اصداء في الصمت

اصداء في الصمت

12 1

الفصل الثاني: أصداء في الصمت لم يعد الهدوء إلى الجناح الملكي بسهولة. كان الهواء لا يزال مشحوناً برائحة الأوزون المحترق، تلك الرائحة التي تخلفها صواعق البرق بعد العواصف العاتية، لكن مصدرها هنا لم يكن السماء، بل المهد الصغير المصنوع من خشب "الإلدر" الأسود والمبطن بحرير العنكبوت السحري. تحركت الخادمات بصمت مطبق، وكأن المشي بصوت مسموع قد يكسر التوازن الهش للواقع الذي استقر لتوه. كن يجمعن شظايا الزجاج المتناثر من النوافذ التي تحطمت أثناء الولادة، وايديهن ترتعش بشكل ملحوظ. لم يجرؤ أحد على النظر مباشرة إلى الرضيع. الخوف لم يكن من "الطفل" بحد ذاته، بل من "الثقل" الذي يفرضه وجوده على الغرفة. جلس الدوق كرونوس على كرسي جلدي قرب المدفأة التي كانت نيرانها قد تجمدت في لحظة سابقة وعادت الآن للرقص ببطء غير طبيعي. كانت عيناه، اللتان تشبهان تروس ساعة قديمة، مثبتتين على ابنه. لم يقل كلمة واحدة منذ إعلانه السابق. كان يحلل. يقيس. يخطط. على السرير، كانت سيرافينا قد استعادت جزءاً من هيئتها الملكية بفضل تعويذات الشفاء الذاتي التي يمنحها وشم "الملاك السداسي". مررت يدها الرقيقة فوق جبهة الصغير النائم – أو هكذا بدا للناظرين – بينما كانت عيناه مفتوحتين جزئياً، تراقبان كل شيء بوعي لا ينتمي لرضيع عمره ساعات. "الجسد ثقيل..." فكر أريسين، وهو يحاول تحريك إصبعه الصغير. كانت الأعصاب لا تزال في طور تعلم كيفية نقل الإشارات، لكن تدفق "المانا" كان قصة أخرى. "إنه ليس مجرد تيار، إنه محيط هائج محبوس في كأس زجاجي." ركز بصره – ذلك البصر المزدوج والمرعب – على سقف الغرفة المزخرف برسومات لملائكة وتنانين، وكأن القدر يسخر منه برسم مستقبله فوق رأسه. بالعين اليمنى، عين الساعة ، كان العالم يبدو له كسلسلة من البيانات المتقطعة. استطاع رؤية "الأثر الزمني" لحركة الخادمة قبل أن تتحرك فعلياً. رأى الغبار العالق في الهواء وكأنه يتوقف للحظات ثم يكمل مساره، وكأن الزمن حوله يتردد في المرور بانتظام. وبالعين اليسرى، عين النجم ، اختفت المسافات. السقف لم يكن بعيداً. كان "هنا". شعر بتقلص الفراغ وتمدده مع كل نفس يتنفسه. كانت خطوط المكان واضحة له كخيوط العنكبوت، ولو أراد، لكان بإمكانه سحب أحد تلك الخيوط وتقريب السقف حتى يلامس أنفه. "عيناه لا تغلقان..." تمتمت سيرافينا بصوت خافت، وهي تداعب وجنة الصغير. "إنه لا يرمش، كرونوس. وكأنه... يدرسنا." نهض الدوق، ووقع خطواته الثقيلة تردد صداه في الغرفة الواسعة. اقترب من السرير، وانحنى فوق ابنه. تلاقت النظرات. نظرة "سيد الدمار" التي أرعبت قارة كاملة، ونظرة الرضيع التي تحمل حكمة من عالم آخر. "لأنه لا يرى ما نراه،" أجاب كرونوس ببرود، لكن نبرته كانت تحمل لمسة نادرة من الفخر الممزوج بالقلق. "عين فاليريان ترى حقيقة الفناء، وعين سيليستيا ترى حقيقة الوجود. هذا الطفل... دماغه يعالج معلومات كافية لدفع ساحر بالغ للجنون." مد كرونوس إصبعه المكتسي بقفاز جلدي أسود. وبحركة غريزية، قبضت يد أريسين الصغيرة على إصبع والده. في تلك اللحظة، حدث شيء جعل الدوق يسحب يده ببطء. حول إصبع الدوق، بدأ الزمن "يتباطأ". الجلد حول القفاز بدأ يشيخ ويعود لشبابه في دورة سريعة وغير مستقرة. وفي الوقت نفسه، انحنى الضوء حول يد الطفل وكأن جاذبية صغيرة تتشكل في قبضته. "سيادة الزمكان...". همس كرونوس، وهو ينظر إلى قفازه الذي ظهرت عليه شقوق الزمن. "إنه يفعله بالفطرة. سيرافينا، لا يمكن لهذا أن يستمر بدون كوابح. إذا شعر الإمبراطور بتموجات المانا هذه، ستكون الحرب." تحرك الطفل في مهده، وشعر أريسين بالجوع. ليس جوع المعدة، بل جوع "الوشم". الوشم على ظهره، تنين الفوضى ، كان يزمجر بصمت طالباً الوقود. والوشم على صدره، الملاك ، بدأ يعمل تلقائياً. فجأة، انخفضت درجة حرارة الغرفة. بدأت المصابيح السحرية المعلقة على الجدران تومض وتخفت. "أحجار المانا" التي تغذي القصر بالطاقة بدأت تهتز في أماكنها. شهقت إحدى الخادمات وسقطت صينية فضية من يدها عندما رأت خيوطاً زرقاء وذهبية من الطاقة الخام تُسحب قسراً من الهواء، ومن الجدران، وحتى من الحلي السحرية التي ترتديها، لتتدفق جميعها كشلال نحو المهد الصغير. كان أريسين يتغذى. قدرة "المانا اللانهائية" لم تكن تعني فقط أنه لا يتعب، بل كانت تعني أنه ثقب أسود للطاقة المحيطة إذا فرغ مخزونه. "إنه يستنزف الجناح!" صاحت سيرافينا، وبسرعة بديهة، رفعت يدها لتشكل حاجزاً عازلاً حول الخدم لحمايتهم من السقوط مغشياً عليهم بسبب نقص المانا المفاجئ. لم يتحرك كرونوس بخوف، بل بتحرك عملي. أخرج من جيب سترته صندوقاً صغيراً مبطناً بالمخمل، واستخرج منه قلادة فضية بسيطة المظهر، يتوسطها حجر أسود قاتم لا يعكس أي ضوء. "حجر الكبح من مناجم الهاوية،" قال كرونوس وهو يضع القلادة برفق حول عنق ابنه الصغير. "صنعته خصيصاً لهذا اليوم، لكنني لم أتوقع أن أحتاجه في الساعة الأولى." بمجرد أن لامس الحجر جلد أريسين، توقف شفط المانا العنيف. شعر أريسين ببطانية ثقيلة تغطي "حواسه" الفائقة. التنين على ظهره هدأ، والملاك طوى أجنحته غير المرئية. عاد العالم ليبدو... عادياً، ومملاً بشكل مخيب للآمال. لكنه شعر بالراحة، فالضغط الذي كان يهدد بتمزيق وعاء جسده الصغير قد اختفى. تنهد كرونوس، وعادت عقارب الساعة في الغرفة للدوران بانتظامها المعهود. "يجب أن يبقى هذا سراً،" قال الدوق، وهو ينظر إلى النافذة المكسورة التي تطل على العاصمة المتلألئة بالأسفل. "العالم يعرف أن الوريث قد وُلد، لكنهم لا يجب أن يعرفوا أنه 'وحش' بعد." ابتسمت سيرافينا بتعب، وهي تضم أريسين – الذي بدأ يغفو أخيراً بعد وجبته الدسمة من الطاقة – إلى صدرها. "دعهم يظنون أنه طفل مبارك فقط،" قالت وهي تقبل جبينه، تماماً فوق العين التي ترى النجوم. "وعندما يحين الوقت... سيكتشفون أنهم كانوا يعيشون في عالمه، لا العكس." في تلك اللحظة، وفي مكان بعيد جداً عن القصر، في أعمق نقطة من القصر الإمبراطوري، فتحت عيون أخرى. عيون ذهبية قديمة تنتمي لسلالة "سولاري" ، تراقب مؤشراً سحرياً ضخماً كان قد سجل لتوه قراءة زلزالية لمصدر مجهول. "فاليريان..." همس الصوت في الظلام. "ماذا أنجبتم؟" نام أريسين، وفي أحلامه الأولى، لم ير حليباً أو ألعاباً. رأى عرشاً يطفو فوق خراب الزمن، ورأى نفسه يجلس عليه، بينما الكون بأسره يدور حول إصبعه الصغير.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Tides Of Eternia

المؤلف ARES
2025/12/16 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة