرارة محاولة طمأنتي.
_ سنبذل كل ما في وسعنا، لكنه قوي، ويحتاج للوقت للتعافي. لا تقلق، هو في أيدٍ أمينة هنا. يمكنكم الاتصال غداً لمعرفة حالته.
سلمتُها البطانية، ووضعتها برفق بجانب زورو. نظرتُ إلى عينيه المغمضتين للمرة الأخيرة، شعرتُ بالضياع، وكأن جزءاً من روحي بقي على طاولة الفحص المعدنية خرجتُ من العيادة والبرد القارس يلفني.
في السيارة، لم يتحدث أحد. كنتُ أنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم التي أعجبتني ليلة البارحة، لكنها بدت الآن باردة ومتباعدة بالأمس، شعرت أن بالفرون تحمل وعداً ببداية جديدة أما اليوم، فبدا وكأن أول تحدٍ في هذه المدينة الجديدة هو أن أتخلى عن صديقي الوحيد، ولو مؤقتاً شعرت بعبء المسؤولية التي لم أستطع تحملها بالكامل، وهو ما جعلني ألوم نفسي.
عدتُ إلى المنزل، الفراغ الذي تركه زورو كان أكبر من حجم المنزل بأكمله صعدتُ إلى غرفتي، ورغم إرهاق اليوم، لم أستطع النوم.
بدأتْ حياتي الاجتماعية للتو في بالفرون بـ أليستر و بين، ولكن في الليلة الأولى، شعرت بالوحدة مجدداً، بوحدة أعمق وأكثر ألماً، لأنني كنتُ الآن وحيداً من دون صديقي الصامت الذي جلبته معي من المدينة القديمة.