رقصة الوحوش في ثياب الحرير

رقصة الوحوش في ثياب الحرير

9 1

الفصل الرابع: رقصة الوحوش في ثياب الحرير كانت قاعة "صدى النجوم" في قصر فاليريان العائم تحفة معمارية تتحدى المنطق. السقف لم يكن مغلقاً، بل كان قبة شفافة سحرية تكشف سماء الليل حيث يسطع القمران التوأمان – أحدهما فضي والآخر قرمزي خافت – بوضوح تام. الأرضية كانت مصنوعة من زجاج بركاني مصقول يعكس النجوم، مما يعطي الضيوف شعوراً بأنهم يمشون في الفضاء المفتوح. الليلة، كانت القاعة تضج بنخبة إمبراطورية "أيثيريا". المئات من النبلاء، رؤساء العشائر الفرعية، وجنرالات الجيش السحري، تجمعوا بملابسهم الرسمية الفاخرة. الدروع الخفيفة المطلية بالذهب، والعباءات المنسوجة من خيوط المانا، والمجوهرات التي لم تكن للزينة فقط بل كانت أدوات سحرية دفاعية. الجو كان ثقيلاً برائحة العطور الباهظة المختلطة برائحة "الكهرباء الساكنة" الناتجة عن احتكاك هالات الحاضرين القوية. عند المدخل الرئيسي الضخم، قرع المنادي صولجانه الذهبي على الأرض، وتلاشى ضجيج المحادثات فوراً. "صاحب السيادة، الدوق الأكبر كرونوس فاليريان... وحرمه الأميرة سيرافينا سيليستيا... ووريثهما، اللورد الصغير أريسين." فُتحت الأبواب العملاقة. دخل الثلاثة. كان مشهداً يجسد توازن القوى المرعب في العالم. على اليمين، كرونوس ببدلته العسكرية السوداء كالليل، وهالته الباردة تجعل الهواء يتجمد حوله. على اليسار، سيرافينا بفستانها الأبيض المرصع بالماس، وهالتها المشعة تجعلها تبدو كملاك هبط للتو. وفي الوسط، يمسك بيدي والديه، سار أريسين. كان يبدو طفلاً في الرابعة، يرتدي بدلة مخملية كحلية اللون مع أوسمة صغيرة رمزية. شعره الأسود مصفف بعناية، ووجهه يحمل تعبيراً هادئاً لا ينم عن أي خوف من الحشود. عيناه كانتا طبيعيتين تماماً. اليمنى بلون الكهرمان الدافئ، واليسرى زرقاء عميقة. لا تروس، ولا نجوم. مجرد عيني طفل بريء... أو هكذا أرادوا أن يروه. ساروا عبر الممر الطويل وسط انحناءات الحضور. كان أريسين يشعر بنظراتهم. مئات العيون، بعضها يلمع بالفضول، وبعضها بالحسد، والبعض الآخر بالترقب الخبيث. كانت حواسه – حتى مع وجود حجر الكبح حول عنقه تحت قميصه – تلتقط همساتهم غير المسموعة. "هل هذا هو؟ يبدو صغيراً جداً." "سمعت أنه ولد ميكاً." "انظر إلى عينيه... تغاير لوني. علامة شؤم أم معجزة؟" "يقال إن كرونوس قتل ثلاثة منجمين تنبأوا بموته عند الولادة." وصلت العائلة إلى المنصة الرئيسية حيث كانت العروش الثلاثة موضوعة. لكن قبل أن يجلسوا، انشق الحشد من الجانب الآخر للقاعة، وتقدم رجل يرتدي الأبيض والذهبي الخالص، وعلى عباءته شعار "الشمس المشتعلة". كان رجلاً طويلاً، وسيماً بملامح حادة، وعيناه تشعان بضوء ذهبي مستمر لا ينطفئ – السمة المميزة للسلالة الحاكمة، عائلة سولاري. "الأمير لوسيان سولاري، المبعوث الإمبراطوري!" همس أحد النبلاء بصوت مسموع. ابتسم الأمير لوسيان ابتسامة دبلوماسية تخفي خلفها غطرسة إمبراطورية عمرها ألف عام. تقدم نحو كرونوس وانحنى انحناءة بسيطة، ند للند. "دوق كرونوس، أميرة سيرافينا،" صوته كان رخيماً ودافئاً كأشعة الشمس في الربيع. "الإمبراطور يرسل مباركاته. لقد طال انتظارنا لرؤية 'المعجزة' الصغيرة." حوّل لوسيان نظره المشتعل نحو أريسين. شعر أريسين بضغط خفي. لم يكن ضغطاً مرعباً مثل ضغط والده، بل كان "حارقاً". عيون السولاري تملك قدرة "الكشف". إنها تحرق الأكاذيب وتكشف جوهر المانا. "أهلاً بك يا سمو الأمير،" قال أريسين بصوت طفولي نقي، وانحنى ببروتوكول مثالي تدرب عليه لمئات المرات في الأيام الماضية. اقترب الأمير لوسيان خطوة، ومد يده ليربت على كتف أريسين. بدت حركة ودية، كأن عمّاً يلاطف ابن أخيه. لكن في اللحظة التي لمست فيها يد الأمير كتف الطفل، تغير الجو. تدفقت حرارة هائلة من كف الأمير. لم تكن ناراً حقيقية تحرق الملابس، بل كانت "إرادة حاكمة". مانا مركزة تهدف لاختراق دفاعات الطفل الجسدية وإجباره على إطلاق هالته كرد فعل دفاعي. كان فخاً. إذا أطلق أريسين هالته المرعبة الآن، سيعرف الإمبراطور أنه "تهديد". وإذا صرخ من الألم، سيعرفون أنه "ضعيف". توقف كرونوس وسيرافينا عن الحركة. كانا يعلمان ما يحدث، لكن التدخل المباشر ضد مبعوث الإمبراطور أمام النبلاء يعتبر إهانة سياسية. كان هذا اختبار أريسين الأول. تحت يد الأمير الحارقة، لم يرتعش أريسين. في عقله، كان المشهد مختلفاً. رأى تدفق المانا الناري يغزو كتفه. "حرارة بدائية..." حلل أريسين في جزء من الثانية. "يريد أن يرى جوهري؟ حسناً." بدلاً من المقاومة، وبدلاً من إطلاق "التنين" أو "الملاك"، فعل أريسين شيئاً أدق بكثير. استخدم مبدأ "الفضاء". قام بتحويل مسار الحرارة داخلياً. جعل نسيج الفضاء المجهري تحت جلد كتفه "ينزلق". الحرارة التي دخلت لم تجد هدفاً لتضربه، بل تم تمريرها عبر جسده وتفريغها بهدوء في الأرضية الزجاجية تحت قدميه. بدا الأمر وكأن جسد الطفل "بئر لا قاع له" ابتلع حرارة الشمس دون أن يتأثر. رفع أريسين رأسه وابتسم للأمير لوسيان، وعيناه الطبيعيتان تلمعان ببراءة مستفزة. "يدك دافئة جداً يا سيدي. هل أنت مريض؟ أمي تقول إن الحرارة علامة على الحمى." تجمدت ابتسامة الأمير لوسيان للحظة. لقد ضخ ما يكفي من الضغط لتركيع فارس بالغ، وهذا الطفل... يسأله عما إذا كان مريضاً؟ والأكثر رعباً، أين ذهبت المانا التي ضخها؟ لقد اختفت وكأنها لم تكن. سحب الأمير يده ببطء، ونظر إلى كفه بنوع من الريبة، ثم عاد لينظر إلى أريسين بنظرة جديدة. اختفى الاحتقار وحل محله الحذر. "أنا بخير، أيها اللورد الصغير،" قال لوسيان بضحكة جافة قصيرة. "يبدو أنك تتمتع بـ... بنية جسدية مميزة حقاً. كما هو متوقع من دماء فاليريان وسيليستيا." تدخلت سيرافينا بمهارة، وضعت يدها على كتف ابنها وسحبته قليلاً للخلف. "أريسين لا يزال صغيراً ولا يفهم تعقيدات المانا يا سمو الأمير. إنه يظن أن الجميع يملكون دفئكم." كانت كذبة بيضاء متقنة. حولت الموقف من "استعراض قوة مرعب" إلى "براءة طفولية وسوء فهم". ضحك النبلاء المحيطون مجاملةً، وخف التوتر. لكن كرونوس لم يضحك. التقت عيناه بعيني الأمير لوسيان. كانت رسالة صامتة: حاول لمسه مرة أخرى، وسأقطع يد الشمس نفسها. بدأت الموسيقى تعزف، وتفرق الحشد لبدء المأدبة. بينما كان أريسين يبتعد مع والديه نحو العرش، مال عليه كرونوس وهمس بصوت لا يسمعه إلا هو: "تفريغ مكاني... حركة ذكية. لكنك تركت بصمة حرارية على الأرضية تحت قدمك اليمنى. في المرة القادمة، وزع الضرر في الهواء." نظر أريسين للأسفل بطرف عينه، ورأى بالفعل بقعة سوداء صغيرة جداً من الزجاج المنصهر تحت كعب حذائه، أخفاها بذيل عباءته بسرعة. "سأتذكر ذلك،" همس أريسين، وهو يأخذ كأساً من عصير الفاكهة من خادم مار، عائداً لتمثيل دور الطفل المدلل. على الجانب الآخر من القاعة، كان الأمير لوسيان يراقبه وهو يرتشف مشروبه، بينما يهمس لمساعده الظلي: "أخبر الإمبراطور... أن التقرير كان خاطئاً. الطفل ليس معجزة عادية. إنه 'ثقب أسود'. لم أستطع قراءة قاعه." وهكذا، وتحت أضواء الأقمار واحتفالات النبلاء، بدأت رقعة الشطرنج تتحرك. أريسين، الذي كان يعتقد أنه يختبئ، قد وضع نفسه للتو في مركز الهدف، تماماً كما تمنى، ولكن أسرع مما خطط.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Tides Of Eternia

المؤلف ARES
2025/12/16 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة