أول يوم في بالفرون1

أول يوم في بالفرون1

19 0

كانت الساعة تقارب التاسعة مساءً، والظلام قد خيّم تماماً على بالفرون كنا قد فرّغنا معظم الصناديق الكبيرة التي لا يمكن تأجيلها، ورميناها على شكل كومة في زاوية غرفة المعيشة التي بدت أوسع الآن وأكثر غموضاً.

التعب كان ينهش عظامي لم أكن أدرك كم أن نقل الأغراض مرهق جسدياً وعاطفياً كل كتاب رفعته، وكل قطعة ملابس سحبتها من الكيس، كانت تصرخ باسم "بيرث".

أبي كان يبدو عليه الارتياح أخيراً جلس على إحدى الأرائك المغطاة بشرشف أبيض، يمسح العرق عن جبينه _لقد انتهينا من المرحلة الأصعب يا مارغريت الآن، يمكننا التخطيط لغزوات الترتيب.

ردت أمي بصوت متعب لكنه يحمل نبرة تفاؤل:

_أنت محق يا جيمس رائحة هذا البيت رائعة، بالرغم من كل الغبار رائحة الخشب القديم والمدفأة التي لم تُستخدم منذ زمن.

أما أنا، فكان اهتمامي ينصبّ على زورو. طوال فترة انشغالنا، كان يتنقل بين الأقدام، يستكشف كل زاوية في المنزل الحجري الجديد، يشم الأرضيات الخشبية القديمة بعد أن هدأت الحركة، لاحظت أنه استقر في المطبخ تحت طاولة لم نركبها بعد.

_سأخرج زورو قليلاً في الحديقة الخلفية، قلت لأبي وأمي.

في الخارج، كان الهواء بارداً ونقياً بشكل لا يصدق لم يكن هذا هواء المدينة الممزوج بالدخان والضجيج الذي اعتدت عليه في بيرث كان هواءً ثقيلاً، رائحته تراب رطب وأوراق شجر لم أكن أسمع شيئاً سوى صوت أنفاسي وصوت حشرجات زورو الخفيف وهو يستكشف الأعشاب الطويلة

_لا تبتعد كثيراً أيها الفتى، همست له، بينما جلست على الدرجة الخلفية.

رفعت رأسي نحو السماء نجوم بالفرون كانت مختلفة في بيرث، كانت الأضواء قوية لدرجة أنها تبتلع النجوم. هنا، بدت السماء سقفاً مخملياً أسود مرصعاً بألماس حقيقي ربما كان هذا هو الجزء الجيد في الانتقال إلى قرية نائية.

1

شعرت بالوحدة، وهي وحدة لم أشعر بها في رحلة السفر المليئة بالضحك والأحاديث. الآن، هدأ كل شيء، وأدركت أنني في مكان غريب، بعيد عن كل ما ألفته. لا أصدقاء، لا أماكن مألوفة... لا شيء سوى هذا المنزل الذي ينبعث منه ضوء خافت.

فجأة، تذكرت وجه الفتاة التي رأيتها عند إنزال الأغراض جزء من وجهها فقط، لكن الصورة ظلت محفورة في ذهني. كانت نظرة عابرة، لم تكن تنظر إليّ ربما، لكن مجرد وجودها في هذا الشارع أعطى المكان نكهة غير متوقعة أصبحت بالفرون في لحظة واحدة ليست مجرد خريطة، بل مكان قد يخبئ شيئاً مثيراً للاهتمام.

"أووووه،" صدر صوت غريب من زورو، وكأنه وجد شيئاً عاد يركض إليّ، يخبئ وجهه بين ساقي.

ضحكت بخفّة، ربتّ على رأسه.

_ ما هذا؟ هل هو شبح اسكتلندي أم ضفدع عملاق؟

التقطته وحملته وعدت إلى الداخل. في المطبخ، بدأت أمي بغلي الماء لصنع الشاي، بينما كان أبي يقرأ نشرة إعلانية عن مدرسة بالفرون الثانوية.

_انظر إلى هذا باسكال، قال أبي، مشيراً بإصبعه. :لقد حصلت مدرستك الجديدة على تقييم ممتاز العام الماضي. ليس سيئاً، أليس كذلك؟

أومأت، لكن عيناي كانت تحدقان في صورة المبنى في النشرة: مبنى كبير من الحجر الرمادي، مهيب ، هناك خلف تلك الجدران ستكون أول لقاءاتي الحقيقية مع بالفرون وهناك، سأرى ذلك الوجه الغامض مجدداً.

شعرت بنوع من الترقّب يختلط بالخوف الانتقال دائماً صعب، لكن ربما هذه المرة، يحمل التغيير شيئاً يستحق العناء ربما كانت تلك النظرة الخاطفة التي لا أستطيع نسيانها، هي إشارة على ذلك.

_حان وقت النوم، قالت أمي، وهي تضع لي كوب شاي ساخن.

صعدت إلى غرفتي الجديدة في الطابق العلوي، والتي كانت عبارة عن فوضى من الكتب والملابس أغلقت الباب خلفي، ووضعت زورو على الأرض ،من النافذة كانت أضواء بالفرون الخافتة هي كل ما يذكرني بوجود عالم خارج هذا الصندوق الحجري.

تسللت إلى سريري المؤقت، مغطياً نفسي ببطانية صوفية ثقيلة. أغمضت عيني، وبدلاً من أن أرى فوضى الصناديق، رأيت لثانية خاطفة لانعكاس ضوء القمر في زجاج النافذة "ليلة سعيدة يا بالفرون،" تمتمت قبل أن أسقط في النوم، مدركاً أن الحياة في هذه القرية قد بدأت للتو.

فتحت عينيّ على إيقاع جديد تماماً لم يكن ضجيج السيارات السريع أو صافرات الحافلات هو ما أيقظني، بل صوت قرقعة خفيفة وحفيف من المطبخ في الطابق السفلي، نظرت إلى النافذة كانت الأشجار المحيطة بالمنزل مغطاة بضباب خفيف، ضباب الصباح الاسكتلندي الذي يغلف كل شيء بهالة رمادية ناعمة لقد كان الجو بارداً، باردًا جداً.

تأوهت قليلاً وأنا أخرج من تحت البطانية الصوفية الثقيلة زورو كان لا يزال نائماً في زاويته، يرتجف قليلاً نزلت السلالم الخشبية القديمة، رائحة لا تُقاوم تملأ المنزل كانت مزيج من الخبز المحمص، والقهوة القوية، وشيء من البيض المقلي، كانت رائحة المنزل التي اعتدتها في بيرث، لكنها في هذا الصباح، بدت منعشة وخالية من التوتر.

وجدت أمي في المطبخ، ترتدي مريلة صفراء زاهية كانت تقف أمام فرن الغاز الحديدي القديم الذي يعمل بشكل ما، كانت غارقة في مهمتها وكأنها في معركة، وجهها محمر قليلاً من حرارة الطبخ، ويدها تمسك بملعقة خشبية كبيرة، وهي تدندن أغنية قديمة لم أعد أذكر اسمها

_صباح الخير يا بطل النوم، قالت أمي دون أن ترفع نظرها، مبتسمة.

_صباح النور. ما هذه الرائحة؟ سألت، وأنا أقترب كانت الطاولة الصغيرة، التي تم إنقاذها من كومة الأغراض ليلة أمس، مُغطاة بالصحون كان هناك فطور اسكتلندي متكامل، لكن بلمسة أمي المعتادة الفاصوليا المطهوة في صلصة الطماطم، قطعة من خبز البطاطس "التاتي سكون" المحمص ببراعة، وبيضتان مقليتان. كانت قطعة التوست موضوعة في حامل التوست المعدني القديم، لا تزال دافئة وتفوح منها رائحة الزبدة لكن الشيء الذي لفت انتباهي هو طبق الكعك الصغير الموضوع جانباً، كعك الشوفان الاسكتلندي "Oatcakes"، الذي لم نكن نأكله كثيراً في بيرث.

همست أمي في أذني :

أفطر يا حبيبي، لديك يوم مهم اليوم، وهي تضع أمامي طبقي المليء بكل هذه الخيرات.

_عليك أن تبدأ عامك الجديد بطاقة، فالثانوية لا ترحم.

انضم إلينا أبي بعد لحظات، مرتديًا قميصه النظيف، بدا مستيقظاً ونشيطاً، وكأن ليلة واحدة في بالفرون كانت كفيلة بشحن طاقته.

_هل أنت مستعد، باسكال؟، سأل أبي، وهو يرتشف كوب القهوة. "أيام الدراسة تبدأ هنا."

بعد الانتهاء من فطور لم أشبع مثله منذ زمن، أخذت حقيبتي على كتفي زورو كان يلاحقني نحو الباب.

_عليك أن تبقى هنا اليوم يا زورو. لا يمكنك أن تقضي يومك الأول في المدرسة في الرواق. أغلق أبي الباب خلفي ببطء.

كانت السيارة تتحرك ببطء في شوارع بالفرون الهادئة، التي بدت صغيرة ومرتبة المنازل الحجرية متراصة، والأشجار على جانبي الطريق لا تزال مبتلة بالندى ،أبي كان صامتاً لوهلة، ثم التفت إليّ وهو يبتسم ابتسامته المائلة.

_أنظر إليك، باسكال رجل المدينة الذي أصبح فتى القرية. لا تقلق، بالفرون ليست نهاية العالم.

_أنا لا أقلق، كذبت فوراً، القلق كان يغلي في معدتي

_بالطبع لا تقلق، أنت باسكال. لكن اسمعني، قال وهو يخفف من سرعة السيارة عند وصولنا إلى مبنى كبير من الحجر الرمادي القديم والمحاط بسور حديدي ضخم. لقد كانت ثانوية بالفرون. كانت تبدو مهيبة، وربما مخيفة قليلاً.

_ها قد وصلنا. انزل، أشار أبي نحو البوابة الرئيسية حيث كان الطلاب يتوافدون، بعضهم يضحك بصوت عالٍ، وبعضهم الآخر يبدو متوتراً مثلي تماماً، توقفت السيارة نظرت إلى أبي، الذي كان يضع يده على عجلة القيادة،

ابتسم أبي ابتسامة ساخرة، لكنها تحمل قدراً كبيراً من الود.

_انطلق الآن لا تنس أن تبحث عن أصدقاء جدد. لا أريدك أن تجلس وحيداً في وقت الغداء، ابحث عنهم... وأنا أنصحك أن تختارهم بدقة، لا نريد أصدقاء يعتقدون أن بيرث تبدو وكأنها 'هوليوود اسكتلندا'.

ضحكت رغماً عني، كانت هذه طريقته الساخرة في تشجيعي.

_سأفعل يا أبي.

_ممتاز. استمتع بأول يوم لك،قال أبي. والأهم... تذكر جيداً طريق العودة إلى المنزل. بالفرون ليست كبيرة، لكن الضياع في اليوم الأول سيكون نهاية العالم بالنسبة لسمعتك.

نزلت من السيارة، وأغلقت الباب، انتظرت حتى رأيت سيارة أبي تنعطف وتختفي عن الأنظار، ثم أخذت نفساً عميقاً، نظرت إلى الطلاب من حولي لم أكن أبحث عن أي وجه معين، ليس بعد لكن شيئًا في داخلي كان يعلم لقد كانت هنا في مكان ما، مشيت نحو البوابة ثانوية بالفرون، ها أنا آت.

انزلقتُ من الباب الزجاجي الكبير إلى الداخل كان المكان ضخماً، مزيجاً من الممرات الواسعة والمزخرفة بقوالب طوب داكنة، والملصقات الملونة المعلقة بشكل فوضوي على جدران لم أستطع فهم أي منها كان صوت الحركة صاخباً، خليطاً من الضحكات والهمسات وطقطقة الخزانات المعدنية المفتوحة والمغلقة ، سرعان ما وجدتُ نفسي تائهاً في بحر من الأجساد المتحركة كان الجميع يعرفون وجهتهم، يتحركون بثقة في مسارات مرسومة في أذهانهم، بينما كنتُ أنا أتخبط كمركب فقد شراعه، حاولت البحث عن أي علامة إرشادية، لكن كل ما رأيته هو مزيد من الأبواب المتشابهة.

توقفتُ بجوار خزانة خشبية قديمة، أتظاهر بترتيب حمالة حقيبتي، وأمسكت بنظري أستاذاً بدا هادئاً، يرتدي سترة بنية داكنة ونظارة طبية سميكة، جمعت شجاعتي ومشيت نحوه.

_عفواً يا أستاذ...؛ كان صوتي مهتزاً أكثر مما توقعت.

ابتسم لي بلطف، ابتسامة أعادت لي قليلاً من التوازن

_أهلاً بك ، هل أنت جديد؟

_نعم. أنا باسكال. لقد انتقلتُ حديثاً من بيرث. هل يمكنك إرشادي؟ قالوا إن هناك كلمة ترحيب من المدير...

_بالطبع يا باسكال. لا تقلق. جميعنا شعرنا بهذا في يومنا الأول. اذهب إلى الأمام في هذا الممر حتى نهايته، ثم انعطف يساراً. ستجد القاعة الرياضية الكبيرة، والتي نستخدمها اليوم كقاعة ترحيب. سيشير إليك أحدهم عند المدخل.

شكرته وتوجهت حيث دلّني ، عندما وصلت إلى القاعة، كان الجو مختلفاً هادئاً نسبياً مع مئات الكراسي البلاستيكية المصفوفة في صفوف طويلة كان الطلاب يجلسون في مجموعات صغيرة، يتبادلون النكات بنبرة خافتة

وجدتُ مقعداً خالياً في الصف الأخير، بعيداً عن الأنظار وجلستُ مرتاحاً لإيجاد مكان للاختباء فيه، لم يمر وقت طويل حتى أحسست بحركة بجواري رفعْت رأسي لأجد فتى أطول مني قليلاً بعينين صافيتين ووجه ودود، يحمل حقيبة كتب جلدية قديمة.

_هل هذا المقعد محجوز؟ سأل وهو يشير إليه .

_ لا، تفضل.

جلس بجواري ورمى حقيبته على الأرض، مدّ يده إليّ دون تردد.

_ أهلاً. أنا أليستر. لكن ينادونني ألي.

مددتُ يدي لمصافحته، شعرت بدفء أصابعه في يدي.

_"باسكال."

_باسكال... اسم غير مألوف. هل أنت من هذه المنطقة؟ سأل أليستر، ناظراً إلى سقف القاعة المرتفع.

_في الواقع، لا. لقد انتقلنا إلى بالفرون بالأمس. كنا نعيش في بيرث.

أومأ أليستر برأسه بتفهم، وكأنه يسمع هذا الأمر كل يوم

_أهلاً بك إذاً في ثانوية بالفرون مدرسة قديمة، كما ترى تأسست في العشرينيات، والمبنى الأساسي هذا شهد أكثر من سبعين عاماً من الضجيج والهدوء قد تبدو معقدة في البداية، خاصة وأن الممرات تبدو متشابهة، لكنك ستعتاد عليها، كل شيء هنا له مكانه وزمانه الخاص. هل تعرف ما هو صفك؟

_لا، لم أستلم الجدول بعد.

_لا تقلق، ستفعل ذلك بعد كلمة المدير. الأمر هنا منظم بشكل جيد في النهاية، حتى لو بدا كالفوضى في البداية.

شعرت بالراحة وهو يتحدث عن المدرسة بهذه البساطة، كأنه يصف منزلاً قديماً يعرف كل زواياه.

_بالفرون هادئة جداً مقارنة ببيرث، أليس كذلك؟ سألته محاولاً إطالة الحديث.

_بعض الشيء، نعم لكننا نتميز هنا بالبحيرة، وهناك الكثير لتفعله إذا عرفت أين تبحث، خاصة حول التلال القريبة هل تحب المشي؟

_لم أجرب ذلك كثيراً، لكني أحب قضاء الوقت في قراءة الكتب، خاصة تلك التي تتحدث عن الأساطير القديمة، وكيف يمكن تحليلها لفهم طبيعة الإنسان... مثل أسطورة إيكاروس.

ابتسم أليستر بمرح.

_إيكاروس! حسناً يا باسكال، يبدو أن لدينا فيلسوفاً جديداً هنا. أنا لست قارئاً مثلك، لكن يمكنني أن أريك بعض الأماكن الرائعة في المدينة إذا أردت. على أي حال، لا بد أنك مررت بوقت صعب في الانتقال.

_بلى، قليلاً. لم يكن الأمر سهلاً أن أترك كل شيء ورائي لكنني أتطلع لبداية جديدة.

في تلك اللحظة، قطعت فتاة شابة الممر المليء بالكراسي متجهة نحونا كانت تحمل دفتراً وابتسامة واسعة

_أليستر! كنتُ أبحث عنك.

وقف أليستر، وبدا على وجهه بعض التوتر السعيد

_آه، هذه كاثرين. كاثرين، هذا صديقي الجديد باسكال. باسكال، هذه كاثرين.

تبادلتُ معها ابتسامة خجولة، ثم التفت أليستر إليّ.

_عليّ الذهاب الآن، لدي موعد لمناقشة شيء معها. لكن اسمع، أين سنلتقي لاحقاً؟ ليس في هذه القاعة لأن خطاب المدير ممل، أليس كذلك أيها الأسطوري؟ قالها ضاحكاً.

_ليس في هذه القاعة، حسناً.

_لنتقابل عند البوابة الرئيسية للمدرسة، بعد انتهاء الكلمة ومهزلة تسليم الجداول. ما رأيك؟

_ممتاز.

_حسناً يا باسكال. أراك لاحقاً.

غادرا معاً، وشعرت بشيء من الفراغ يعود إليّ. جلستُ مجدداً على الكرسي. تذكرت أنني لم أسأل أليستر عن مكان المكتبة، وشعرت برغبة ملحة في التوجه إليها، لا أريد الانتظار لمعرفة الأساطير التي تختبئ بين رفوف بالفرون.

نهضتُ بهدوء وتسللتُ خارج القاعة، عدتُ إلى صخب الممرات لكن هذه المرة كان لديّ هدف محدد. بعد أن سألتُ طالبة عابرة بخجل وجدتُ نفسي أمام باب خشبي ثقيل يحمل لافتة "المكتبة".

دفعتُ الباب ودخلت. كان المكان هادئاً، ملاذاً محاطاً بجدران من الكتب رائحة الورق القديم والغبار كانت كالموسيقى بالنسبة لي، توجهتُ مباشرة إلى قسم التاريخ والأساطير، أمرر يدي على عُقد الكتب الملونة، أبحث عن أيقونة مألوفة أي شيء يخص إيكاروس أو بروميثيوس

وبينما كنتُ أتفحص الصفوف العليا؛ شعرت بها.

لم يكن اصطداماً جسدياً، بل إحساساً روحياً فجائياً وكأن تياراً كهربائياً سار في جسدي لم أحتج لأرى وجهها كاملاً، فقد كنتُ أعرفها هي الفتاة التي رأيتُ وجهها للحظة خاطفة بينما كنا ننزل الأغراض في منزلنا الجديد كانت تقف على بعد أمتار قليلة مني، ظهرها إليّ منهمكة في تصفح كتاب يبدو ثقيلاً.

كانت تصفيفة شعرها فريدة، مميزة كالأمواج الهادئة لم يكن شعراً مستقيماً ولا مجعداً، بل بنيّ اللون ينسدل على كتفيها في تَمَوُّجات رقيقة، وكأنه خيط من النحاس خفيف التجعيد يلقي بظلاله على عنقها الناعم.

بقيتُ حيث أنا، في زاوية الرفوف متجمداً تمنيتُ لو أنها لا تلتفت لم أكن مستعداً بعد، كان يكفيني أن أراها هذه النظرة من بعيد كانت كافية لتجعل نبض قلبي يتسارع، وكأن روحي قد تعرفت عليها قبل أن يراها عقلي هي هنا في نفس المدرسة، في نفس المدينة هذا ما شعرتُ به.

بعدما أحسست بهذا الشعور الغريب ، أخذت خطوة إلى الوراء وذهبت لأبحث بين الرفوف عن كتاب يخص اهتمامي ، بعد بحث طويل في رف كتب التاريخ وجدت كتابا بعنوان " أساطير خالدة بين السطور " وبينما أنا أتصفحه لمحت عيني كلمة إيكاروس الأسطورة التي كنت أبحث عنها ، أغلقت الكتاب وهبت متوجهاً نحو أمينة المكتبة لأطلب استعارة هذا الكتاب ، وجدتها غارقة بين الأوراق وكأنها تبحث عن شيء .

_اعذريني ، من فضلك.

_نعم ! هل تحتاج شيئا ما ؟

_ أريد أن أستعير هذا الكتاب

_طبعا . يمكنك ترك بطاقة المكتبة ، وعند إرجاع الكتاب يمكنك استعادتها

_أنا جديد هنا ولم أحصل بعد على بطاقة المكتبة

_للأسف لايمكنك استعارته، أو يمكنك أن تدلني على إسمك الكامل ومستواك دراسي هنا في هذه الثانوية لكنك ستعدني بأنك ستعيده سالماً

_حسناً... إسمي الكامل هو " باسكال ماكلين"، سأدرس في الصف الخامس هذا العام .

_حسناً إذن ياباسكال ، لديك مدة شهر لإستعارة هذا الكتاب

_حسناً ، شكراً لك ، أتمنى لك يوماً سعيداً

قبل أن أغادر المكتبة استدرت لأجد تلك الفتاة جالسة بعيداً في طاولة ، ويبدو أنها غارقة في قراءة كتاب لم أردها أن تراني لكي لا أبدو كالملاحق ، أخذت الكتاب من فوق مكتب الأمينة ، أمسكت كتاب "أساطير خالدة بين السطور " بأصابع مرتجفة قليلاً، وكأن صفحاته تحمل سرًا أثقل من حكايات الجن والأبطال. كان عليّ أن أخرج. يجب أن أغادر قبل أن ترفع هي عينيها من فوق كتابها الأصفر الغلاف، أو قبل أن تشعر بوجودي الذي أثقل فضاء المكتبة الهادئ.

مررتُ قربها، بقرب تلك الطاولة الخشبية اللامعة، ورائحة الكتب القديمة تملأ رئتيّ. مشيتُ بخطوات متوترة، مستمعًا لصوت حذائي على الأرضية الخشبية. حتى وصلتُ إلى الباب الدوار الذي ابتلعني وأعادني إلى ضوضاء الممر الصاخبة. لم أتلفت. لم أستطع. خفتُ أن أجد عينيها الجميلتين تلاحقاني.

أفلتُ من المبنى الرئيسي كهارب، لكن وجهتي لم تكن المنزل، توجهتُ إلى المبنى الإداري الصغير الذي أشار إليه مدير المدرسة في قاعة الرياضة قبل قليل، كان الوقت مبكرًا بما يكفي لتجنب زحام الطلاب،وصلتُ إلى مكتب السكارتيرة كانت سيدة بابتسامة دافئة وشعر قصير رمادي خلف مكتب مزدحم بالأوراق.

_مرحباً بك ، تفضل بالجلوس.

_شكرًا لكِ، سيدتي لقد أتيت لاستلام جدول الحصص وكل ما يتعلق بالدراسة.

_ هل يمكنك اخباري بمستواك دراسي ؟

_طبعا . صف الخامس

_أجل، تفضل، هذا هو جدولك كاملاً، صفك هو 2ب وستجد قاعة صفك في المبنى الشمالي، الطابق الأول. هنا خريطة مصغرة للمدرسة قد تساعدك. وها هي قائمة بالكتب والمواد التي ستحتاجها.

تناولتُ الأوراق. كانت ألوان الخطوط المتشابكة على الجدول تبدو كرموز غامضة.

_أتمنى لك بداية موفقة هنا في ثانوية بالفرون . إذا احتجت لأي شيء، فلا تتردد في المجيء.

_شكرًا جزيلاً لك.

خرجت حاملاً بيدي جدولاً ثقيلاً بالمسؤولية وخريطة لمتاهة جديدة تنهدت بعمق، محاولًا ترتيب فوضى الأرقام والحروف والتواريخ في رأسي. لم أكن متحمسًا للبدء، لكن فكرة رؤية أليستر كانت كفيلة بتخفيف وطأة الأمر

وصلت إلى البوابة الرئيسية للمدرسة. كان الهواء باردًا ومنعشًا، ورائحة العشب المبلل تملأ المكان. لم أنتظر طويلاً حتى رأيت أليستر يلوّح لي من بعيد. كان يرتدي قميصًا رياضيًا خفيفًا، وبدا مستعدًا لمغامرة.

_مرحبًا يا باسكال! لم تتأخر. هل سويت أمورك الإدارية؟

_أجل، الجدول معي الآن، لكنه يبدو كخطة حرب معقدة.

_لا تقلق، سأشرح لك الأمر. لكن دعنا نخرج من هنا أولاً. هل أنت مستعد لبعض الهواء النقي؟

_بكل سرور. إلى أين؟

_سأريك مكانًا هادئًا وجميلاً. إنه المكان المفضل لي عندما أحتاج للابتعاد عن ضجيج بالفرون، خاصة بعد قضاء يوم كامل في التدريب . إنه مكان مثالي للجلوس والتفكير، أو ربما... للهروب.

_الهروب؟ يبدو ذلك مناسبًا جدًا لحالتي.

مشينا جنبًا إلى جنب، نتجاذب أطراف الحديث عن بيرث وعن الفرق بين المدينتين.

_بيرث مدينة رائعة، لكن بالفرون أكثر... هدوءًا، وتلك التلال التي تحيط بها، إنها مهيبة.

_ستعتاد عليها. وهذه التلال هي جزء من سحرها هيا، لم نعد بعيدين.

بعد سير دام حوالي ربع ساعة، انحرفنا عن الطريق الرئيسي وسرنا في مسار ضيق تحيط به الأشجار فجأة، انفتحت المساحات الخضراء أمامنا، واجتاحتني رؤية ساحرة.

كانت هناك، بحيرة واسعة هادئة كسطح مرآة، تعكس زرقة السماء وألوان الغابات المحيطة بها. بحيرة إندريك ووتر، هذا هو اسمها الذي همس به أليستر كأنه سر مقدس.

_يا إلهي، أليستر، هذا مذهل!

_أليس كذلك؟ مياهها باردة ونقية جدًا. إنها المكان الذي ألجأ إليه دائمًا. انظر، يمكننا الجلوس هناك على تلك الصخور الكبيرة.

جلسنا على إحدى الصخور المطلة على البحيرة. كان الصمت الذي يلف المكان مريحًا، ولم يقطعه سوى صوت خفيف لحفيف أوراق الشجر.

_ماذا تفكر به يا باسكال؟

_لا أدري... كل شيء هنا جديد جدًا ومختلف. أحاول استيعاب الأمر العيش في بالفرون، المدرسة الجديدة، الوجوه الجديدة...

_أفهمك. الانتقال صعب، خاصة في سننا لكنك ستكوّن صداقات رائعة هنا.

_آمل ذلك. لدي زورو، وهذا يكفي حاليًا.

_من هو زورو؟

ضحكتُ.

_إنه كلبي، وجدته في الشارع ببيرث عندما كان صغيرًا. لقد أحضرته معي.

_يا له من اسم رائع! يجب أن أراه يومًا ما.

_بالتأكيد. لكن أليستر، أخبرني عن هذه المدينة ما هو الشيء الذي يجب أن أعرفه عنها؟

_أهم شيء؟ لا يوجد شيء مهم يثير القلق. بالفرون هادئة، ولديها روح فريدة الناس طيبون، لكنهم حذرون قليلاً من الغرباء في البداية. لكن، ما الذي جعلك تختار هذه المدرسة تحديدًا؟

_أبي وأمي أرادا الابتعاد عن صخب المدينة والدي يعمل في الهندسة، وحصل على فرصة عمل هنا اعتقد أنها جيدة لنا جميعًا.

_حسنًا، قد تكون فرصة جيدة بالفعل انظر إلى هذا المكان أراهن أنك لن تجد شيئًا كهذا في بيرث.

نظرتُ إلى البحيرة. المياه الزرقاء، انعكاس الجبال في الأفق. كان أليستر محقًا. هناك سحر هنا، سحر من نوع لم أعهده من قبل. تذكرت وجه الفتاة في المكتبة. قد يكون هذا المكان بداية جيدة.

_أجل، إنه سحر خاص. سحر يستحق الاستكشاف.

لوَّحتُ بيدي لأليستر وهو يبتعد راكضاً في الشارع الجانبي المؤدي إلى منزله، كانت نزهتنا حول البحيرة ممتعة، خففت من رهبة اليوم الأول في ثانوية بالفرون، اتفقنا على اللقاء عند بوابة المدرسة غداً، وأكملت طريقي نحو المنزل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صدى إيكاروس

المؤلف hamza chaalane
2026/01/07 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة